ميناء العريش: كسر عزلة إسرائيل على أنغام البروباجندا
كيف استحوذت صادرات الأسمنت إلى دولة الإبادة على "بوابة إنقاذ غزة"؟
في خريف 2023، وبينما أنظار العالم مُتَّجهةٌ نحو الإبادة التي كانت تبدأ لتوّها في قطاع غزة المحاصر؛ استقبل ميناء العريش سفينةَ مساعداتٍ تركيةً ضخمةً. منذ تلك اللحظة، وطوال سنتي الحرب، قدَّمت الدولةُ الميناءَ باعتباره بوابةً لإنقاذ الجار المحاصر، وأكد مديره اللواء محمد شريف أنه يعمل بكامل طاقته لضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأن الجهود المصرية نجحت في تحويل "العريش" إلى نقطة ارتكاز محورية في عمليات الإغاثة.
لكنَّ وجهًا آخرَ صادمًا تخفَّى وراء هذا المشهد الإنساني؛ إذ يكشف تحليل بيانات الصادرات كيف تحوَّل الميناء إلى قاعدةٍ لوجستيةٍ كبرى تستحوذ فيها إسرائيل وحدها على نحو 29% من إجمالي صادراته الخارجية، ومن خلاله خرج 30% من إجمالي ما صدَّرته القاهرة إلى دولة الإبادة في 2025.
وسجَّلت الصادرات المصرية إلى إسرائيل قفزةً تاريخيةً بعد اندلاع الحرب في غزة، لتصل إلى 289.7 مليون دولار في 2024، بزيادةٍ ناهزت 100% عن 2023. وفي 2025 لم يتوقف التسارع؛ فوفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ودائرة الإحصاء الإسرائيلية، بلغ إجمالي الصادرات 319.2 مليون دولار حتى نوفمبر/تشرين الثاني، وهو رقم قياسي يدل على طفرة تجارية غير مسبوقة، تزامنت مع توترات إقليمية.(*)
في هذا التحقيق، وعبر تحليل البيانات الحكومية، نرصد المسار التصاعدي للصادرات المصرية إلى إسرائيل، بالتزامن مع تحوَّل ميناء العريش في غضون ثلاث سنوات من مرفأ ثانوي يسهم بنسبة 0.1% من إجمالي الصادرات المصرية إلى إسرائيل عام 2021 بقيمة 149 ألف دولار، إلى ممر أساسي وقاعدة لوجستية كبرى استحوذت على 23% من قيمة الصادرات المصرية إلى إسرائيل في عام 2024، ووصلت إلى 30% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
كما نتتبعُ، عبرَ الاعتماد على بيانات حركة السفن من المصادر المفتوحة، تفاصيل الأسطول الذي قدَّم الدعم اللوجستي لإسرائيل في أوج عزلتها الإقليمية، ونكشف هويات الشركات المصرية والجهات القائمة على استدامة هذا التدفق التجاري.
الإمارات تدخل والسكان يخرجون
في عام 2019، انتقلت بقرارٍ جمهوريٍّ تبعية ميناء العريش وأراضيه، البالغة وقتها 371 فدانًا، إلى القوات المسلحة. وبعد سنتين؛ زاد قرار جمهوري آخر مساحة الميناء إلى أكثر من 541 فدانًا بضمِّ مزيدٍ من الأراضي المحيطة به، ما استدعى هدم آلاف المنازل في حي الريسة لتوسعة المرفأ، دون صرف تعويضات عادلة، وفق شكاوى أهالي المنطقة وتقارير حقوقية محلية.
واندلعتْ سلسلةٌ من الاحتجاجات الشعبية في شمال سيناء، منتصف عام 2022، تصدَّرها سكان حي الريسة من كبار السن والنساء والأطفال الذين افترشوا الأرض أمام الجرافات، وشارك فيها نشطاء محليون وشيوخ قبائل، مطالبين بحقهم في البقاء أو التعويض العادل.
بتصاعدِ احتجاجات أهالي المنطقة، توقَّفتْ أعمال الإزالة في يوليو/تموز 2023، ما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تكليف وزير النقل كامل الوزير بلقاء ممثلين عن الأهالي في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، حيث تعهد بعدم تنفيذ أي إزالة دون التوصل إلى اتفاق مُرضٍ.
