هَزُّ الرأس.. متلازمة "الطاعة العمياء"
استيقظتْ زوجة الموظف الكبير جدًا من النوم، لتطمئن إلى أن الطبَّاخ انتهى من تجهيز الإفطار. قبل مغادرتها السرير لاحظت أن زوجها يهز رأسه بقوة، فظنت أنه سبقها إلى اليقظة، ويُجري تمرينًا لتليين فقرات عنقه التي تيبست من طول الجلوس خلف المكتب الفخم، لكنها أدركت أنه لا يزال غاطسًا في نوم عميق.
قالت لنفسها إنه ربما يواجه كابوسًا مُقبضًا ولا بد من إيقاظه. اقتربت منه، وغمزته في كتفه، لكنها لاحظت أن رأسه يهتز أسرع من قبل. نادته بصوت خفيض فلم ينتبه. دفعته في كتفه، ففتح عينيه، ولمَّا رآها صرخ فيها:
ـ إقالتي ستكون على يديك.
نظرت إليه في تعجب، وسألته:
ـ يبدو أنه كان كابوسًا أسود.
صرخ فيها:
ـ رؤية القومندان في المنام ليست كابوسًا أبدًا يا مجنونة، إنما أجمل الأحلام.
تلَّفت حوله ليطمئن إلى أن أيًا من الخدم لم يسمعه، فهو تساوره شكوك في أن هناك من وصل إليهم وجندهم للتجسس عليه حتى في نومه. فكر في تبديلهم جميعًا، لكنه خشي من أن يلفت هذا انتباه مراقبيه، ويغضبهم منه، وقال لنفسه:
ـ لا داعي للخوف، بل في صالحي أن يتنصتوا عليّ ليعرف القومندان أن طاعتي له تصحبني في كل وقت.
اطمأن إلى أن باب الغرفة مغلق، وأنها خالية من كل أجهزة التنصت، فهو كل يوم وقبل أن يدخل إليها يمرر جهازًا إلكترونيًا اشتراه خفية من الخارج على كل مكان في الغرفة ليتأكد من أحدًا لا يرى صورته، ويسمع صوته، ويحصي حركاته وسكناته.
اقترب منها وقال:
ـ كان القومندان يُسمعني توجيهاته.
نظرت إليه في غيظ، وسألته:
ـ ألا تكفيك توجيهات النهار؟
أشار إليها لتخفض من صوتها، وقال:
ـ من حقه أن يوجهني في أي وقت.
ـ حتى في النوم؟
ـ حتى وأنا أقضي حاجتي.
ـ هذا شيء مزعج.
ـ ما يزعجني حقًا هو عدم تقديرك لموقفي.
ثم رفع اللحاف من فوق جسده، وقال في غضب:
ـ أنستني ثرثرتك توجيهات القومندان، وعليك أن تتركيني فورًا لأحاول استعادته.
دفعت قدميها في شبشب وردي ليّن، وقالت:
ـ أنت ملزم بتنفيذ توجيهات تسمعها منه وأنت في مكتبك أو مكتبه.
نفخ في غيظ، وقال:
ـ وملزم أيضًا بما يأمر به في أحلامي.
رفت على شفتيها ابتسامةٌ ساخرةٌ، وسألته:
ـ ومن أين له أن يعرف ما قاله لك في الأحلام؟
ضرب جبهته بقبضه يمناه، وقال وهو يدوس على ضروسه من فرط الغيظ:
ـ هو يعرف كل شيء.
نهض الموظف الكبير من مخدعه وهو يهز رأسه بقوة، ويقول:
ـ عُلم وينفذ يا قومندان.. أنا رهن إشارتكم.
الحقوق والواجبات في هذا البلد بيد القومندان
قطع الردهة المؤدية إلى الحمام، وهو يكرر ما يقول. فتح باب الحمام، وملأ عينيه منه ليتأكد من أن أيًّا من الخدم لم يزرع له كاميرا تصوره وهو جالس على المرحاض، وحين يتجرد من ملابسه ويستسلم لدش ساخن. استسلم للماء، وهو يردد "أحلامكم أوامر يا قومندان.. وإخلاصي لكم بلا حدود". فتح فمه واسعًا ليطلق العبارة بصوت جهور، غير عابئ بالشامبو الذي انساب بين أسنانه. خاف أن يتوقف عن الترديد ليمسحه فانزلق إلى جوفه، واستقر بمعدته.
كان طعام الإفطار هذا اليوم هو نفسه الذي يتناوله القومندان في قصره، فقد سأله الموظف الكبير ذات يوم حين وجد باله رائقًا عن جدول طعامه، ودونه في رأسه، فلمَّا وصل إلى مكتبه سجله سريعًا على الورق، ثم أمر سكرتيره بأن يعد جدولًا بكل الوجبات، الإفطار والغداء والعشاء، وعلقه على جدار المطبخ، وألزم الطبَّاخ به، وقال له:
ـ هذه توجيهات عليا لا تخرج عنها مهما كان.
