تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
هل كانت الثورة اختيارًا من الأساس لنُقيّم ما كان أفضل من ماذا؟

ماذا تبقى لنا من يناير ولماذا يتماهي دائمًا الصوت الثالث؟

منشور الخميس 5 شباط/فبراير 2026

في ظلِّ ديمقراطيات تلتف على قيم الديمقراطية بدعم الإبادة الجماعية والتعدّي على سيادة الدول لتتفاوض على مُقدّراتها ومعادنها، وتستخدم ثغرات القانون لقمع شعوبها، وديكتاتوريات يزداد توحّشها وإحكام قبضتها باسم الوطنية أو المقاومة أو تحدي الاستعمار الحديث، تأتي الذكرى الخامسة عشرة لثورة يناير لتُذكّرنا مجددًا بالمسار الثالث الواقع بين هذا وذاك، والذي أردناه لبلادنا يومًا.

في مساحاتنا الآمنة للنقاش، بعيدًا عن الذين يُعادون الثورة، يبوح بعض الأصدقاء بمراجعاتهم. يقولون إنهم يرون الآن أن الثورة لم تكن الخيار الأفضل، وأن المعادلة التي قدمها مبارك كانت لتنطوي على مساحات أوسع كان مُمكنًا أن تزيد اتساعًا أكثر تحت الضغوط، وكل ذلك أفضل من الاختناق الكامل الذي وصلنا إليه.

يذهبون للقول بأن جمال مبارك، المدني ابن التعليم الحديث، ربما كان مصيرًا أفضل مما أصبحنا عليه، حتى وإن أتى بالوراثة. فبالتأكيد كان سيسعى لإثبات جدارته، وربما يتمخض عن رئاسته توازنٌ لنفوذ القوى الحاكمة.

أجادل هؤلاء الأصدقاء بسطحية هذا الطرح؛ هل اختلفت توازنات نظام مبارك عن توازنات النظام الحالي؟ لا. كيف يمكن تخيّل جمال في السلطة بعد 30 عامًا من حكم أبيه؟ وبعد استحداث مادة دستورية مخصصة لتمكينه من الحكم؟ هل يمكن تخيل هذا المبارك الصغير حينها في هذا السياق، لا كما نراه اليوم مُجردًا من سلطته ومن هيبة والده ووالدته والنخبة الحاكمة، وديعًا و"شيك"، يحضر مجالس العزاء ويصطحب عائلته في المولات بعد خروجه من السجن؟

ثم هل كانت الثورة اختيارًا من الأساس لنُقيّم ما كان أفضل من ماذا؟ لا أعتقد. لنراجع أحداث 2010 فقط، ولنتذكر حجم الفساد السياسي الذي نخر النظام حتى كاد يتداعى.

بينما أستمع لأصدقائي أُسائِل نفسي، هل هذه هي الهزيمة؟ هل قسوة الحاضر قادرة لهذا الحد على تشويه ذاكرة مَن شكلتهم يناير؟ هل أمارس أنا الإنكار؟ أم تأبى عاطفتي إلا بالاحتفاظ بيناير معجزةً، ولحظة تنوير وكرامة وتمكين؟

ميدان التحرير، 8 فبراير 2011

هل كمم الأمريكان أفواه مسؤولينا؟

اِتُّهمت يناير بكل الاتهامات، حتى من بعض أبنائها بعد ما أصابهم وأصابها. تبنّى الكثيرون نظرية المؤامرة، ادّعوا أنها صنيعة الغرب في ثوبه الاستعماري الجديد، وتحدثوا عن نظرية الفوضى الخلاقة التي بشّرت بها كونداليزا رايس فأتت بالربيع العربي. لكني لم أجد في محيطي الواسع الذي يضم عددًا من المجموعات الشبابية التي دعت لتظاهرات 25 يناير أيًا من أدلة المؤامرة.

قبل سنوات، جادلت ضابطًا أراني مقطع فيديو لكونداليزا رايس مع أحد النشطاء المصريين، يسألها خلال حدث عام لا أتذكره، لماذا تركتمونا وحدنا في مواجهة هذا النظام، لتجيبه بسرد سلسلة من الإجراءات التي قدمتها الولايات المتحدة لدعم المجتمع المدني وآليات الديمقراطية وتعزيز الرقابة.

