حساب دونالد ترامب على فيسبوك
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، 26 يناير 2025

طرامبو يتحدى رامبو.. الدلالات الاستعمارية لاختطاف مادورو

منشور الأحد 25 كانون الثاني/يناير 2026

لا يمثل اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وإخضاعه للمحاكمة سابقةً من نوعها في علاقة الولايات المتحدة بأمريكا الوسطى والجنوبية، إذ سبق وتورطت في اعتقال واختطاف واغتيال رؤساء دول عدة في هذه القارة.

لكن هذه الواقعة تحمل دلالات جديدة، فهي ممارسة استعمارية مباشرة تحدَّث فيها الرئيس الأمريكي صراحةً عن تطلعه إلى التحكم في إنتاج وبيع النفط الفنزويلي، كما تعكس محاولات الولايات المتحدة لاستثمار تفوقها العسكري مباشرةً تعويضًا لتراجعها الاقتصادي أمام الصين. لكن هذه التطلعات تبقى محفوفةً بالكثير من المخاطر بما يشكك في أن تؤتي أكلها.

ليست المرة الأولى

تكررت تدخلات الولايات في أمريكا الجنوبية، وشملت عمليات عدة لتغيير أنظمة دولها، ربما آخرها استدعاء رئيس هندوراس السابق بعد خروجه من الحكم للمساءلة في قضية مخدرات وإدانته في 2024.

راجت هذه التدخلات بالأخص في حقبة الحرب الباردة، وأشهرها دعم الانقلاب العسكري على رئيس شيلي ذي الميول الماركسية، سلفادور الليندي في السبعينيات، كما أفنت المخابرات الأمريكية عقودًا في المحاولات الفاشلة لاغتيال رئيس كوبا، فيدل كاسترو. 

وفي الثمانينيات أسست الولايات المتحدة لقاعدة اختطاف رئيس ومحاكمته باعتقال رئيس بنما ومساءلته في قضية مخدرات. ما يجعل مثل هذه الممارسات بمثابة ملمح رئيسي لتاريخ أمريكا اللاتينية، التي تراها الولايات المتحدة دائمًا بمثابة فناء خلفي تستعرض فيه قوتها.

فنزويلا ليست العراق

بالرغم من كل هذا التاريخ الاستعماري في أمريكا اللاتينية، فإن أول ما يقفز إلى الذهن عن التدخلات الأمريكية هو هذا النوع من الأعمال العسكرية المغلفة بشعارات الديمقراطية، التي طبعت التدخلات الأمريكية لعقود، وفي المقدمة عملية إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين.

هذه الدعاية الزائفة تختلف تمامًا في حالة اختطاف مادورو، فترامب تحدث صراحةً عن أن فنزويلا ستسلم الولايات المتحدة من 30 إلى 50 مليون برميل نفط لتبيعه الإدارة الأمريكية بأسعار السوق، وتدير العائد تحت إشراف شخصي من ترامب بما يحقق النفع للشعبين الأمريكي والفنزويلي.

لم يخفِ ترامب ولا إدارته أن الغرض من الإطاحة بمادورو هو مد السيادة الأمريكية بشكل مباشر على فنزويلا خاصة فيما يتعلق بالنفاذ إلى قطاع النفط في بلد يصنف صاحب أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم.

يمكننا أن نقرأ خطاب ترامب اليوم عن فنزويلا بوصفه حالةً تشبه الخطاب الاستعماري للدول الأوروبية قبل بضعة قرون، عندما كان البلد الأقوى ينقضُّ على الأضعف لنهب موارده دون الحاجة لتبرير هذا العمل العسكري. ما يريده ترامب اليوم من فنزويلا يشبه تأسيس شركة الهند الشرقية بقرار من البرلمان البريطاني، ومُنحها احتكارًا للتجارة مع الهند في مطلع القرن الـ17.

النهب الاستعماري الصريح في الهند

حملت شركة "الهند الشرقية" ملامحَ دولة؛ تمتعت بأسطول بحري خاص وقوة مسلحة علاوة على إدارة بيروقراطية بموظفين بريطانيين، وسرعان ما تمكنت من الاستيلاء على إقليم البنغال (ما يضم بنجلاديش الحالية والبنغال الغربية في الهند) عبر الغزو العسكري، ومارست أدورًا سياديةً كأنها حكومة، وأسست إدارة لجباية الضرائب من الفلاحين.

الأهم من السيادة، أن الشركة لعبت دورها في سلسلة من المعاملات الاقتصادية تحمل طابعًا صريحًا لاستخلاص القيمة، فهي تشتري بأموال الضرائب المواد الخام الهندية وتصدرها لإنجلترا، حيث الثورة الصناعية بصدد الانطلاق، ثم تعود بالمنتجات البريطانية المصنعة لتبيعها في الأسواق الهندية.

