إخوة الدم والدولار.. تحالف الإمارات وإسرائيل لرسم شرق أوسط جديد
صفقة سلاح ضخمة نواة لشراكة استراتيجية تتجاوز الخليج والعرب وأمريكا
في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت شركة Elbit Systems، وهي واحدة من الثلاث شركات الكبرى في قطاع تكنولوجيا التسليح الإسرائيلي، عن عقد بقيمة 2.3 مليار دولار مع مشترٍ لم تُسمِّه؛ صفقة ضخمة بمعايير تجارة السلاح الإسرائيلية لم تتجاوزها سوى صفقة مع ألمانيا في سبتمبر/أيلول 2023 بقيمة 4.6 مليار دولار.
ظل اسم المشتري مجهولًا حتى منتصف ديسمبر/كانون الأول الحالي، إذ كشف موقع Intelligence Online أن المشتري المجهول هو دولة الإمارات العربية المتحدة.
نقل الموقع، استنادًا إلى مصدر مطّلع على المفاوضات، أن العقد يهدف إلى التوسع في اعتماد الإمارات على نظام J-MUSIC الدفاعي الذي يستخدم الليزر للتشويش على الصواريخ المزودة بمستشعرات تبحث عن أهدافها من خلال رصد الحرارة، مثل درجة حرارة المحرك. كما يتميز بخفة وزنه، فلا يؤثر على انسيابية تحليق الطائرات، إضافة إلى فاعليته الكبيرة ودقته العالية حيث يوفر حماية 360 درجة ضد الصواريخ.
وتنسجم صفقة الإمارات البالغة 2.3 مليار دولار مع Elbit مع اتساع الحضور والنفوذ العسكريين للإمارات في الخليج والسودان. كما تسلِّط الضوء على تنامي تأثير قطاع الأسلحة الدفاعية الإسرائيلية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتؤشر على أن التصدعات التي برزت مؤخرًا في الجسد الخليجي قد تنتهي لتشكيل تحالفات جديدة في شرق أوسط زلق، لا تثبت فيه أقدام أحد.
عسكرة السماء المدنية
يُستخدم نظام J-MUSIC بالفعل ضمن أساطيل الطائرات في هولندا وألمانيا والبرازيل وإيطاليا، وفي إسرائيل يُركَّب على طائرات عسكرية ومدنية، بما في ذلك طائرات ركاب.
واستخدمت الإمارات ذاتها هذه التكنولوجيا لأول مرة في يناير/كانون الثاني 2022 عبر صفقة بقيمة 53 مليون دولار لتجهيز طائراتها من طراز "إيرباص A330" متعددة المهام للتزوّد بالوقود والنقل multi-role tanker transport.
ولم تُصدر الحكومة الإماراتية بيانًا حول الصفقة، لكن تعميم النظام الدفاعي الليزري الجديد قد يخدم المصالح الاقتصادية للدولة إلى جانب المصالح الاستراتيجية. فشركات الطيران الإسرائيلية المدنية بما فيها طيران العال وArkia، تُشغّل بالفعل طائرات مجهزة بأنظمة من عائلة MUSIC التابعة لـElbit، وتُسوّق بوصفها توفر حماية فعالة ضد صواريخ أرض-جو والصواريخ الباحثة عن الحرارة.
ويتقاطع لدى أبوظبي الحرص الأمني مباشرة مع العوائد الاقتصادية، إذ يحقِّق قطاع الطيران ما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ما جعل الدولة تتعامل مع أمن طائرات الركاب بوصفه ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني، كما أن تطبيق أنظمة Elbit على طائرات الركاب قد يتيح مزيدًا من الحرية لتدشين خطوط جوية تعتمد على مسارات تعبُر أو تقترب من أجواء خصومها.
وسبق أن حصلت الحكومة الإماراتية في عام 2013 على نظام THAAD المضاد للصواريخ من شركة Lockheed Martin الأمريكية في صفقة بمليارات الدولارات. وسلّمت Lockheed Martin أولى بطاريات النظام في 2015، واستخدمته الإمارات في 2022 لاعتراض صواريخ أطلقتها قوات الحوثي خلال الحرب التي استمرت عقدًا بقيادة التحالف الذي تقوده السعودية على اليمن.
