تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
الناشطة الفلسطينية النرويجية سوزان عبد الله، القيادية في أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن قطاع غزة

من فلسطين إلى النرويج وبالعكس.. سوزان عبد الله تواجه غطرسة الاحتلال بأسطول الصمود

منشور الاثنين 27 نيسان/أبريل 2026

اعتلت سوزان عبد الله الناشطة الفلسطينية النرويجية منصةً أمام جمع من المتضامنين في مدينة برشلونة الإسبانية يوم الأحد 12 نيسان/أبريل الحالي لتقص عليهم كيف اضطرت قبل 44 عامًا لإنكار فلسطينيتها لتنجو من مجزرة صبرا وشاتيلا. 

قصّت سوزان، القيادية في أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار على غزة، خلال المؤتمر الصحفي لإعلان انطلاق الأسطول نحو غزة، كيف أجبرتها والدتُها، هي وشقيقيها، على النوم بأحذيتهم تأهبًا للهرب في أي لحظة من جحيم المجزرة التي وقعت في المخيمين الفلسطينيين في بيروت سبتمبر/أيلول 1982. 

"كنا نتظاهر بأننا لسنا فلسطينيين لننجو من الموت المحقق. ما زال صوت أمي يرنّ في أذني وهي تأمرنا بالصمت؛ لهجتنا الفلسطينية كانت كفيلة بإنهاء حياتنا فورًا"؛ تسرد خلال المؤتمر الذي حضرته المنصة عبر الفيديو تهجير أجدادها قسرًا سنة 1948 من قرية السوافير إلى غزة، ليولد والدها في خيمة لاجئين هناك. ثم في 1967، مع احتلال القطاع، فرَّ والدها إلى مصر هربًا من حملات القمع الإسرائيلية التي تهدف إلى إبعاد الشباب عن المقاومة، ومنها إلى لبنان حيث التقى والدتها، اللاجئة فلسطينية.

تزوج والداها في لبنان، وأنجباها وأخوَيْها، قبل أن تمنح اتفاقيات أوسلو عائلتها تذكرة عودة إلى قطاع غزة للم الشمل.

محملةً بذاكرةٍ مثقلةٍ بالبارود واللجوء إلى النرويج، تشغل سوزان اليوم مقعدًا في مجلس بلدية ستورد، وتقود لجنة المساعدات الشعبية النرويجية. تتنوع مجالات عملها بين التعليم والسياسة والعمل التطوعي، محوِّلةً وجعها الشخصي إلى طاقة دبلوماسيةٍ وميدانيةٍ تقود بها، مع آخرين، أسطول الصمود العالمي، مؤكدة من جديد على أن الفلسطينيين، رغم الجحيم الذي يعيشونه، يملكون الوقت والقوة للعناية ببعضهم البعض، والتكاتف في أصعب اللحظات وأحلكها.

الإبحار بذراع مكسورة

انضمام قوارب إلى أسطول الصمود العالمي في برشلونة، 1 أبريل 2026.

من على متن إحدى سفن الأسطول، تأمل سوزان عبد الله ليس فقط في كسر الحصار عن القطاع، بل في العودة إلى وطنها الذي قضت فيه سنوات قليلة بعد أوسلو، لم تخلو من القصف والقنابل. 

فبعد عودتها إلى القطاع، وجدت القدر وقد خبَّأ لها فصلًا جديدًا من الحصار في 2007، ثم حرب 2008 التي استعادت بعض تفاصيلها، "بدأت السماء تُمطر قنابلَ" أصابتها بالرعب والعجز عن حماية طفليها وهما بعد في الخامسة والثانية.

في مثل تلك اللحظة، يتجمد التفكير؛ "هل نخرج للشارع فتقتلنا القنابل، أم نبقى في المنزل وينهار السقف فوق رؤوسنا؟". لكن المشهد الذي حُفر في ذاكرتها كان صرخة ابنها حين عاد راكضًا من المدرسة مع ابن الجيران وهو يلومها ببراءة قاسية "لماذا لم تأتِ لتأخذيني؟". 

كانت حرب 2008 بمثابة الشرارة؛ فمن رحم الدمار الذي صنعته إسرائيل وهي تقتل 1400 فلسطيني، انطلق "أسطول الحرية" عام 2010 من تركيا كأضخم استجابة بحرية واجهها الاحتلال بمجزرة "مافي مرمرة" التي أسفرت عن تسعة قتلى.

تلك الدماء أسست لعملٍ جماعي عبر تدشين تحالف أسطول الحرية/FFC لمواجهة الحصار ككتلة واحدة، واليوم يستكمل الحراك الحالي الزخم الذي حققه أسطول الصمود العام الماضي، عندما أطلق قافلة ضمت 42 قاربًا من موانٍ أوروبية مختلفة، على متنها قرابة 500 ناشط يمثلون شعوب 32 دولة.