تنتشر مثل تلك "الأدلة" التي يمثلها هذا الفيديو بين معظم الضباط ومحيطهم وجمهور صفحاتهم. مهووسة أنا بنقاش الآخر وفهم تصوراته، ولديَّ الكثير من الدفوع دائمًا.

تشبث أتباع نظام مبارك بدلائل واهية للمظلومية حين اهتزت من تحتهم الأرض

جرت السنين، سافرت لاكتشاف العالم الكبير ودرست العلاقات الدولية وتعرفت على نظرية الفوضى الخلاقة التي وصموا الثورة بالوقوع في براثنها. اطمأنَّ قلبي وضحكت من غُلبنا جميعًا. أرانا كلنا غلابة، ثوار كان قلبنا في المكان الصحيح لكننا لم نمتلك الأدوات ولم نكن مؤهلين للانتصار لسرديتنا في محافل السياسة والأكاديميا والإعلام، كما في الشارع ووسط الجماهير.

لم يكمم الأمريكان أفواه المسؤولين المصريين في الأجهزة السيادية لنظام مبارك ليصمتوا عن مشروع التوريث، وعن استشراء الفساد أو تزايد نفوذ رجال الأعمال وعبثهم بصحة ومقدرات المصريين. لم يترك الأمريكان شعبنا يصل لحافة الهاوية دون حائط واحد يتشبث به.

هل يعلم المؤمنون بنظرية المؤامرة، ومنهم زملاء في إطار مراجعاتهم التي أراها شُجاعة، أن واحدًا من مقومات تفكيك النظم الحاكمة من الداخل لإحداث الفوضى الخلاقة، كما نظّر لها تيار المحافظين الجدد في عهد بوش الابن، هو الإنهاك الاقتصادي وزيادة معدلات التضخم؟ يشترك إذًا المسؤولون عن السياسات الاقتصادية التي رفعت حجم التضخم حد الانفجار في المؤامرة ضد بلادنا.

تشبث أتباع نظام مبارك وشبكاتهم الاجتماعية بدلائل واهية للمظلومية حين اهتزت من تحتهم الأرض وعانوا الخوف والوصم. وتاه الشعب بين هذا وذاك، تتلقفه الفضائيات وتُجرّب فيه كل أشكال التجييش الممكنة.

حضور غربي في كل معادلاتنا

من مظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة- إبريل 2011.

أعرف نفسي وأعرف رفاقي. عشت وشاركت في ثورة يناير، لم تُحكَ لي. أتذكر المرات العديدة التي ساهمنا فيها بمبالغ زهيدة من نقودنا القليلة لنشتري ورق اللافتات التي رفعناها في المظاهرات. وأعرف أسماء من باعوا موبايلاتهم لطباعة دعوات ورقية صغيرة وُزعت بشكل عشوائي في الميادين للدعوة للتظاهر ضد حبيب العادلي وداخليته يوم 25 يناير.

وأعلم يقينًا أن كونداليزا، وغيرها، لم ينجحوا في الوصول لنا ولا كسب ودنا. وأتذكر وجوه مجموعاتنا الثلاثية والرباعية التي تسربت يومها إلى ناهيا في خوف، نتبادل نظرات مرتبكة وتنتظر انطلاق الهتاف. أعرف أين كانوا وأين هم الآن، وحالهم عنوان ودليل ليناير لا عليها.

أتصور كذلك أنه لا كونداليزا ولا الشيخة موزة دفعوا لمن عذّب خالد سعيد حتى الموت، ولا لمن حاول حمايته، لمن كتب عنه وأثار قضيته، ولا لمن تظاهر من أجله. سلسلة متكاملة هي إذًا، بدأت من عند حبيب العادلي لا من عند المتظاهرين. أتصور أيضًا أن قوى خارجية لم تعبث بعقل مبارك لينتوي تعديل الدستور، أو ليُزوِّر انتخابات مجلس الشعب في 2010. كما لم تدفعنا القوى الخارجية لتأسيس حركة احتجاجية جديدة بعدما فاضت طاقتنا وأحلامنا الكبيرة عن حيز الأحزاب الكرتونية بحساباتها ومواءماتها مع السلطة.

