سحابة وردية لكنها ممطرة: كيف أفسدت النيوليبرالية وعود التعافي
"قدرتُنا كبشر على التخيل والسرد تجعلنا، على نحوٍ بالغ الدقّة، عرضةً للاستغلال من قِبَل أولئك الذين يُحسنون فهم خصائص القوة الأيديولوجية وكيف تعمل".
ديفيد سمايل، القوة والمسؤولية والحرية
هذا عامي الثامن منذ خروجي من مصحّة لعلاج الإدمان قضيت فيها ستة أشهر من العلاج الإلزامي. ثماني سنوات مرّت على ما يُسمَّى "رحلة التعافي"، التي يمكن اختصارها في جملة واحدة: المعاناة مستمرة، لكن دون ترهات.
عندما تخضع اليوم لبرنامج قائم على "التعافي" في مؤسسة علاجية، فإنك في الغالب تُطالَب باتّباع مجموعة محددة من الأفكار، في مقدمتها أن عيوبك الشخصية هي سبب معاناتك. وحتى إذا جرى التعامل مع الإدمان بوصفه مرضًا مزمنًا، فإن اللوم يقع عليك في النهاية لأنك "لم تختر التعافي".
في حديث شخصية بيني وبين دكتور جابور ماتيه، تطرقنا إلى التحوّلات التي طرأت على الخطاب المتعلق بالإدمان، وبالمدمنين، وبفكرة التعافي نفسها. وكيف أن النموذج المرضي للإدمان، رغم عيوبه، ساهم في تحرير المدمنين من الوصمة وتهمة الإجرام، وأضفى رؤية أكثر إنسانية على تجاربهم.
ورغم اتفاقي النسبي مع هذا التحوّل في الخطابات والمؤسسات المعنية بالإدمان، قلت له إن تحسّسي الأوّل، بوصفي مدمنًا متعافيًا، هو أننا انتقلنا إلى أشكال جديدة من الإكراه والوصمة: أصبح هناك إجبار على التعافي، وما زال الوصم حاضرًا إذا كنت تعاني ولم "تختر" التعافي.
النيوريكفري
تخيّل معي رد فعل الناس لو أن مريضًا بداء السكري، الذي كثيرًا ما يُقارن بالإدمان، لم يتناول دواءه لأي سبب كان. هل سيُترك دون أن يُوصم بالفشل أو الكسل أو الغباء أو الجهل؟ هذا بالضبط ما نراه في الإدمان اليوم.
فبسبب وجود "أماكن علاجية" لا يختار المدمن الذهاب إليها، يُلام وحده، ويُحمَّل المسؤولية كاملة، أو يُجبر على التعافي. وبسبب احتكار هذه الأماكن لخطاب التعافي، لا يحصل أصحاب المعاناة على أي دعم اجتماعي حقيقي، لا عاطفيًا ولا ماديًا، بل يُترك حتى يختار التعافي أو يُلزم به.
هناك طغيان لافت لثقافة "التعافي" التي تتصدر المشهد اليوم؛ ثقافة أحبطت الملايين واستنزفتهم ماديًا، هم وأسرهم، بعدما ظنّوا أنها حليفتهم، بينما جاءت في الحقيقة لتربح من معاناتهم. أنا مثال واحد من ملايين أُحبطوا بسبب هذه الثقافة، لكن معظمهم لم يستطع حتى تسمية ما يحدث له.
منّا من انتكس، ومنّا من مات وهو يعتقد أن المشكلة الأساسية فيه لأنه مَن اختار الموت. ومنّا من هم مثلي، أكمل رحلة التعافي بشكل نقدي، فاصطدم بالمشاكل البنيوية التي تساهم في معاناته يوميًا بلا مسكنات، أو ما يسميه إريك فروم بـ"الأوهام": ذلك الوعي الزائف الذي يجعل الإنسان يعيش في واقع مصطنع، مشتّتًا ومنفصلًا عمّا يحدث حوله وما يحدث في داخله.
قد تبدو هذه النظرة قاتمة أو محبطة، لكنها تكتسب أهميتها اليوم إذا وُضعت في سياق التحوّلات الجارية في خطاب التعافي نفسه، وخصوصًا ما بات يُعرف في بعض الأدبيات النقدية باسم النيوريكفري/Neorecovery.
لم يكن التعافي مسارًا فرديًا معزولًا، بل تجربةً جماعيةً تنمو داخل شبكات من التضامن والرعاية المتبادلة
ما الذي نعنيه بـ النيوريكفري؟
هو ليس نموذجًا علميًا متماسكًا ولا مدرسةً علاجيةً، بل توصيف نقدي لعملية سطوٍ طرأت على خطاب التعافي وممارساته خلال السنوات الأخيرة. يُطلَق المصطلح على النسخة الجديدة من التعافي حين تُفرَّغ من بعدها الاجتماعي والسياسي، وتُنزع من موقعها كحركة شعبية مستقلة عن مؤسسات الطبّ النفسي، ثم تُعاد صياغتها بما ينسجم مع منطق السوق ومسؤولية الفرد، لتتحوّل إلى مشروع استثمار شخصي تموّله وعودٌ رأسمالية.