تعسّف هنا وقمع هناك

سافرت الناشطة الفلسطينية إلى تونس بوصفها قاعدةَ انطلاقٍ محتملةً للأسطول، الذي قرر إعادة محاولة الانطلاق نحو غزة في تحدٍّ ميدانيٍّ لإعادة أنظار العالم نحو القطاع، في ظل وقف إطلاق نار صوري يستمر معه حصار الفلسطينيين.

لكنها أصيبت الشهر الماضي بكسر في ذراعها جراء اشتباكات وقعت مع قوات الأمن التونسية خلال مسيرة تضامنية ضمت نشطاء من أسطول الصمود، حكت عنها في حوارها مع المنصة عبر الفيديو، وكيف حاول الأمن التونسي منع المسيرة من التوجه إلى ميناء سيدي بوسعيد لتقديم الشكر إلى عمال الميناء على المساعدات التي قدموها.

ورغم أن تونس كانت نقطة انطلاق استراتيجية للأسطول عام 2025، اعتقلت السلطات سبعة نشطاء وجهت لهم وحدة الجرائم المالية بالحرس الوطني تهمًا تتعلق بغسيل الأموال والاحتيال، وإساءة استخدام التبرعات التي جمعها الأسطول.

سحبت السطات التونسية إذن الإبحار من ميناء سيدي بوسعيد بشكل مفاجئ، حسب سوزان، ما اضطر الأسطول البحث عن نقطة التقاء أخرى للقوارب. وبالفعل تجمعوا في إيطاليا بعد تحرك عدد من القوارب في ميناء برشلونة وانضمام أخرى من موانٍ أوربية أخرى، قبل أن يتحرك أمس في مياه المتوسط قاصدًا غزة. 

تعتقد سوزان أن هذه الإجراءات تعكس تغيّر الموقف التونسي الرسمي من التضامن الشعبي مع فلسطين، "لا نفهم قرار السلطات إغلاق المواني في وجه الأسطول"، إذن الإبحار من ميناء سيدي بوسعيد كان سيفتح مجالًا أوسع لمشاركة شعوب إفريقيا وآسيا لسهولة الحصول على التأشيرة مقارنة بأوروبا. وترى أن ذلك الاتجاه الرسمي يناقض الموقف التونسي الشعبي من التضامن مع فلسطين.

المواجهات القاسية درس صاغ ملامح التحضيرات للأسطول هذا العام

وبينما مارست تونس التضييق الأمني على الأسطول البحري، يسعى النشطاء لحشد لقافلة برية تحمل المساعدات لغزة عبر معبر رفح، رغم أن السلطات المصرية منعت مرور قافلة مماثلة العام الماضي من الوصول إلى المنطقة الحدودية.

بالنسبة لسوزان، كانت المواجهات القاسية التي تعرضوا لها درسًا صاغ ملامح التحضيرات للأسطول هذا العام؛ "هذه المرة يخضع المشاركون لبرامج تدريبية مكثفة عبر الإنترنت، وأخرى حضوريًا، تشمل بروتوكولات السلامة الشخصية، وآليات التعامل مع دوار البحر، والأهم من ذلك التدريب على المقاومة السلمية لتمكين الناشطين من الحفاظ على ثباتهم الانفعالي وعدم مقابلة العنف بالعنف أو نجاح الاستفزازات الإسرائيلية الممنهجة"، لضمان استمرار الرسالة الإنسانية للأسطول مهما بلغت الضغوط الميدانية.

كما اعتمدت استراتيجية اختيار المشاركين هذا العام على تجديد الدماء مع الحفاظ على الخبرات الأساسية؛ فبينما يضم الأسطول طواقم تقنية متخصصة من قادة سفن وبحارة شاركوا في قوافل سابقة، فتحت الأبواب لوجوه جديدة.

كلهم عُبيدة

في طريقه إلى شواطئ غزة، نفذ "أسطول الصمود 2025" حملات ضغط عديدة في مواني البحر المتوسط بهدف إحياء قضية القطاع المباد وكسر حالة اعتياد الحصار. بعدها، تحركت القافلة نحو المنطقة المحظورة بحريًا، حيث اعترضتها القوات الإسرائيلية في المياه الدولية واحتجزت طواقمها، ومنهم الناشطة السويدية جريتا ثونبرج، تعرضوا لانتهاكات قبل ترحيلهم قسريًا. كان بينهم أيضًا سوزان التي تتذكر الاستفزازات العنصرية التي واجهها واحد من المشاركين اسمه عُبيدة، لما يحمله اسمه من رمزية تثير الاحتلال.

