"فخ قتل الصحفيين" في غزة تحت عين القانون الدولي
البلشي: آليات العدالة الدولية عاجزة وبحاجة لإعادة بناء
لم تقترن جريمةُ استهداف الصحفيين بالقتل العمدي مثلما اقترنت في قطاع غزة على يدِ إسرائيل؛ لدرجة أن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، وصف غزة في بيانه بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة ، بأنها "death trap/فخُّ موتٍ" للصحفيين.
منذ بدأت إسرائيل الإبادة الجماعية في القطاع انتقامًا لهجوم السابع من أكتوبر؛ مَنعت دخول الصحفيين من خارج القطاع، وفي الوقت نفسه شرعت في قتل الصحفيين الفلسطينيين الموجودين بالداخل. وبدأت بالتزامن، وإن كان بوتيرة أقل استهداف الصحفيين عمدًا في لبنان أيضًا، حتى تجاوز عدد من قتلتهم 262 صحفيًا ومشتغلًا بالإعلام في كلا البلدين. وبذلك أصبح جيش الاحتلال مسؤولًا وحده عن ثلثي قتلى الصحفيين حول العالم خلال الثلاثين شهرًا الماضية.
بهذا النمط؛ تنتهك إسرائيل عمدًا الحمايةَ التي تُرتِّبها المادة 79 من اتفاقية جنيف للصحفيين في مناطق الحرب بوصفهم مدنيين، وقرارَ مجلس الأمن الدولي 2222 الذي يعتبر سترة الصحافة إعلانًا قانونيًا يفرض تلك الحماية، ويعتبر الاستهدافَ العمديَّ لمن يرتديها جريمةَ حربٍ.
حولت إسرائيلُ فلسطين إلى "أخطر دولة على الصحفيين" في مؤشر حرية الصحافة الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود/RSF هذا العام، بتحويلها السترة الزرقاء من درعٍ يوجب الحماية إلى "علامة تحديد الهدف". وتمادت في جريمتها في ظل عجز دولي عن إيقافها أو إجبارها على دفع ما عليها من أثمان، بفضل بنى قانونية وسياسية تسمح لها بالإفلات من العقاب.
توثيق بلا مساءلة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، تجمع لجنة حماية الصحفيين/CPJ والاتحاد الدولي للصحفيين/IFJ ومراسلون بلا حدود بدأب، أدلةَ الانتهاكات الإسرائيلية، مُراجَعةً ومُوثَّقةً ومُنسَّقةً وفق معايير الإثبات القضائي في القانون الدولي، حتى في ظل عدم استطاعة فرقها الوصول للأرض المنكوبة. مثلًا؛ أجرى فريق مراسلون بلا حدود مقابلات مع شهود على عمليات القتل، وصحفيين في أعقاب الإفراج عنهم من الاحتجاز، حسبما أخبر المنصة مارتان رو، رئيس مكتب الأزمات في المنظمة.
ورفعت مراسلون بلا حدود خمس شكاوى ضد إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية منذ السابع من أكتوبر، مُرفِقةً مع كلٍّ منها دفعةً جديدةً من الأدلة الموثّقة؛ وكلها أُدرجت ضمن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية الأشمل بخصوص الوضع في دولة فلسطين، المفتوح منذ مارس/آذار 2021 والموسّع في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ليشمل التصعيد العسكري في ذات الفترة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، أكد مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية كريم خان أن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين مُدرجةٌ ضمن تحقيق المحكمة الجاري في فلسطين، كما دمج مكتبه شهادات الضحايا والشهود.
ولكن نمط استهداف دولة الاحتلال للصحفيين متجذر قبل السابع من أكتوبر. ففي أبريل/نيسان 2022، قدَّم الاتحاد الدولي للصحفيين شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل، بعد قتل قناصة تابعة لجيشها أربعة صحفيين أثناء ارتدائهم سترات تحمل "صحافة/PRESS".