بعد ذلك عادت وتيرة العمل إلى طبيعتها في توسيع الميناء؛ فخضعت بنيته التحتية لعملية تطوير تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ليصبح ميناءً دوليًا مرتبطًا بشبكة خطوط السكك الحديدية، مع إطالة الرصيف إلى كيلومتر، وتعميقه ليصل إلى 12 مترًا، إلى جانب إنشاء منطقة اقتصادية، بما يسمح باستيعاب سفن بحمولات تصل إلى 40 ألف طن، وفقًا لقناة القاهرة الإخبارية.
ضمن أعمال التوسيع والتطوير، دخلت مجموعة موانئ أبوظبي في مارس/آذار 2023 شراكةً مع الهيئة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات بلغت 33 مليون دولار، لإنشاء محطتين في ميناء العريش وميناء غرب بورسعيد لمناولة الأسمنت السائب، وإنشاء صوامع أسمنت بسعة 60 ألف طن، بنظام انتفاع لمدة 15 عامًا، ما يرفع القدرة التشغيلية للميناء للتعامل مع ما بين مليون و1.5 مليون طن سنويًا، لتعزيز التصدير السنوي أكثر من 200,000 طن إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط والعالمية. وهو ما ضاعف من صادرات الأسمنت إلى إسرائيل، وأدى إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الصادرات المصرية لإسرائيل إلى الميناء كما سنتتبع.
خدمة إسرائيل بغطاء فلسطيني
لم يتجاوز إجمالي سفن المساعدات التي استقبلها الميناء منذ اندلاع الحرب وحتى أكتوبر 2025 حاجز الـ31 سفينة، وفقًا لقناة القاهرة الإخبارية، في الوقت الذي يتربع فيه الجانب الإسرائيلي على قمة الوجهات التصديرية للميناء.
ويتفوق الميناء في نشاطه مع مواني الاحتلال على مجموع ما صُدِّر لأكثر من 6 وجهات دولية أخرى مجتمعة، حيث سجلت جامبيا 33.9 مليون دولار، وسوريا 30.2 مليون دولار، وسيراليون 29 مليون دولار، والولايات المتحدة 23.4 مليون دولار، وغانا 14 مليون دولار ، و4.4 مليون دولار للإمارات.
ويكشف تحليل المنصة لبيانات التجارة الخارجية عن تحول جذري ومفاجئ في هيكل الصادرات المصرية إلي إسرائيل؛ فبينما لم تتجاوز قيمة صادرات الأسمنت 5,8 مليون دولار في عامي 2022 و2023، قفزت في 2024 وحتى سبتمبر/أيلول 2025 إلى 140,6 مليون دولار، لترتفع مساهمة قطاع الأسمنت إلى 26.5% من إجمالي الصادرات المصرية إلى إسرائيل، بعد أن كانت تمثل 1.6% فقط.
هذا النمو حوّل إسرائيل من وجهة هامشية كانت تحتل المركز الـ52 في قائمة مستوردي الأسمنت المصري خلال عامي 2022 و2023 إلى سادس أهم وجهة عالمية له بحلول أكتوبر 2025.
تاريخيًا، مثّل الأسمنت المصري سلعةً استراتيجيةً دفعت إسرائيل للتحايل بطرقٍ مختلفةٍ لاستيراده واستخدامه في بناء جدار الفصل العنصري. ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، استجابت القاهرة للضغط الشعبي لتتوقف الشركات عن التصدير، وأدى هذا إلى إجهاض محاولات مباشرة للاستيراد، كان أبرزها المساعي الفاشلة لشركة بلنسكي LTD الإسرائيلية، التي خصصت للحصول على شحنات من شركة "مصر بني سويف للأسمنت".
وكشفت تحقيقات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2004 عن مخطط معقد تورط فيه مسؤولون رفيعو المستوى في السلطة الفلسطينية؛ استخدموا أذونات استيراد فلسطينية وقعها وزير الاقتصاد في السلطة الفلسطينية وقتها ماهر المصري، لشركات مملوكة لشقيق وزير الشؤون المدنية جميل الطريفي (شركة الطريفي) ومتنفذين آخرين، أبرزهم شركة البركة، من أجل تمرير نحو 420 ألف طن من الأسمنت المصري عبر معبر العوجا (نيتسانا)، لتنتقل ملكيتها لاحقًا بإشراف وسطاء دوليين ومصريين إلى شركات إسرائيلية.
