حساب محمد بن زايد على إكس
الرئيس الإماراتي محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارة الأخير لأبو ظبي، 27 نوفمبر 2019

على الإمارات وMBZ تدور الدوائر

منشور الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير 2026

من بين كل التطورات الدرامية التي تشهدها المنطقة في سياق إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط برعاية دونالد ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو، يبدو الأكثر إثارةً للمخاوف ذلك الانفجارُ المفاجئُ للمواجهة المباشرة بين السعودية والإمارات؛ حليفي الأمس القريب، اللذين كان من المفترض أن يتوليا قيادة الشرق الأوسط الجديد مع تراجع نفوذ الدول "القديمة" مثل مصر والعراق وسوريا وانشغالها بأزماتها الداخلية.

منذ صعود نجم ولي العهد السعودي بن سلمان، قبل عشر سنوات، تجري مقارنته برئيس الإمارات بن زايد، على الرغم من تقدم الأخير عليه في العمر بنحو ربع قرن.

اشتهر الاثنان في دوائر الإعلام الأمريكي والغربي بالأحرف الأولى من اسميهما بالإنجليزية MBS لمحمد بن سلمان وMBZ لمحمد بن زايد، وباعتبارهما "إصلاحيين" يرغبان في بناء دولتين حديثتين تُخفف فيهما التقاليد الخليجية المحافظة، خصوصًا ما يتعلق بالنساء، ويسعيان لوضع خطط بعيدة المدى للتنمية الاقتصادية لا تعتمد فقط على النفط.  

من رفاق سلاح لخصوم

خاض الرجلان سويًا عام 2015 حربًا في اليمن، باعتبارها منطقة نفوذ سعودية، بعد سيطرة الحوثيين المدعومين إيرانيًا على العاصمة صنعاء، وتبني بن سلمان وبن زايد موقفًا متشددًا من النظام الإيراني.

اشتركا معًا كذلك في فرض حصار غير مسبوق على قطر، عضوة مجلس التعاون الخليجي، ما بين 2017 و2021، عقابًا على تمردها على موقفهما المتشدد من طهران، ورعايتها لجماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية عمومًا، إذ يرى بن زايد تحديدًا في "الإخوان" الخطر الأكبر على استقرار نظامه والمنطقة. 

ولأن دوام الحال من المحال؛ تفرقت السبل بالرجلين خلال السنوات الماضية، وتحولت الساحة اليمنية التي جمعتهم لساحة مواجهة إثر قصف سعودي لسفن شحن إماراتية تنقل عتاد وأسلحة للمجلس الانتقالي الجنوبي الساعي للانفصال بدولة جنوبية في اليمن. 

تفكك التحالف بعد انتهاك الإمارات لما تراه السعودية قواعد ثابتة في إدارة الخليج باعتباره منطقة تابعة لها، وأن الدول الخليجية الأصغر، مثل الإمارات وقطر والكويت والبحرين، يجب أن تمتنع عن تهديد مصالح "الشقيقة الكبرى" أو قيادتها.

جاءت نقطة التحول في نفوذ دول الخليج "الصغيرة" عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 بقيادة السعودي أسامة بن لادن وبمشاركة 15 مواطنًا سعوديًا. وكان أحد المبررات التي ساقها بن لادن التخلص من وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين على أرض المملكة بعد حرب تحرير الكويت عام 1990.

ورغم العلاقات السعودية - الأمريكية الوثيقة بسبب عقود النفط والسلاح، تمركزت القوات الأمريكية في الدول الخليجية الأصغر، تحديدًا الإمارات وقطر، واعتبرتهما قاعدتين عسكريتين متقدمتين لتنفيذ أي مهام طارئة، في إطار الالتزام الأمريكي التاريخي المعروف بمبدأ كارتر في سبعينيات القرن الماضي.

يتضمن مبدأ كارتر الانتشار العسكري السريع في الخليج لحماية النفط والمصالح الأمريكية من أي تهديد محتمل من دول الجوار، بداية بمصر عبد الناصر والنظام الشيعي الإيراني منذ ثورة 1979، مرورًا بصدام حسين العراق في التسعينيات، وإلى يومنا. 

أثبتت السنوات اللاحقة أن ترحيب دول الخليج "الصغيرة" باستضافة القوات الأمريكية لم يكن فقط بهدف حمايتهم من المخاطر الإيرانية ولخدمة المصالح الأمريكية، لكن كذلك لحمايتهم من الهيمنة السعودية وتأمين هامشًا من حرية الحركة واتخاذ القرارات التي تخدم مصالحها من دون استئذان الرياض.