تأخذنا يناير للسؤال الأهم، الذي نراه الآن وليس قبل 15 عامًا: هل يحتاج الآخر لمبررات لاستغلالنا أم أنها متوفرة؟ وإن لم تتوفر، هل يستطيع خلقها؟

يسعى هذا الآخر لحفظ مصالحه مع كائنٍ من كان، لذا يحتوي كلَّ الأطراف قدر المستطاع. والعالم ليس قرى منعزلة، لذا ستجده بشكل أو آخر في معادلتك. يموّل الغرب عبر حكوماته ومؤسساته المحلية والدولية الحكومات الديكتاتورية ويبيع لها السلاح ويمنحها القروض ويعقد معها الصفقات. في الوقت ذاته، يمول برامج التبادل الثقافي وإرساء القيم الديمقراطية والمنح الدراسية، ويدعم برامج المجتمع المدني باختلاف مجالاتها. يفعل ذلك ليحفظ ماء وجهه وأملًا في توازن يحفظ استقرار النظام العالمي والنظم الديكتاتورية التي يدعمها المتوافقة معه، وليبقى قريبًا من الجميع في حال تغير الأوضاع.

لكن الثورة أحرقت أعلام أمريكا وإسرائيل، وأُغلقت السفارة الإسرائيلية في سابقة لم تحدث منذ كامب ديفيد! فهل انقلب السحر على الساحر؟ أم لم يكن الساحر إلا في خيالنا؟

لماذا يتماهى الصوت الثالث؟

حاولت استنباط إجابات عن هذا السؤال، لكني أطرحه الآن سؤالًا استنكاريًّا ودعوةً للتأمل. يتماهى الصوت الثالث في سردية الديكتاتورية التي تجتاح العالم ومشروعية ما تتبناه الأنظمة الاستبدادية من مشروعات استقلال وطني أو مقاومة للمحتل أو بناء نفوذ إقليمي، خاصة مع الجرائم التي ترتكبها النظم الديمقراطية خارج أراضيها، وتعديها المتزايد على القانون الدولي.

حتى إن غالبية من آمنوا بالديمقراطية حلًا لاستقرار سياسي طويل كفروا بها وآثروا الصمت، أو اتجهوا للنجاة الفردية وتحسين حيواتهم الخاصة، أو اتجهوا لمساعدة الناس عبر العمل الخيري، أو تحولوا لتبني قيم معاكسة تمامًا.

أجد أثر يناير حولي أعمق وأكبر مما تصورت كلما حفرت وجدته

في لحظات الاستقطاب الحاد تماهينا وارتبكنا، وما زلنا، لكننا كنا مبدعين. أبدع تيار يناير في واحدة من أشد لحظات الثورة حساسيةً بشعار "يسقط كل من خان" كنا الصوت الثالث الذي بدأت صياغته قبلها بسنوات، وارتبك صوتنا كثيرًا بعد الثورة حين كان يجب أن يكون واضحًا، وتكالبت عليه قوى أكبر منا وعافرنا للوجود، ثم تشرذمنا واختلفنا وذابت سرديتنا وجزء ليس بقليل من ذاكرتنا.

حتى لا أفقد صوتي، أُفتش حولي أحيانًا عن صوت يُشعرني أن الخيار الثالث ما زال منطقيًا ويجد من يتبناه. بالنسبة لي، مثّل هذا الشعار قيمة مهمة، أنه لا حصانة لمن يهدر كرامة الإنسان وحريته.

أحمل يناير داخلي وأمشي بها، لهذا أنا ضد بشار وضد ترامب والحكومات الغربية التي تتذيل السياسات الأمريكية، وضد خامنئي وضد سياسات حماس الداخلية القمعية وضد استهدافها للمدنيين، وضد 7 أكتوبر كاستراتيجية وتكتيك. أؤمن إيمانًا مطلقًا بحق الشعب الفلسطيني في استرداد أراضيه، ولا أجد سبيلًا لهذا إلا والمقاومة قاعدته الأساسية.

