تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
كنت أردد كلمات خطاب ترشح عبد المنعم أبو الفتوح من كثرة مشاهدة الفيديو

يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا

منشور الخميس 5 شباط/فبراير 2026

عمري الآن 22 سنة، أي أني وقت ثورة يناير كنت ابن ثمانية أعوام، أذكر دهشة والدي أمام جهاز التليفزيون الصغير وتصفيقه الحار، كما أذكر صراخه فرحًا حين احترق مركز شرطة في الإسكندرية.

يوم 28 يناير، الذي عُرف وقتها بجمعة الغضب، ذهب والدي إلى الإسكندرية لقربها من مدينتنا، مدينة المقاومين؛ رشيد. كان يرتدي قميصًا أحمرَ، لون الدم. وبعد الثورة قال إنه سيحتفظ بذلك القميص كذكرى تحرير الوطن.

الجرائد كانت متعتي، يكافئني والدي إن قرأتها. الجمعة التالية اشترى والدي "الأهرام" من عم شلتوت بائع الجرائد، وكانت جائزتي إن قرأتها نسخةً من مجلة ماجد.

كنت أتحرق شوقًا لما سيكتبونه في صفحة الرياضة، أخذت من والدي الجريدة لأجد صورة مواطن كتب على ورقة كرتون "إرحل عشان الدوري يرجع". وقتها كان أكثر ما يشغلني عودة الدوري، وعودتي للتدريبات، كوني ناشئًا في نادي حرس الحدود وأريد الذهاب لاختبارات النادي الأهلي.

يوم 11 فبراير سقط مبارك، هكذا قال والدي. لم أفهم وقتها شيئًا، لكني أخذت الكرة وظللت أركض بها فرحًا أنني سأعود للعب؛ لأن الحياة كانت قبلها متوقفة.

لا أنسى كيف ظلت القنوات ليومين أو أكثر تذيع كلمات مكررة لبعض الفنانين، أذكر منهم الفنان المصري محمد هنيدي، السعودي لاحقًا.

أخبرني والدي أن الأمور ما زالت ضبابية، بعدها بوقت عدت للتدريبات؛ وللمرة الأولى رأيت أشياء غريبة عليّ، لم أفهمها؛ ندوات سياسية ونقاشات، رأيت والدي يتحدث في السياسة بحرية في الشوارع.

في المسجد كنت أعيد على أصدقائي كلام والدي والجرائد لأبدو كالكبار. أردد كلمات لا أفهم منها إلا القليل، أحفظ بعض التواريخ المهمة وأستخدمها في إبهار أصدقائي. وفي الإذاعة المدرسية كنت أقرأ  فقرة القرآن الكريم والأخبار. أستيقظ في الخامسة صباحًا لانتظر أخبار القناة الأولى، وأكتبها أنا وأمي، ثم أرددها عليها طوال الطريق إلى المدرسة سماعًا بينما تصحح لي الأخطاء وتضبط طريقة الإلقاء.

ميدان التحرير أثناء ثورة يناير.

إلى الصناديق

أول علاقة لي بصندوق الاقتراع جاءت مع الانتخابات البرلمانية عقب الثورة، ذهبت مع أمي إلى مدرسة المجمع لتدلي بصوتها، وكنت فخورًا جدًا. لا أعلم من سننتخب، ولا أهتم. كنت أريد وضع إصبعي في الحبر حتى أتفاخر أمام أصدقائي. كان يومًا مرهقًا، طابور طويل من البشر. ظللت ساعتين أسمع نقاش؛ مرشح الإخوان؟ النور؟ الوفد؟ مستقل؟ لا أفهم شيئًا، ولا أرى الخير إلا فيما ستختاره أمي.

ثم جاءت الحملات الانتخابية لرئاسة الجمهورية. كنا أولًا نريد محمد سليم العوّا، ولكن والدي غيّر رأيه إلى عبد المنعم أبو الفتوح لكونه أوفر حظًا. حملة العوّا أتت لمدينتنا رشيد، رأيته عن قرب عند قهوة أباظة، لكني استأت أنه لم يسلم عليّ. جلسنا نستمع لكلامه، ومرّوا علينا بورق لكي نكتب أسئلتنا له.

إنتخابات الرئاسة 2012

وقتها خفق قلبي فرحًا، شعرت أنني مسؤول وعليّ أن أتحدث عن مشاكل مدينتي، ولكن الكلمات تبعثرت مني وكأني نسيت الكتابة.

فكرت قليلًا ثم كتبت عن مشاكل كرة القدم، سارقًا كلمات والدي، وانتظرت طوال المؤتمر أن يقرأ العوّا سؤالي. لم يقرأه كعادة الساسة، وحزنت كثيرًا، لكن بقي معي بعدها الشعور بالمسؤولية والانتماء لمدينتي.

عندما انتقلت عائلتي لدعم أبو الفتوح حفظت مشروع "مصر القوية". كنت أردد كلمات خطاب الترشح من كثرة مشاهدة الفيديو، نزلنا مع الحملة في مسيرة رائعة، جارتنا أمل كانت ضمن فريق حملة أبو الفتوح وكانت مفعمة بالأمل كعادة أبناء يناير.

خسر أبو الفتوح، وذهبنا لجولة الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق، وكلاهما مرٌ. لا أنسى جملة والدي عن مرارة الاختيار، "هعلّم ع الورقة وأنا لافف وشي".

كان والدي يرى المشهد من بعيد؛ فجماعة الإخوان لا تسمع لأحد، يرون أنفسهم خيرًا من سائر المصريين.