على هذا الخط، تشير الصفقة الجديدة إلى تحول في أمن الطيران الإماراتي وإدراكه لطبيعة التهديد، باتجاه النموذج الذي يعتمده الحلفاء الإسرائيليون المقربون. وتأتي في وقت يتزايد فيه اهتمام القوى العالمية بأنظمة الليزر المتقدمة للدفاع الصاروخي، من بين ذلك ما تخطط له إسرائيل من نشر لنظامها الليزري بقدرة 100 كيلوواط بحلول 2026، المعروف باسم Iron Beam لإضافة طبقة حماية خامسة إلى منظومتها الدفاعية التي تضم حاليًا أنظمة "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"السهم" 2 و3.
بالتوازي، تتحرك السوق الإقليمية نحو الدفاع الصاروخي، فقد حصلت السعودية مؤخرًا على نظام SkyShield الصيني، مستخدمة تقنيات قابلة للمقارنة مع تقنيات J-MUSIC من نوع DIRCM/إجراءات التصدي بالأشعة تحت الحمراء الموجهة لدى Elbit.
ورغم أن SkyShield تعرّض لانتقادات كبيرة بسبب ضعف أدائه في الظروف الفعلية، فإن التوجه نحو أنظمة مماثلة يوحي بأن جيوش الخليج تواصل الاستثمار في تقنيات إجراءات التصدي الناشئة، بما في ذلك الليزر، حتى عندما تكون النتائج الواقعية موضع جدل.
إبادة وصفقات
تحت ضغط الرأي العام المشتعل من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في أكتوبر 2023، دعت دول عربية علنًا إلى حظر التعاون، وبالأخص في مجال التسليح مع إسرائيل، فيما أعلنت السعودية تجميد محادثات التطبيع.
غير أنه في فبراير/شباط الماضي كسر المغرب هذا الحظر، وأبرم صفقة سلاح كبرى مع Elbit Systems للتزوّد بـ36 مدفعًا ذاتي الحركة.
ورغم أن القيمة المالية الدقيقة للصفقة المغربية لم تُعلن رسميًا، فإن محللين يقارنونها من حيث الحجم بتعاقد المغرب سابقًا على شراء 36 مدفعًا من طراز قيصر/CAESAR الفرنسي بمقابل نحو 200 مليون يورو (207 ملايين دولار تقريبًا). وهي الصفقة التي لم تكتمل بسبب مشكلات تقنية ظهرت أثناء الاختبار العملي، وعوضًا عنها لجأ المغرب إلى الشركة الإسرائيلية لتزويده بطلبه.
من بعدها أتى الكشف عن الصفقة الأحدث ليكون التعاون الأكبر لدولة عربية مع إسرائيل بعد حرب الإبادة، وهو ما ينسجم مع ما تقتضيه اتفاقات أبراهام التطبيعية مع إسرائيل.
في أغسطس/آب 2020، أصبحت الإمارات أول دولة خليجية تعلن رسميًا استعدادها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب الاتفاقات الإبراهيمية. وفي الشهر التالي، وقّعت الإمارات والبحرين الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، ولحقت بهما لاحقًا المغرب وكازاخستان.
رافق الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية وعود مألوفة بالابتكار التكنولوجي وتوسيع التجارة، في إطار تصوير الاتفاق على أنه الشكل الأمثل للمنطقة الذي سيحولها إلى إقليم مزدهر بفضل التعاون بين الدول عوضًا عن المواجهة.
لكن هذا التأطير العلني الذي يَعد به الاتفاق التطبيعي تصدّع بعد طوفان الأقصى، فقد بلغ السخط الشعبي العربي نقطة حرجة، ما أجبر بعض الحكومات الموقِّعة عليه على احتواء الرأي العام بما يتسق مع مصالحها الوطنية.
وبينما بقي التطبيع رسميًا قائمًا، ارتفعت تكلفة الاصطفاف العلني مع إسرائيل على نحو حاد؛ السعودية وقطر تفاعلتا بشكل مختلف، ففي اجتماع ولي العهد محمد بن سلمان بواشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو اجتماع حظي بتغطية واسعة، ألمح الزعيم السعودي إلى انفتاح على الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع، لكنه ربط ذلك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
أما قطر، التي قدّمت نفسها وسيطًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فواصلت معارضة التطبيع.
غير أن الإمارات سلكت مسارًا مختلفًا. ففي المحافل العامة، أدان قادة إماراتيون قرار إسرائيل احتلال غزة ومواصلة ضمّ الضفة الغربية. لكن خلف الأبواب المغلقة لم تمنع الإدانة اللفظية للإبادة في غزة والتوسع الاستعماري في الضفة الغربية تعزيز الشراكات التجارية. ولا ننسى أن الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي أدانت 7 أكتوبر علنًا.