وعود نعدّها نحن، الذين خضنا رحلات تعافٍ من دون الغرق في أيديولوجيا النيوريكافري، محضَ ترهات؛ سواء تعلّق الأمر بتكديس الكورسات والدورات و"شهادات" التعافي، أو بالادعاء أن تغيّر "نظرتنا" للأمور سيقودنا تلقائيًا إلى التطوّر، إلى حدّ يتحوّل فيه الألم والمعاناة إلى نجاح شخصي وفرصةٍ للاستثمار.
مطر قاسٍ
التعافي ليس مسارًا فرديًا معزولًا، بل تجربة جماعية تنمو داخل شبكات من التضامن والرعاية المتبادلة، يقودها أصحاب الخبرات الشخصية ومستخدمو خدمات الصحة النفسية أنفسهم، حيث تُفهم المعاناة بوصفها مسألةً مشتركة.
تاريخيًا، نشأت حركات التعافي بوصفها ردًّا على الإقصاء وعلى نماذج طبية اختزلت الإنسان في تشخيصاته. كان التعافي يعني استعادة الصوت والكرامة والانتماء والحق في الوجود. لكن مع الوقت، ومع تحوّل أنظمة الرعاية الصحية ودولة الرفاة الاجتماعي، وخصوصًا في ظل سياسات عالمية تشجّع التقشّف والخصخصة، لم يعد من الممكن فهم النيوريكفري بمعزل عن المناخ الاقتصادي النيوليبرالي الذي ساهم أيضًا في خصخصة المعاناة الإنسانية. حين تتراجع الدولة عن مسؤولياتها وتُترك الرعاية للسوق، يصبح الفرد هو المسؤول الأول، وربما الوحيد، عن نجاته.
يُصمَّم التعافي داخل هذه المؤسسات بوصفه تجربةً داخليةً مغلقة، منفصلةً عن شروط العيش الفعلية: العمل، الفقر، العزلة والوحدة، الفساد
يشتهر في عالم التعافي من الإدمان ما يُعرف بمتلازمة "السحابة الوردية": حالة وجودية يمرّ بها المتعافي في المراحل الأولى من رحلته، حيث يشعر بتغيّرات إيجابية وحماسة ونشاط، وباتساع إمكاناته لبناء حياة جديدة، وبأنه تجاوز الإدمان نهائيًا، ذلك الإدمان الذي يُختزَل رمزيًا بوصفه سببَ كل مشكلاته.
وبعد مرور الوقت، واصطدام المتعافي بالبنية التي ساهمت في إنتاج إدمانه في المقام الأول، ومن دون قدرة نقدية على قراءة الواقع أو شبكة حماية تحتضنه، تمطر السحابة بقسوة، ويذهب لونها الوردي. ويُعدّ السقوط من السحابة الوردية أحد أهم أسباب الانتكاس؛ إذ يُلام المتعافون، ويُقدَّم الأمر باعتباره سوءَ تقديرٍ أو خطأً وقع في "رحلتهم"، كأنّهم وحدهم المسؤولون عن الفجوة بين تصوّراتهم والواقع.
تعتمد أيديولوجيا النيوريكفري ومؤسسات التعافي الفردي على هذه الفجوة كي لا تُناقَش أو يتم التعامل مع حياة المدمن خارج أسوار العلاج، خاصة الأجزاء التي تتأثر بموقعه الطبقي، وبالجندر، وبظروف عمله، وبرأسماله الاجتماعي. وقد تكون هذه الفجوة أفضل وسيلة للدعاية تستهدف المدمن أو أسرته؛ فتُعدهم بعلاجٍ وتغييرٍ وتحسّنٍ وفرصٍ للمساعدة والتعافي، بعيدًا عن الاعتراف بأي عقبات أو عوائق خارج أسوارها.
يُصمَّم التعافي داخل هذه المؤسسات والعيادات بوصفه تجربةً داخليةً مغلقة، منفصلةً عن شروط العيش الفعلية: العمل، الفقر، العزلة والوحدة، الفساد، عالم السياسة والاقتصاد، انعدام الأفق والمعنى. تذكّرنا هذه البنية بحبكة مسلسل Severance (2022)، والتي تدور حول عامل يخضع لعملية طبية في الدماغ تفصل بين حياته العملية وحياته الشخصية، بحيث يعيش كل حياة بشكل منفصل تمامًا، ولا تعرف أي منهما شيئًا عن الأخرى؛ حياةً خارجيةً قد تكون مهينة وكئيبة وبلا أفق ومليئة بعوامل الخطر، وأخرى داخلية مُعقَّمة علاجيًا يُفترض أن تظلّ منتجة وإيجابية مهما كان الواقع الخارجي.