روت سوزان لـ المنصة كيف حاول عُبيدة التزام الهدوء تجنُّبًا لردة فعل قد تكلفه حياته، قبل أن ينفجر في وجه محققيه مؤكدًا هويته "أنا من فلسطين"، ليردوا بأنها غير موجودة، فيأتي رده الحاسم "أنتم لا تعرفون التاريخ، اسمها فلسطين".

عُومل عبيدة بقسوة استثنائية مقارنة بباقي النشطاء.

نفت سوزان تورّط أيٍّ من المشاركين في أسطول العام الماضي في "أي فعل مخالف للقانون"، كما روَّج وقتها الإعلام الموالي لإسرائيل، مؤكدة على أن الطرف الوحيد الذي يخترق القانون بشكل صارخ هو دولة الاحتلال عبر اعتراضها القوارب في المياه الدولية.

مسيرة داعمة لقافلة الصمود التي انطلقت من تونس في يونيو 2025

اليوم، بينما يبحرون تجاه شواطئ غزة، توضح سوزان دوافع الإصرار على المحاولة، "القتل في غزة لم يتوقف، لكنه اختفى فقط عن شاشات الإعلام ومداولات مجلس الأمن".

"الحصار لا يزال قائمًا، والمساعدات التي تدخل شحيحة جدًا ولا تقارن بالاحتياجات. والأخطر من ذلك هو تعمد الاحتلال منع المنظمات الدولية مثل أطباء بلا حدود من العمل، واستهدافه الممنهج للأطباء والصحفيين وكل مقومات المجتمع الفلسطيني".

وتؤكد على أن الاحتلال لا يمكنه إخفاء الواقع في القطاع المدمر، فالجميع يعرفون "أن هناك 60 ألف طفل في غزة يعانون، وأن القطاع يسجل اليوم أعلى رقم لعمليات بتر الأطراف في العالم. إسرائيل لم ترتكب مذبحة بحق الناس فحسب، بل بحق كل مؤسسات المجتمع؛ لذا نحن لا نحمل فقط أدوية وأطباءً مستعدين للمساعدة، بل نحمل رسالة بأننا لن نقبل استمرار هذا التعتيم وهذا الحصار".

دماء جديدة

توضح القيادية في أسطول الصمود العالمي حرصهم أن يكون أغلب المشاركين من الوجوه الجديدة؛ "نسعى لتوسيع قاعدة الأشخاص الذين يخوضون تجربةً حية تمكنهم من القول 'لقد جربتُ بنفسي. لم ينقل لي أحدٌ؛ لقد رأيت، لقد ذقت بنفسي معاملة قوات الاحتلال'".

وتؤكد سوزان على أن المعاملة الإسرائيلية الفجة ليست إلا جزءًا يسيرًا من التنكيل الذي يمارسه الاحتلال بحق الفلسطينيين، "لذا، نحن معنيون جدًا بأن يتحول هؤلاء إلى 'سفراء' يخرجون للعالم ليحكوا التجربة كما عاشوها".

وتشير إلى أن معايير اختيار المشاركين في عام 2025 كانت مفتوحة للجميع لكنَّ التجربة الميدانية كشفت عن تحديات لم تكن في الحسبان. فالحياة على متن قوارب صغيرة لفترات طويلة تفرض ضغوطًا جسدية ونفسية، بدءًا من التعامل مع دوار البحر وصولًا إلى القدرة على التعايش في مساحات ضيقة.

بناءً على تلك الدروس، اعتمد التحالف في قافلة هذا العام مسارًا أكثر دقة، "وضعنا شروطًا تضمن جاهزية المشارك لحماية المتضامنين وضمان استمرار الأسطول. نسأل المشارك الآن عن قدرته على تحمل دوار البحر والعيش في المساحات الضيقة. كما أضفنا شرطًا أساسيًا وهو إتقان السباحة. يجب أن يكون كل مشارك جاهزًا لكافة السيناريوهات".

في سبيلهم لحماية نشطاء الأسطول، صممتُ الجاهزية الطبية هذا العام، حسب سوزان، على مستويين؛ الأول يضمن وجود كادر طبي سواء طبيب أو ممرض أو مسعف على متن كل قارب للتعامل مع طوارئ الرحلة، والثاني هو "قارب تخصصي" يحمل طواقم ومعدات طبية بهدف تقديم المساعدة الميدانية في غزة.

مع ذلك لا شيء مضمونًا، تختتم الفلسطينية التي تتطلع لملامسة أرض بلدها قائلة "نعلم أن الاحتلال ليس لديه خطوط حمراء، وأن حياتنا مهددة"، لكنها المسؤولية تجاه كسر حالة "الصمت العالمي، والتواطؤ والمعايير المزدوجة" التي تطغى على الحرب في غزة وفي لبنان.