تشققات في التحالف
يعكس هذا التباين فروقًا أوسع في المسارات التي تنتهجها دول الخليج، بالأخص في مجالات الدفاع والتسليح. ويشير تحليل لإسلام الخطيب، باحثة الدكتوراه في كلية لندن للاقتصاد والمتخصصة في دراسة تقاطع المراقبة وإنتاج المعرفة والبنى التحتية للتكنولوجيا العالمية، إلى أنه رغم الاستثمار الكبير للسعودية والإمارات وقطر في البنية التحتية العسكرية من خلال شراء السلاح من المعسكر الغربي، فإن أبوظبي غير مكترثة أكثر من غيرها قلقًا بإخفاء علاقتها بإسرائيل.
وتقول إسلام الخطيب أيضًا إن الرياض تسعى إلى تبييض "هواجسها الإقليمية عبر تكتلات الدفاع الأمريكية والأوروبية تحت غطاء 'الردع' و'الاندماج'"، أما قطر، فـ"تبني بنية تحتية عسكرية واسعة مشبعة بالمعدات الغربية"، في إشارة إلى استراتيجية تطبيع أكثر مواربة.
ليس بعيدًا عن هذا الإطار التعهّدات الأمريكية ببيع 48 مقاتلة F35 للمملكة العربية السعودية، وهي الصفقة التي أثارت قلق الحكومة الإسرائيلية من تآكل تفوقها الجوي في الشرق الأوسط. وقيل إن قادة سياسيين وعسكريين عبّروا عن استياء من استثمار أمريكي في "دولة معادية لا يوجد بينها وبين إسرائيل علاقات دبلوماسية"، مؤكدين أن الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي لإسرائيل يبقى ضروريًا لتشكيل تحالف ضد إيران".
ثم لم تلبث الاعتلالات في الجسد الخليجي أن بانت على السطح، وتجلت بشكل واضح يوم 26 ديسمبر، حين قصفت القوات السعودية مواقع مرتبطة بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتيًا، كاشفةً عن تصدعات داخل التحالف الإماراتي-السعودي الذي قاد الحرب في اليمن لما يقرب من عقد.
هذا التفكك في التحالف طويل الأمد في اليمن يشير إلى تحول أوسع في تموضع الإمارات عبر الخليج. إذ تبتعد أبوظبي عن الاعتماد على إجماع التحالف، وتتجه نحو ترسيخ قدرة عسكرية مستقلة قادرة على منافسة القوى المجاورة وإدارة الصراع خارج حدودها.
لوجستيات المجازر
من المرجح أن ينضوي دعم أبوظبي العسكري والاقتصادي لقوات الدعم السريع في السودان في منطق صفقة الصواريخ الإسرائيلية الجديدة.
منذ 2019، والإمارات تدعم قوات الدعم السريع؛ الميليشيا المسلحة التي اتهمتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة وعدة منظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب، من بينها الإبادة الجماعية.
وفي 2024، كشف تقرير لنيويورك تايمز عن بناء الإمارات قاعدة جوية قرب الحدود السودانية في تشاد. وفي 2025، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة استمرار توسّع القاعدة. وتصف أبوظبي الموقع بأنه مركز إنساني، لكن مراقبين يزعمون أن الإمارات استخدمته لتمركز مسيرات إماراتية وتهريب أسلحة غير مشروعة إلى قوات الدعم السريع.
ويرسخ تطوير القاعدة، الذي جرى بالتوازي مع اتساع سباق التسلح بالمسيرات، دور الإمارات القتالي في الحرب السودانية في ظل ما برز من تفوق جوي للجيش السوداني عبر نشر سرب من الطائرات المسيرة التركية المتقدمة التي وفرتها شركة الدفاع Baykar، لتحل محل نماذج سابقة منتَجة في إيران.
وحسب واشنطن بوست، عرض قادة في الجيش السوداني إتاحة الوصول إلى موارد طبيعية، منها النحاس والذهب والفضة، لشركات تركية مقابل توسيع القدرات الجوية.