اللافت أن صادرات مصر من الأسمنت إلى فلسطين زادت هي الأخرى من 59.7 مليون دولار عامي 2022 و2023 إلى 144.5 مليون دولار خلال عام 2024 والأشعر التسع الأولى من 2025.
هذا الزيادة يحتمل أنها جاءت استجابةً لخطة وضعتها وزارة الاقتصاد الإسرائيلية لمواجهة المقاطعة التركية بعد حرب غزة؛ تصبح فيها مصر بديلًا استراتيجيًّا ومستقرًا لتوريد مواد البناء، مع توصية رسمية باستخدام تجار السلطة الفلسطينية "واجهةً" (طرف ثالث) لطلب البضائع وتوجيهها للسوق الإسرائيلية للالتفاف على القيود التجارية مقابل رسوم وساطة بسيطة.
وتوقف دخول الأسمنت إلى غزة منذ أكتوبر 2023 حتى بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاقية وقف إطلاق النار التي بدأت في نهاية يناير 2025. بالتزامن مع ذلك، تحرم إسرائيل الفلسطينيين من حق البناء في المنطقة "ج"، التي تغطي أكثر من 60% من الضفة الغربية وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة. ويتعين على الفلسطينيين التقدم بطلبات للحصول على تراخيص نادرًا ما تُمنح. فمنذ أكتوبر 2023، قُدِّم 282 طلبًا، ولم يُعتمد أي منها.
وفقًا للبيانات المتاحة، هدمت إسرائيل نحو 2560 مبنىً في الضفة خلال عامي 2024 و2025 بدعوى عدم وجود تراخيص. وانخفض معدل بناء الوحدات السكنية الفلسطينية بنسبة 24% خلال الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالربع السابق من عام 2024، وبنسبة 15% مقارنة بالربع المناظر من عام 2024. في المقابل شهد عام 2025 وحده طرح مناقصات لبناء 10 آلاف و98 وحدة استيطانية.
وتتطابق هذه الوفرة الإنشائية مع تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي تفاخر بالموافقة على بناء 51 و370 وحدة سكنية استيطانية منذ توليه منصبه في أواخر 2022.
الأسمنت إلى إسرائيل عبر الشركات الأربع
في أكتوبر 2025، نشر سائق تاكسي صورةً لأربعة أكياس بلاستكية تحتوي على أسمنت بورتلاندي، فقدتها مجموعة من الزبائن، على جروب فيسبوك باسم "مفقودات العريش". وحين حللت بياناتها مدونة Egypt intel ظهر أنها عينات من شحنة أسمنت من شركة العريش للأسمنت التابعة لجهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وسيتم نقلها عبر سفينة تسمى Jasim، تتبعت المنصة رحلتها ووجدت أنها وصلت إلى إسرائيل.
وفقًا للمدونة، سُلّمت الشحنة لشركة Heidelberg Materials Trading الألمانية المتخصصة في الأسمنت، وهي شركة لديها فرع في إسرائيل باسم Hanson Israel، وأدرجها مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ضمن قائمته السوداء خلال جلسته التاسعة والخمسين في يوليو، بسبب ارتباطها بمستوطنات إسرائيلية غير قانونية.
وتأسست العريش للأسمنت عام 2010 فى منطقة جبل لبنى جنوب مدينة العريش محافظة شمال سيناء وتبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 3.2 مليون طن سنويًا.
إلى جانب العريش للأسمنت، تهيمن ثلاث شركات كبرى على تدفقات الأسمنت نحو إسرائيل وفقًا لسجلات قاعدة التجارة الخارجية الموجودة على موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء(*)، وتتوزع ملكيتها بين استثمارات أوروبية وأقطاب صناعة محليين وعسكريين سابقين.
تأتي شركة أسمنت سيناء في صدارة قائمة الشركات المصرية المصدرة لإسرائيل، التي يصل عددها إلى 313 شركة.
وشهدت الشركة التي تأسست عام 1997 تحوّلًا جذريًّا في هيكل ملكيتها عقب الملاحقة القضائية لمؤسسها ورئيسها السابق حسن راتب في عام 2021، حيث تسيطر اليوم مجموعة فيكا/Vicat الفرنسية على الحصة الحاكمة فيها بنسبة 67%، بينما تحتفظ مجموعة ريلاينس لوجيستكس/Reliance Logistics المحلية المملوكة لرجل الأعمال مجدي قصبجي بنحو 15.2% من الأسهم.