أمام هذا التوحش تلعب نقابات الصحفيين دور الوسيط الحيوي، إذ تربط الراغبين في الإدلاء بشهاداتهم بالمنظمات الدولية التي ترفع القضايا أمام المحاكم. وحسب قول خليل الريماوي المتحدث باسم نقابة الصحفيين الفلسطينيين لـ المنصة، فالنقابة الفلسطينية لديها أربع قضايا مفتوحة حاليًا أمام المحكمة الجنائية الدولية، أقدمها يعود إلى عام 2018.
أما نقابة الصحافة اللبنانية فتُنسّق مع وزير الإعلام بول مرقص لإرسال مذكرات وشكاوى إلى اليونسكو ولجنة حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي، وفق ما أفاد به محمد نمر عضو النقابة لـ المنصة. كما تتواصل مع قوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان لتوثيق انتهاكات القانون الدولي بحق الصحفيين في تقاريرها الرسمية.
لا توجد أي مؤشرات على أن واشنطن تضع اغتيال الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة ضمن أولوياتها
حديث الريماوي عن تراكم القضايا أمام "الجنائية الدولية"، يُذكِّر بأن آليات الإفلات من العقاب التي تحمي إسرائيل متجذرةٌ وفعَّالة قبل الحرب الحالية على غزة. فبعد مرور أربع سنوات على اغتيال الصحفية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة؛ لا تزال لجنة حماية الصحفيين تطالب بـ"تحديثات علنية" لحالة التحقيق، الذي لم يوجه إصبع اتهام لأحد حتى الآن، في غياب أي مؤشر على أن الإدارة الأمريكية تضع هذا الملف في قائمة أولوياتها.
وتلعب الضغوط السياسية دورًا في تسريع أو إبطاء عمل المحكمة. فبينما تستغرق المرحلة التمهيدية لتحقيقات المحكمة أربع سنوات في المتوسط، وفق مرصد العدالة الدولية؛ نرى أنها تتباين في الواقع بين أسبوع واحد في ليبيا، وأكثر من عقد في أفغانستان.
في ليبيا، تجاوز قرار مجلس الأمن الدولي السريع كل العوائق الإجرائية لأنه كان يستهدف نظام القذافي. في المقابل، حين وجّه المدعون أنظارهم نحو جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان، ردّت واشنطن بإجراءات عقابية عدوانية، عبر إلغاء التأشيرات وفرض عقوبات مالية، مما أجبر المحكمة على تخفيض أولوية هذا التحقيق.
ورغم الآمال التي عُلقت على قرار المحكمة الجنائية الدولية غير المسبوق في نوفمبر 2024، بإصدار مذكرتَي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ لم يتغير الكثير على الأرض.
ويوضح المحامي أمام الجنائية الدولية ناصر أمين لـ المنصة، أن مثل هذه القضايا ذات الحجم الكبير متشعّبة بطبيعتها، ومتعددة المراحل وتستغرق وقتًا طويلًا. والأهم من ذلك أن المحكمة لا تملك آليةَ تنفيذٍ مستقلةً؛ بل تعتمد كليًا على تعاون الدول الأعضاء معها.
ويلفت أمين إلى أن إسرائيل لا تكتفي برفض التصديق على نظام روما الأساسي الذي ينظم عمل المحكمة، وهو ما يعني عدم خضوعها؛ بل تعمد إلى إعاقة إجراءات عمل المحكمة، مما يُراكم التأخيرات البنيوية في التعاطي مع القضايا التي يمثل فيها مسؤولوها الحكوميون.
ومع إسرائيل، رفعت المملكة المتحدة طعنًا في الاختصاص القضائي تسبّب في 63 مذكرة رد إضافية، وحين صدرت مذكرات الاعتقال أخيرًا، استأنفت إسرائيل مجددًا بحججٍ رُفضت في نهاية المطاف من قِبَل دائرة الاستئناف في ديسمبر/كانون الأول 2025. في كل منعطف إجرائي، نجحت إسرائيل في تعطيل آليات العدالة.