ولكون قوات الدعم السريع تواجه الآن جيشًا سودانيًا أفضل تجهيزًا، باتت الدفاعات الجوية ضرورة ملحة لقائدها محمد حمدان دقلو/حميدتي. وقد تتبّعت جهات رقابية بالفعل وقائع سابقة لدخول أنظمة مماثلة إلى السودان عبر مسارات مرتبطة بالإمارات، ففي أبريل/نيسان 2025، التقطت أقمار صناعية منظومة مضادة للطائرات من طراز FK-2000 مثبتة على شاحنة قرب مطار نيالا جنوب دارفور. ولاحقًا حدّد محللون أنها صينية الصنع، وخلصوا إلى أنها تحركت عبر الإمارات وتشاد قبل وصولها إلى السودان.
ولا يزال القتال يتصاعد في أنحاء السودان هذا العام، لا سيما في دارفور، حيث ترتكب قوات الدعم السريع ما وصفه البعض بالإبادة الجماعية. وإذا أسفرت الصفقة الجديدة عن تطوير قدرات مضادة للصواريخ لدى قوات الدعم السريع، تكون الإمارات عمّقت تورطها في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إلحاحًا في العالم، خدمةً لمصالح استراتيجية في القارة الإفريقية.
معسكران… واقتصاد حرب واحد
في 26 ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بصوماليلاند دولةً مستقلة وموقِّعة على الاتفاقات الإبراهيمية.
هذه الخطوة رسّخت علاقة كانت قائمة بالفعل. إذ أقامت الإمارات علاقات مع الإقليم المعترف به جزئيًا منذ 2017، حين افتتحت قاعدة عسكرية هناك، ثم عيّنت دبلوماسيًا في هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، في 2021.
وفي اليوم التالي، تحركت السعودية في الاتجاه المعاكس. ففي 27 ديسمبر، وقّعت الرياض بيانًا مشتركًا يؤكد السيادة الصومالية على صوماليلاند إلى جانب عدة وزراء خارجية عرب. وغابت الإمارات بشكل لافت عن قائمة الموقّعين، ما يبرز اتساع التباين بشأن القيمة الاستراتيجية للتطبيع.
ويمتد هذا التباين الآن أبعد من الدبلوماسية ليصل إلى الحرب. تواصل القيادة الإماراتية دعم كل من قوات الدعم السريع وصوماليلاند لضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية، وترسيخ النفوذ في القرن الإفريقي، ومواجهة التحالف الإيراني–التركي الداعم للجيش السوداني.
وفي الوقت نفسه، وبعد اجتماع في 19 ديسمبر بين مسؤولين أمريكيين وإماراتيين، تعهّد نائب رئيس الوزراء الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان بدعم جهود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتأمين وقف إطلاق نار إنساني في السودان، في إشارة إلى مواءمة تكتيكية مع واشنطن أكثر منها تراجعًا عن الاستراتيجية الإماراتية.
الخلاصة؛ إذا نُشر نظام DIRCM على الأراضي الإماراتية، فلن تكون التكنولوجيا مجرد ترقية دفاعية، بل ستشير إلى تحول في موازين القوة في شبه الجزيرة العربية، وتعزز ترسيخ محور أمني إماراتي–إسرائيلي.
وكما ترى إليزابيث دِنت، زميلة معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن تعميق الشراكات الإسرائيلية-الإماراتية قد يدعم مساعي السعودية وقطر لتنويع علاقاتهما الدفاعية على نحو يتتبع أولويات الولايات المتحدة بصورة أوثق.
هذه التطورات تشير إلى بروز معسكرين إقليميين؛ في أحدهما تسعى الإمارات وإسرائيل بشكل متزايد إلى مواءمة عملياتية وتكنولوجية وميدانية تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي. وفي الآخر، تواصل السعودية ودول خليجية أخرى توسعها العسكري في العواصم الغربية وأسواق السلاح والغطاء الدبلوماسي، حتى وهي تتجنب التطبيع العلني مع إسرائيل.
وبالطبع لهذا الاصطفاف ثمنٌ واضح. فقد تصاعد إحباط الولايات المتحدة من إسرائيل، إلى جانب تجدّد التوترات مع الإمارات بسبب دورها في حربي اليمن والسودان. لكن يبدو أن أبوظبي مستعدة لامتصاص هذا. فمن خلال توسيع قدراتها العسكرية بتكنولوجيات إسرائيلية صُقلت خلال حرب الإبادة على غزة، تبدو الإمارات وكأنها تعيد علاقتها بإسرائيل إلى ما قبل 7 أكتوبر، مبتعدةً تدريجيًا عن التحالف الذي تشكّل خلال الحرب في اليمن بقيادة السعودية.