كما تظهر سيناء للأسمنت الأبيض، التي تعد من أضخم منتجي الأسمنت الأبيض عالميًا بطاقة 1.1 مليون طن سنويًا، وقد انتقلت ملكيتها بالكامل تقريبًا (96.5%) في أغسطس/آب 2024 إلى مجموعة سيمينتي/Cementir الهولندية عبر ذراعها شركة آلبورج/Aalborg Portland Holding، بعد أن كانت تعود ملكيتها سابقًا لحسن راتب.
أما الشركة العربية للأسمنت فيسيطر الجانب الإسباني ممثلًا في شركة أريدوس جاتيفا/ ARIDOS JATIVA على 60% من أسهمها، وتتبع جاتيفا شركة أسمنت لا يونيون/CEMENTOS LA UNION، وتبرز في هيكل مساهميها أسماء وازنة في الصناعة والنفوذ؛ حيث يمتلك 10% من أسهمها العقيد أركان حرب متقاعد فايق البوريني نجل اللواء محمد البوريني القائد الأسبق للجيش الثالث، الذي كان وسيطًا في خصصة شركة أسمنت بني سويف التابعة لوزارة قطاع الأعمال برئاسة عاطف عبيد وقتها، وورد اسمه في وثائق بنما عن دوره في هذه الصفقة. كما يمتلك صادق السويدي، رئيس مجلس إدارة السويدي للصناعات، 12.5%.
الرخام والجرانيت
لم يتوقف طموح خطة الطوارئ الإسرائيلية عند تأمين الأسمنت فقط، بل امتد ليشمل قطاع الرخام والجرانيت، وهو القطاع الذي كانت تركيا تهيمن عليه تاريخيًا. ووفقًا لقائمة البدائل التي وضعتها وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، جاءت مصر ضمن عدد من البلاد الأخرى لتعويض الرخام التركي، وهو ما تفسره الأرقام بوضوح؛ حيث سجلت الصادرات المصرية من الرخام والجرانيت قفزة بنسبة 300%، لتصل قيمتها إلى 2.4 مليون دولار في عامي الحرب، مقارنة بنحو 615 ألف دولار فقط خلال عامي 2022 و2023.(*)
وتمركزت معظم الشركات المصدرة لإسرائيل في مناطق طرة والمعادي والبساتين، وبرزت أسماء مثل شركات "بروجرس للرخام لمالكها عزيز بشرى وشريكه"، التي تمتلك محاجر وتتعاقد مع محاجر أخرى في سيناء وفقًا لموقع الشركة، و"مودرن ماربل"، و"العربية الإفريقية"، وشركة البدر للرخام (خالد دياب وأشرف سالم)، وشركة الحمد (محمد عبد اللطيف) في منطقة عزبة النصر بالبساتين لتعكس تكاملًا صناعيًا مصريًا يبدأ من محاجر الجبال وصولاً إلى مشاريع الإسكان والوحدات الاستيطانية الإسرائيلية.
وتتخذ عدة شركات من ضواحي المعادي مقرًا لإدارة عملياتها التصديرية، ومنها الاعتماد التجارية (ش بدر المتفرع من شارع الجزائر)، وشركات مؤسسة مودرن ستون، مارموستار، ومارمول ستون، التي تتمركز جميعها في أبراج "امتداد الأمل" على طريق الأوتوستراد بالمعادي.
أسطول الظل
في ظل غياب خط ملاحي رسمي معلن بين ميناء العريش والمواني الإسرائيلية، تتبعت المنصة جميعَ رحلات السفن التي رست في الميناء المصري خلال عام 2025، وبلغ عددها 492 رحلة نفذتها 164 سفينة، وفقًا لموقع Magic Port. من بين هذه السفن، أبحرت 32 سفينة في رحلات شبه منتظمة ومتكررة بين مواني العريش وأشدود وحيفا، بعد دخولها الخدمة على هذا الخط في بداية عام 2024.
أبرز السفن التي ترددت على ميناء العريش كانت ناقلتا الأسمنت ANGELOS K وZAYYAN K، التابعتان لشركة SHINKA SHIPPING CO SA اليونانية، وتبحران تحت علم دولة سانت فنسنت وجزر جرينادين، إلى جانب سفينة البضائع العامة JASIM، التي تديرها شركة تركية وتبحر تحت علم دولة سانت كيتس ونيفيس، ورصدت المنصة تحركتها من خلال مواقع تتبع السفن وما يثبت نقلها للأسمنت على مدار عام 2025 .