قل: لا
برامج العلاج داخل هذه المؤسسات مبنية على نمطٍ من التفاؤل المخادع الذي ينكر الظروف المادية للإنسان، ويشبه إلى حدّ بعيد ما تفعله السياسات النيوليبرالية في تشكيل وعينا المعاصر. فكما تساهم النيوريكفري في "السحابة الوردية" ووعد أن كلّ شيء سيتحسّن، وأنّ العقبة الأهم أمام تحقيق أي هدف في الحياة هي أنت، تأتي تبريرات شبيهة بالمقولة الشهيرة المنسوبة إلى مارجريت تاتشر "لا شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد فقط".
أليس هذا هو المنطق النيوليبرالي القائل بتحميل الفرد وحده مسؤولية النجاة؟ ألا يمجد الاعتقاد بأن أعظمَ ما يمكن أن يحققه الإنسان هو الانتصار على ذاته؟ هل يوجد انتصار أعظم من انتصار المدمن على نفسه؟ يُطلَق على المتعافين لقب "أبطال"، ويستغلّ الإعلام قصصهم ليس فقط لتمجيد تعافيهم، بل لأنّ تعافيهم يخدم الإيديولوجيا السائدة ويتجلّى فيهم مفهوم الانتصار الفردي، فتتغذّى عليه الأنظمة وتستخدمه حجةً ضدّ نقّادها.
تُذكّرنا هذه الديناميكية بنموذج محمد صلاح، الذي تغلّب على ذاته والظروف وخاطبنا "أنت أقوى من المخدرات". في 1982 أطلقت نانسي ريجان، زوجة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان أحد روّاد تطبيق السياسات النيوليبرالية على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، حملةً شعارها "فقط قل لا/ Just Say No"، في تمثيل فج للاختزال.
من المهم العودة إلى منتصف القرن العشرين وإلى جذور حركات التعافي في الغرب الذي انطلق من نقد المؤسسات العلاجية والنماذج الطبية
نحن بحاجةٍ إلى أخلاقيات تعافٍ تتجاوز، نقديًا، ما هو سائد الآن؛ تعترف بالمعاناة من دون ترهات إيديولوجية. وفي مصر بالتحديد، التي تعاني بوضوح من تفكك اجتماعي وتدهور في مجالات مختلفة، يجب علينا إرجاع مفهوم التعافي إلى عالم السياسة والعدالة الاجتماعية، وخلق مساحات دعم حقيقية لا تشترط إنكار حقيقة العالم.
لقد كنا دائمًا نستورد الأدوات والمناهج العلاجية من الغرب، وحتى وإن تأخّر هذا الاستيراد، أرى أنه حان الوقت للمهتمين بالإنسان والحلقات الضعيفة في المجتمع أن يهاجموا النيوريكفري ويعيدوا بناء مشروع تعافٍ جديد بأخلاقيات لا تحمل الإنسان والمواطن المصري ما لا يطيق، مشروع يتحدث عن الفرد والمجتمع، ويركّز على مسؤولياتنا المشتركة تجاه بعضنا.
لذلك، من المهم العودة إلى منتصف القرن العشرين وإلى جذور حركات التعافي في الغرب: ذلك المشروع الاجتماعي والسياسي الذي انطلق من نقد المؤسسات العلاجية والنماذج الطبية، ومن إتاحة المساحة لأصحاب التجارب، سواء مع الإدمان أو مع معاناة نفسية/جسدية أخرى، ليُؤخذوا على محمل الجد في صناعة القرارات والسياسات التي تؤثر في حياتهم، وكذلك للعمل سويًا على أشكال رعاية مشتركة تخلو من علاقات السوق.
في هذا السياق، ظهر شعار Nothing about us without us/لا شيء عنا من دوننا بوصفه ثورةً اجتماعيةً ضدّ احتكار الأطباء والمختصّين ورجال الأعمال للمعرفة والقرار. إنّ العودة إلى هذه الجذور تتيح لنا رؤية التعافي قبل أن يستعمره الفكر النيوليبرالي، حين كان مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا يخاطب الفردي فينا من دون أن يفصله عن الجماعي أو يُفرغه من بُعده المادي.
التعافي، كحركةٍ اجتماعيةٍ تقدمية، يحتاج إلينا، نحن أصحاب التجربة الحيّة وحاملي الخبرات السلبية من النيوريكفري، بالتحالف مع المهتمين بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، لنستعيد تأثيره ونستعيد قدرتنا على التأثير، كي لا يتحوّل إلى سحابة وردية أخرى.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