ضغوط وإجراءات
تُستخدم الأدوات ذاتها لسحق قضية فلسطين أمام المحكمة، وتتجلى في ما تعرّض له كريم خان من تهديدات مباشرة، بل إن "قادة منتخبين" تحدثوا معه "بشكل صريح"، وقال له أحدهم إن المحكمة أُنشئت لـ"إفريقيا والبلطجية مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، وفق مقابلة أجراها خان مع كريستيان أمانبور على CNN الأمريكية.
بصراحة، يرى نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي في حديثه مع المنصة أن "المصالح السياسية تقطع الطريق على كشف الحقيقة والمحاسبة والعقاب"، وبالتالي يرى أن الآليات القانونية الدولية بصيغتها الراهنة أصبحت عاجزة عن معالجة هذه الانتهاكات. يُغذّي هذا التآكل البنيوي اعتمادُ إسرائيل على حلفائها الغربيين الذين يتحدّون أوامر اعتقال المحكمة باستقبال نتنياهو في زيارات دولية رسمية.
بيد أن التحدي يتجاوز الضيافة الدبلوماسية، كما يوضح الصحفي والباحث القانوني محمد بصل لـ المنصة، مُذكرًا بما فرضه البيت الأبيض في فبراير/شباط 2025 من عقوبات غير مسبوقة تستهدف كريم خان والجهاز القضائي للمحكمة الجنائية الدولية. وبالتوازي، هدّد اثنا عشر سيناتورًا أمريكيًا بفرض عقوبات شخصية على خان إن استمر في ملاحقة مسؤولين إسرائيليين.
كما كشف تحقيق مشترك لمجلة +972 وLocal Call والجارديان، أنه منذ عام 2015 درجت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على مراقبة المدعين العموم للمحكمة وعشرات المسؤولين فيها، مُحرِّكةً أعلى مستويات الحكومة لعرقلة التحقيقات عبر التجسس على الاتصالات وشنّ حملات تشهير واتهام المنظمات الحقوقية الفلسطينية التي تُغذّي المحكمة بالأدلة بأنها منظمات إرهابية.
وأبعد من تلك المناورات السافرة، يرى بصل أن أكبر تهديد للمساءلة يتمثّل في الحملة الإسرائيلية الممتدة منذ عقود لاستهداف البنى القانونية المحلية والدولية، لقمع أي نقد لجرائمها. ويخلص إلى أنه "حتى إذا أخفقت هذه الحملات التشهيرية والاعتداءات الدبلوماسية في وقف المحكمة عن أداء مهمتها، فلا يمكننا الاستهانة بالأثر الذي تُحدثه خلف الأبواب المغلقة".
ويبدو أن هذا الضغط امتد ليطال عملية التوثيق ذاتها. ففي ديسمبر 2024، زعم مُبلّغون عن مخالفات داخل لجنة حماية الصحفيين أن المنظمة أخضعت تقريرها الخاص بمؤشر الإفلات من العقاب للرقابة بتعليمات من الإدارة العليا، تحت ضغط المانحين المؤيدين لإسرائيل.
وبشكل منفصل، استقال باحثون من منظمة هيومن رايتس ووتش إثر تعثّر إصدار تقرير بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين.
فعّلت المنظمات العاملة على حماية الصحفيين الفلسطينيين كل ما في صلاحياتها من آليات التضامن والتوثيق والشكاوى القانونية والمناصرة الدبلوماسية والضغط في الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما ساعدت صحفيين فلسطينيين على الإدلاء بشهاداتهم في لاهاي. ومع ذلك، تفشل منظومة القانون الدولي في اختبار حماية الصحفيين الفلسطينيين.
"لم نشهد سابقة بهذا الحجم من القتل المنظم للصحفيين"، تقول لجنة حماية الصحفيين أن "استهتار إسرائيل بأرواح الصحفيين، وبالقوانين الدولية المصممة لحمايتهم، أمر لا مثيل له".
وبما أنه ليست هناك سابقة، فلا يوجد قواعد جاهزة ومختبرة. وبالتالي على المنظمات التي استنفدت ما تعرفه من آليات أن تبحث عمّا يتجاوز ذلك. سترة الصحافة كان لها معنى، واستعادة هذا المعنى تستلزم ما هو أكثر.