ويكشف تحليلُ بيانات هذا الأسطول عن "تكتل لوجستي" تسيطر عليه مجموعة محدودة من الشركات يتمركز معظمها في اليونان والبقية في تركيا وألمانيا ومصر وسويسرا وكندا وسريلانكا، وإسرائيل، وتعتمد في أغلبها على أعلام دول مثل سانت كيتس، وبالاو، وسانت فنسنت وجزر جرينادين، وبنما، والبرتغال، لتسهيل الحركة وتخفيف الرقابة.
وتستحوذ الشركات اليونانية على الحصة الأكبر بسبع شركات تتبعها 18 سفينة، وتبرز منها شركة SAN NIKOLLA التي تُدير تكتلًا من ست سفن مخصصة للأسمنت والبضائع تتردد بكثافة بين العريش وحيفا وأشدود، وشركات NOVA CORALIA وAQUIS PERLA وARIA VIBE وDONA BLE وITALIAN TRADER وREGINA MED، وتبحر سفنها تحت علم بنما.
وتدير شركة ANNA أسطولًا من سفن متنوعة هي YAM1 وANNA وTAMNON وJOAVI وتؤمن ربطًا منتظمًا بين العريش وحيفا وتبحر سفنها تحت أعلام دولة سانت كيتس ونيفيس، عدا تمار التي تبحر تحت علم ليبيريا.
وتتنقل سفينتا AEGINA STAR وAEGINA VENTURE التابعتان لشركة Aegina Maritime بين مواني العريش وحيفا والإسكندرونة في تركيا ودمياط، وتبحران تحت علم ساو تومي وبرينسيبي، وكانت تديرها في عامي 2024 و2025، شركة إسرائيلية اسمها HAIFA MARINE.
وتكشف المنصة أيضًا عن وجود إدارة وملكية إسرائيلية مباشرة لبعض هذه السفن، منها شركة Dynamic Shipping التي تدير وتشغل الناقلة MILBURN، المملوكة لشركة Milburn Line الإسرائيلية، وتتردد بكثرة بين العريش وحيفا لنقل الأسمنت.
وفي عمق هذه العمليات، رصدنا السفينتين CEMENT 1 وCEMENT 2، ورغم رصدهما ملاحيًا وهما تتحركان بانتظام بين العريش وأشدود لأكثر من 20 رحلة في عام 2025 فقط، فإنهما تفتقران لأي سجل تجاري يوضح هوية الملاك أو المشغلين، وتخلو قواعد البيانات العالمية من أي صور لهما. وهو تكتيك كلاسيكي تستخدمه أساطيل الظل لإخفاء الروابط بين الشركات المصدرة والجهات المستلمة، وتجنب الرقابة الحقوقية على شحنات تُنقل في بيئات أمنية مغلقة بعيدًا عن أعين الكاميرات، وفي الجانب المصري تبرز سفينة الحاويات PAN GG التي ترفع العلم المصري وتتبع شركة "بان مارين" (برئاسة هريدي الشاذلي هريدي)، وتعمل بين العريش وأشدود وحيفا وفي بداية 2025 تغيرت الشركة المشغلة لها لتغير نشاطها بين العريش وإسرائيل.
يأتي هذا الحشد الملاحي بالتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية لتطوير ميناء العريش، ففي يوليو الماضي، ورغم غضب أهالي المنطقة، بدأت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التنفيذ بتكلفة تتجاوز 2.5 مليار جنيه.
وقتها، أوضح مصدر من مجلس إدارة الهيئة، طلب عدم نشر اسمه، لـ المنصة، أن المرحلة الثانية من أعمال التطوير تشمل إنشاء ثلاثة أرصفة بحرية لاستقبال البضائع والسفن بأنواعها المختلفة، بطول إجمالي يصل إلى كيلومترين، إضافة إلى إنشاء ساحات تخزينية ومستودعات على مساحة تصل لـ 425 ألف متر مربع، وتعميق الميناء لـ 14 مترًا، لتمكينه من استيعاب سفن الحمولات الضخمة.