بهذه الطريقة خلقت الشركة عجزًا في الميزان التجاري لصالح بريطانيا، إذ يمول الفلاحون الصادرات الهندية بأموال الضرائب، ثم يدفعون مرة أخرى لاستهلاك ما يتم تصديره إليهم من منتجات إنجليزية... ويا حلاوة!!

استثمار التفوق العسكري

يعود بنا ترامب، وبالنظام العالمي، إلى تلك الممارسة القائمة على مد سيادة دولة إلى إقليم خارجها لا لشيء إلا للنهب بأشكال متعددة إما عن طريق التبادل غير المتكافئ أو عن طريق وضع اليد بالقوة العسكرية.

بمعزل عن تفاصيل الحالة الفنزويلية، التي لم تستقر بعد، فإن خطاب ترامب عن الاستحواذ على النفط، المجرد من أي دعاية سياسية، يعكس تصوراته عن ضرورة التخلص من القانون الدولي، لا لصالح نظام معدل بل لصالح غياب أي نظام يحول دون استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها لتحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة كما هو الحال في استخراج البترول الفنزويلي أو الاستيلاء على جرينلاند لاستخدام الموارد المدفونة فيها مع ذوبان الجليد، وصولًا إلى ما يدور حول تطلعاته بشأن كندا.

هذا الهوس التوسعي لا يبرره إلا التفوق العسكري الساحق للولايات المتحدة الذي تحقق عبر ضخ استثمارات حكومية بالغة الضخامة في قطاع الدفاع، والصناعات التكنولوجية المرتبطة به، حتى أصبح أكبر بند في الإنفاق بالموازنة بعد النفقات الإلزامية وخدمة الدين (نحو 15% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي في 2024).

مقارنة بالدول الأخرى، بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي في 2024 نحو تريليون دولار بما يساوي تقريبًا الإنفاق العسكري لكل من روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعين.

تفوق الولايات المتحدة العسكري واضح لكل ذي بصر، ويبدو أننا نتجه إلى أن يصبح التفوق العسكري في ظل إدارة ترامب أكبر نقطة تعتمد عليها الولايات المتحدة اليوم لضمان وضعها قوةً مهيمنةً في العالم مع التراجع النسبي في وزن الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي من 40% في 1960 إلى نحو 24% في السنوات الأخيرة (لصالح الصين بالأساس، وشرق وجنوب آسيا بشكل عام).

ثمن تجاوز القانون الدولي

لكن الاعتماد المبالغ فيه على القوة العسكرية له مشكلاته هو الآخر، على رأسها أنه ليس محل إجماع لدى المواطن الأمريكي العادي، خاصة مع تجارب الماضي والعجز عن تحويل التفوق العسكري الساحق إلى مكتسبات سياسية في بلدان مثل أفغانستان والعراق، بل حتى مع النجاح الكبير في اعتقال أو اختطاف مادورو يفيد استطلاع أخير لـفوريس بأن ثلث الأمريكيين (33%) فقط يدعمون التدخل الأمريكي في فنزويلا.

هناك قواعد شعبية يمينًا ويسارًا تعارض أي تورط ذي تكلفة بشرية أو اقتصادية خارج الولايات المتحدة، وربما من هنا يمكن فهم خطاب إدارة ترامب الفج حول نهب بترول فنزويلا مسوغًا للتدخل لدى قواعده المتشككة في نجاعته.

يُضاف إلى ذلك أن محاولة تسخير التفوق العسكري بشكل نشط يعني تدمير الأطر القانونية والمؤسسية الدولية التي للمفارقة كانت بالأساس من صنع الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

باختصار، يتطلع ترامب لتطبيق نموذج استعماري قديم، معتمدًا على ترسانة هائلة من التسليح. لكن العبرة ليست بالعمليات العسكرية والقصف، فاستعادة مجد المستعمرين القدامى لن يتحقق إلا إذا نجح فعلًا في خلق ترتيبات تضمن عملية نهب مستمرة وممأسسة مثل التي مارستها "الهند الشرقية".

إذا استطاع فعلًا نهب بترول فنزويلا سيكون قد نجح، لكن سلوكه غير المكترث بالقانون الدولي فقد يتسبب في هدم نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية تمامًا. وإذا خرج عفريت الفوضى من القمقم وانهار النظام العالمي، فمن الصعب رؤية عالم يتمتع بالحدود الدنيا من الاستقرار كي تسافر رؤوس الأموال وتحقق عائدًا للمصالح الكبرى، التي للمفارقة يدعي ترامب إنه يمثلها ويعمل على رعايتها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.