ورغم ذلك أحببت يناير وأحببت مصر، وفهمت ولو قليلًا معنى الوطن، معنى أن تُعطى لي ورقة لأكتب فيها ما أريد. أستمعت لأغاني الثورة وشعرت بالمسؤولية، أحببت باسم يوسف وكنت أقلده. كنت سعيدًا بحرية الإعلام.

قبل الثورة كان والدي يقول إن الأخبار ليست صحيحة، وبعد الثورة صار يترك لي حرية اختيار الجريدة. أحببت "المصري اليوم" وكانت صحيفتي المفضلة. كان عامًا جميلًا، أحببت الأمل في عيون والدي وحتى الخوف في حديث أمي.

علمتني الثورة أن للحلم بقية. ورثت تلك المشاعر، وسأوّرثها لمن بعدي حتى يشاء الله بأمرٍ كان مفعولًا.

خمسة عشر عامًا من التيه

كبرتُ في رحم الثورة المضادة لأشهد وأد كل ما كان يبدو ينايريًا. نجحت الثورة المضادة في إجهاض، ولو مؤقتًا، كل سُبل التغيير. نجح قادتها ومن دعموهم فيما فشل فيه جيل يناير، تحقيق هدف ثورتهم، حتى وإن تقاتلوا فيما بينهم واختلفت توجهاتهم.

ومع ذلك، فإن يناير لم تمت. ومن يراجع تاريخ الثورات يدرك أنها لا تنجح بين عشية وضحاها، وأن الهدف ربما كان تمهيد وتيسير الطريق لتجربة مصرية خالصة، يُسمح فيها لأبناء هذا الوطن، بكافة أطيافهم، بالمشاركة في بنائه، ويُسمح لهم بالخطأ، والتعلم، والتجربة.

كان مطلب الشعب واضحًا وصريحًا، لكننا ابتُلينا بساسة حمقى

إن التيه الذي كُتب على جيل يناير هو نتاج تفرقهم. فقد أرادت كل جماعة الظفر بالحكم دون غيرها، وتحالفت ضد من كان معها في الميدان وكأنه عدو. تملّص الجميع من الحقيقة الوحيدة، وهي أن هذا الشعب انتفض لمطلب واحد واضح وصريح: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". لم يطالب الشعب بمنع الخمور عن السياح، ولا بالمليونيات أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون، لكننا ابتُلينا بساسة حمقى.

إن التهميش الواقع علينا، والنظر إلى جيل زد باعتباره غير مستعد بعد لخوض العمل العام، وحرماننا من المشاركة في أي عمل جماعي، يتم أحيانًا بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب هذا الجيل بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.

وضع النقاط على الحروف هو العامل الفاصل في استمرار الحالة الثورية. فالحلول الوسط الرومانسية، في كثير من الأحيان، لا تحمي الثورة، بل يكون وبالها أخطر، وقد تقتلع الثورة من جذورها. إن التغيير في الحالة المصرية يتطلب معرفة الصديق من العدو، لأن التعايش مع العفن غير ممكن؛ فالعفن، حين سنحت له الفرصة، اقتلعك بين سجين، ومكلوم، ومهاجر.

وللعفن طبقات: منهم من يمكن استمالته وتوحيده داخل الصف الثوري، ومنهم من يمكن تحييده لمصلحة مشتركة تحت وطأة الحالة الثورية، ومنهم من لا يصلح معهم إلا الحزم والقوة للردع وضمان نجاح التجربة الثورية.

إن أي تشقق في الصف الثوري يعني انتهاء الحالة الثورية. وبالتالي لا نريد أعلام أحزاب أو جماعات، ولا هتافات حزبية. مصر، وفقط.

التغيير ممكن. وإن سنحت الفرصة، يجب أن نضع في اعتبارنا أحداث الربيع العربي، وما تلاه من ثورة مضادة. ولا ينبغي أن ننظر للأمور بمنظور الأبيض والأسود. يجب احترام كل التجارب الثورية، حتى وإن لم تَرُق لنا. فلا يُنظر إلى هذه التجربة على أنها "إسلامية" فتوضع في خانة السواد، ولا إلى تلك على أنها "ليبرالية" فنشطب عليها، أو العكس. المطلوب هو وعي حقيقي بضرورات المرحلة.

مصر تحتاج إلى جميع أبنائها، حتى لا يصل العفن إلى ذروته.

هذه القصة من ملف  يناير وGen Z| تكلم حتى أراك


يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

مروان محرز _  من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.

يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم

ريم عبدالعزبز_  صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.

يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين

نهى عبير _  الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟

يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال

نهال سلامة_  نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.

يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم

سارة الصحاري_  إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.

يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء

نور خليل_  في السنوات التالية، تعلمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألم نكن لنكون أسعد لو بقي الشهداء معنا؟ لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة.

يناير وGen Z| الثورة التي لم تعد كذلك

نورين القاضي_  فلنحسب من منا ضحى بنفسه أكثر، كم منكم في السجون وكم منا في السجون أو المنفى؟ كم منكم له ألف مدافع وكم منا غاب عن النظر والسمع، لا نعرف عنهم شيئًا لأنكم مشغولون بأنفسكم.

يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين

لمى كريم_  مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله، وليس مجرد قضية مطروحة للنقاش.

يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا

عمر مجدي سليمان_  إن التهميش الواقع علينا وحرماننا من أي عمل جماعي، يتم بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب جيلنا بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.