تأتي هذه التوسعات على أنقاض حي الريسة؛ إذ استأنفت الحكومة أعمال الإزالات في منطقتي الرابعة والخامسة بالحي في يوليو الماضي، مستهدفةً هدم 180 منزلًا إضافيًا. وهي الخطوة التي فجَّرت موجة احتجاجات رفعت شعارات "مش هنسيب بيوتنا حتى على موتنا" و"فين وعودك يا وزير"، و"الأرض دي مصرية.. مش إماراتية" في إشارة إلى الاتفاقات الموقعة مع مجموعة موانئ أبوظبي لإنشاء محطات مناولة الأسمنت.
سبق وقال مصدر مسؤول بمحافظة شمال سيناء مطلع على الملف لـ المنصة إن الحكومة تسعى إلى إقناع المواطنين بوسائل تعويض مختلفة، بينها تقديم بدائل مثل الحصول على قطعة أرض مرخصة في تقسيم الريسة مقابل 200 ألف جنيه، مع سكن مؤقت في حي السبيل، أو شقة "تسليم مفتاح" في حي الريسة مقابل 350 ألف جنيه، وأن عمليات الهدم التي جرى تنفيذها تمت بعد توقيع أصحابها على بيانات الإخلاء في الديوان العام للمحافظة، مبينًا أن العدد الأكبر من الأهالي يرفضون التسوية وترك منازلهم مقابل التعويضات التي أقرتها الحكومة.
وفي أواخر نوفمبر 2025 تظاهر عدد من أهالي بسبب غياب أي مؤشرات للحل مع عدم تلقي السكان أي دعوات للحوار مع المسؤولين، رافعين شعار "بالطول بالعرض مش هنسيب الأرض".
أرقام مرشحة للزيادة
تشير المؤشرات الملاحية في مطلع عام 2026 إلى أن تدفقات الأسمنت مرشحة لتسجيل أرقام قياسية جديدة؛ إذ تعاقدت شركة SHINKA اليونانية مع ناقلة أسمنت جديدة هي HAKEEM K، التي بدأت العمل فعليًا على خط العريش - أشدود في يناير/ كانون الثاني 2026، لتنضم إلى شقيقتيها ANGELOSK وZAYYAN K، ما يرفع القدرة الترددية للشحن بين الميناءين.
لم يتوقف التوسع عند الشريك اليوناني؛ إذ رصد دخول ناقلات أسمنت ومواد سائبة جديدة إلى الخدمة على ذات المسار في مطلع العام الحالي، من بينها TANHO التابعة لشركة NIRMATA الألمانية، وBLUE CIMENT 4 التابعة لشركة INTERSHIP NAVIGATION القبرصية، وكذلك A LINE التابعة لشركة ISKELE DENIZCILIK TICARET التركية.
(*) منهجية التحقيق والمصادر:
بيانات التجارة الخارجية: استند التحقيق في رصد أرقام الصادرات وقيمتها بالدولار إلى قاعدة بيانات التجارة الخارجية التابعة لـ الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، وهي قاعدة بيانات رسمية تتطلب اشتراكًا سنويًا مدفوعًا للوصول إلى تفاصيل الشحنات والوجهات.
يمكن استخراج قيمة صادرات مصر إلى إسرائيل ومقارنة الفترات الزمنية من خلال اختيار "الدولة" وتحديد "المدى الزمني" المطلوب في محرك بحث القاعدة.
حصر الشركات المصدرة: يمكن الوصول إلى قائمة الشركات المصرية المصدِّرة للجانب الإسرائيلي بالانتقال إلى قائمة "المصدِّرين والمستوردين"، ثم اختيار إسرائيل دولة مقصد وتحديد "نوع البيانات".
تحليل قطاع الأسمنت: يمكن تحديد حجم وقيمة صادرات الأسمنت حصرًا عبر اختيار "الدولة" وتحديد "الصنف" (بند الأسمنت بورتلاند أو غيره) أو تحديد الفصل (أصناف متنوعة بعينها تندرج تحت فصول) وتحديد المدة الزمنية المطلوبة، وتحديد الفلتر واختيار كلمة بلاد.
تتبع حركة الملاحة: تم رصد وتحليل مسارات السفن والشركات المشغلة عبر منصات تتبع الملاحة الدولية (مثل Magic Port).
ملاحظة للقراء: للوصول إلى الروابط المرفقة وبيانات الشركات والسفن التفصيلية، يتطلب الموقع إنشاء حساب "مجاني" أولًا، ثم تفعيل الفترة التجريبية (7 أيام) التي تمنح صلاحيات الحساب المدفوع للوصول إلى كامل سجل الرحلات والبيانات التاريخية.