اتضحت النوايا الأمريكية بجلاء عقب انفجار الخلاف بين السعودية وقطر عام 2017، الذي انتهى بحصار قطر ودفعها نحو تركيا وإيران. والمؤكد أن ما منع الرياض من اتخاذ إجراءات أكثر خشونة مثل اجتياح قطر مثلًا وإجبار قادتها على الانصياع لـ"الشقيقة الكبرى" هو احتضانها لقاعدة العديد الأمريكية على أراضيها، إضافة لخدمات الدوحة للإدارات الأمريكية المتعاقبة في ملفات أفغانستان وحماس.

رسخت قطر والإمارات مكانتيهما قوتين إقليميتين مؤثرتين من خلال الاستثمار في الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرهم. وفي أعقاب الربيع العربي 2011، أصبح لقطر والإمارات دور عسكري خارجي وتدخل مباشر في ليبيا وسوريا والسودان لضمان نظم موالية لهما.

وبينما تراجعت قطر عن دعم جماعات الإسلام السياسي في أعقاب الإطاحة بنظام الإخوان في مصر عام 2013، ولعبت دور وسيط السلام في العديد من النزاعات، كان حاكمُ الإمارات محمد بن زايد أكثر جموحًا وطموحًا.

بن زايد ينهض

قرر بن زايد عدم الاكتفاء بالحضور العسكري الأمريكي على أرضه لحماية نظامه من الهيمنة السعودية، فأسس علاقة مباشرة مع إسرائيل في سياق الاتفاقيات الإبراهيمية التي رعاها ترامب في فترته الأولى، شملت العلاقة التعاون العسكري والاستخباراتي وتحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولأن الإمارات، مهما بلغ ثراؤها، دولة صغيرة لا تمتلك من الجيوش ما يكفي لحماية مصالحها التي تمددت، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا؛ استخدمت ثراؤها لشراء ولاء مجموعات محلية بجانب الاعتماد على المرتزقة في مناطق النزاع مثل اليمن وليبيا والسودان وغيرها.

ورغم إنفاق الإمارات السخي في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن دعمها لمرتكبي جرائم حرب في السودان، ودعمها انفصال جنوب اليمن دون مراعاة مصالح السعودية؛ كلها أمور أدت إلى تراجع سمعة الإمارات وحاكمها على الصعيد الدولي.

وبينما بدا طموح بن زايد لا حدود له من إفريقيا للبحر الأحمر، ولإعادة رسم خريطة المنطقة بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة، اختار بن سلمان نهجًا أكثر هدوءًا، خاصةً بعد تورطه في اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وما تلاه من عزلة وانتقادات.

بعد استعراض القوة، سواء مع إيران أو اليمن، قرر بن سلمان التركيز على تحويل بلاده مركزًا للاستثمار العالمي في منافسة للإمارات. ولعل أحد أسباب اتساع الفجوة بينهما يعود إلى قرار المملكة إلزام الشركات العالمية الراغبة في التعاقدات السخية بفتح مقراتها الرئيسية في الرياض، وليس دبي وأبوظبي.

وبينما يملك ترامب حسم المواجهة بين MBS وMBZ، يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مر؛ فالسعودية والإمارات وقطر حلفاء مقربون وعدوا باستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأمريكي وفي شركات يملكها ترامب وأسرته. وعقب إعلان السعودية استثمار تريليون دولار، أعلنت الإمارات استثمار 1.4 تريليون.

الموقف في مصر أيضًا شديد الحساسية بحكم العلاقة مع قادة السعودية والإمارات ودعمهما الاقتصاد المصري. حتى فترة قريبة، تحدثت تقارير عن فتور العلاقات وتحفظ الرياض على الاستثمار في مصر كما تفعل الإمارات وقطر.

ويحسب للنظام المصري رفضه التورط في حرب اليمن، رغم مصالحه مع السعودية والإمارات. فمصلحة مصر المباشرة تكمن في دعم استقرار المنطقة، سواء في السودان أو اليمن، بعيدًا عن الخطط الانفصالية وتقسيم المقسم.

وستبقى منطقتنا مصدرًا للمفاجآت، فقبل سنوات كانت قطر مصدر القلق للشقيقة الكبرى في الخليج المتمتع بالحماية الأمريكية. الآن دارت الدوائر وأصبحت الإمارات وحاكمها في مرمى الهدف، ليس سعوديًا وحسب، ولكن على نطاق دولي واسع.