يميل الجميع للتصنيف السريع وفق الصور السائدة. مع النظام أم ضده؟ بالتأكيد لستِ تابعة لليمين الديني، ليبرالية؟ نيو-ليبرالية؟ يسارية؟ أفصص هذه التصنيفات الضخمة لجزيئات، الليبرالية في أي جزء منها؟ ولمن، ومتى؟ ماذا لو كنت أؤمن بها فيما يخص الحريات الشخصية، ولا أتبناها نموذجًا اقتصاديًّا يصلح لمصر. ماذا لو صعّبت الأمر قليلًا وأضفت أني أؤمن بها من منطلق ديني قبل أن يكون ليبراليًا، ولا أرى الإسلام إلا منهجية تقدمية تحمي الحريات الشخصية كلها حماية مطلقة. هذا هو البراح الذي دفعتني يناير إليه وهذا ما تبقى منها فيَّ، وأعتقد في كثيرين. وهبتنا الثورة حرية التفكير والتعبير وصياغة أُطرنا الخاصة.

أتأمل شعارات مثل "الإيمان بالجماهير"، "الشعب هو القائد والمعلم". أحاول تفكيكها، طبعًا أؤمن بالجماهير، لكن بأي شكل ومن أي زاوية؟ طحنتنا وخذلتنا الجماهير كثيرًا وأنصفتنا أيضًا. رمانة ميزان هي، قد تقلبه يمينًا أو يسارًا، يحتاج إدخالها المعادلة لسنوات من التراكم والعمل الدؤوب والرؤية، ولتجنب استغلالها أو استخدام أدوات شعبوية لا تنتج إلا مزيدًا من التراجع والصدام المؤجل. هذه الشعارات إذًا مادة للتلاعب. كيف يمكن التعامل معها؟ سؤال يحتاج جهدًا، لكن درس يناير أيضًا إن ما يأتي بسرعة يذهب أسرع؛ لذا نحتاج هذا الجهد.

فضل يناير وإرثها

أجد أثر يناير حولي أعمق وأكبر مما تصورت، كلما حفرت وجدته، وكلما أدركته يملأ قلبي الامتنان. فتحت يناير الأفق المذهل حتى أن كل محاولات غلقه لم تنجح إلى الآن. شاهدت مؤخرًا، بالصدفة، لقاءً لرائدة العمل الخيري هبة السويدي، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة أهل مصر، تسرد كيف بدأ حلمها ببناء مستشفى عالمي للحروق في مصر من علاقتها بمصابي الثورة، وكيف ساعدت في علاج 4000 مصاب بعدما ذهبت للميدان وسمعت مطالب الناس. مستشفى أهل مصر الآن الأول في الشرق الأوسط وإفريقيا لعلاج الحروق.

في حوار صحفي سابق لي مع الدكتورة هبة هجرس، سألتها هل تعتقدين أن الثورة أفادت ذوي الإعاقة، وكانت إجابتها أن ثورة يناير أفادتهم وكل الفئات المهمشة بأن ساعدت على صياغة مشكلاتهم ووضعتها أمام أعين المسؤولين، وجرى العمل عليها لاحقًا. ومستشفى 25 يناير يخدم الآن أهالي الشرقية بالمجان بمجهود واحد من أبناء يناير الكبار.

أجول العالم في صحبة وكنف ثوار يناير ومحبيها ومؤيديها من الجمهور العريض، ولم أتخيل يومًا حجم العزوة وخصوصية الروابط التي تجمعنا. ربما ما يدعو أحيانًا للحزن هو تعلّق الكثيرين بالأمل الذي بعثته فيهم الثورة ثم إحباطهم حد اليأس.

لا أذكر لحظة جرفتنا الجموع وتهنا فيها وقادت بنا الهتاف إلى الميدان إلا كلحظة نور طرد كل ظلام، حتى الآن وبفضله أحسب أني إنسانة أفضل وأشجع وأكبر، بحجم يناير التي أهدتنا هذا الفضل العظيم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.