لم يكن هذا الطعام يروق لزوجته، لكنه قال لها متوسلًا:
ـ يجب أن تتعودي عليه، فربما يصل إلى سمع القومندان أنكِ خالفتِ أوامره.
قالت في غيظ:
ـ من حقنا أن نأكل ونشرب ما نشاء.
صرخ فيها:
ـ الحقوق والواجبات في هذا البلد بيد القومندان.
ـ وماذا إن لم أستجب لرغبتك السخيفة؟
ـ سأفقد وظيفتي.
ـ ومن أين له أن يعرف ما نأكله في بيتنا؟
ـ يا لسذاجتك، إنه يعرف كل شيء عن رجاله المقربين، بل كل ما يدور في بيوت الناس بطول "خورستان" وعرضها.
ولمَّا جلس إلى المائدة، راح يهز رأسه بقوة، وهي تنظر إليه متعجبة، ثم سألته:
ـ هل تتلقى توجيهاته الآن أيضًا؟
ـ أتخيلها.
ـ هو الآن يتناول طعامه، ولا ترد أنت على باله.
ـ حتى وهو يأكل أو يشرب لا يكف عن التفكير في مصالح كل أهل "خورستان"، وأنا المخول بتنفيذ كل ما يتخيله ويفكر فيه ويقوله ويشير إليه أو يكتبه.
صمتت برهة، وبدا عليها التردد والحيرة، لكنها تشجعت وسألته:
ـ هل تنتظر التوجيهات وأنت تضاجعني؟
احمَّر وجهه خجلًا، وتوقف عن هز رأسه، وقال لها:
ـ ليس بوسعي الانقطاع عن سماع توجيهاته في أي وقت.
ولاحظت هي توقفه عن هز رأٍسه لحظة أن اجتاحه الخجل، فسألته:
ـ يبدو أنني قد وجدت علاجًا نافعًا لحالتك.
ـ أي حالة؟ وأي علاج؟
ـ أنسيت أني خريجة كلية الآداب ـ قسم علم النفس؟
ـ لا، لكنك لست طبيبة نفسية.
ـ هز الرأس طوال الوقت هو سلوك نمطي متكرر يصاحب كثيرًا من الاضطرابات النفسية. بعضه وراثي، فهل كان أبوك أو جدك مصابًا به؟
ـ لا، كانت أعناقهم ثابتة طوال الوقت، وكانوا حريصين على حماية أقفيتهم.
ـ كيف؟
ـ بالتزام الطاعة.
صمتت برهة، ثم قالت:
ـ بعض الاضطرابات وراثية وبعضها مكتسب.
لا يمكن أن أستقيل فهذه خطوة لا أقدر على عواقبها
قهقه، وقال:
ـ لو صدقنا تقديرك لأقمنا مستشفيات ومصحات نفسية في "خورستان" أكثر من السجون.
ـ لهذه الدرجة؟
ـ كل الموظفين تحتي وفوقي يهزون رؤوسهم طوال الوقت.
ضحكت وقالت:
ـ عرفت الآن الطريق إلى علاجك.
ـ ما هو؟
ـ حين تستقيل أو تقال.
ـ لا يمكن أن أستقيل، فهذه خطوة لا أقدر على عواقبها، وأتمنى ألا تحدث الثانية حتى ألقى الله.
عادت إلى الضحك، وقالت:
ـ أخشى أن تواصل هز رأسك في قبرك.
لم يمر سوى شهر حتى أُقيل الموظف الكبير. حين جاءه القرار الأليم راح يهز رأسه بعنف، ويقول:
ـ أمرك على الرأس على قومندان، سأظل خادمك المطيع حتى في بيتي.
كان يتوقع أن تُسند إليه وظيفة أخرى، مستشار أو خبير في فنون الطاعة العمياء، لكن الأيام مرت دون أن يتذكره أحد، إلا أنه لم يتوقف عن هز رأٍسه طوال اليوم، حتى صرخت فيه زوجته ذات صباح، بعد أن أعدت بنفسها وجبة إفطار تختلف عما سيتناوله القومندان:
ـ لا بد من مراجعة طبيب نفسي.
ـ وإن سألني عن السبب.
ـ أخبره بالحقيقة.
ـ هل جننت؟ أتريدين أن أقضي بقية حياتي في السجن.
ـ هذا أفضل من أن تظل موتورًا هكذا حتى آخر لحظة في عمرك.
تلكأ الموظف الكبير (سابقًا) في الاستجابة لطلبها، ولم تكفّ هي عن الإلحاح عليه، حتى اضطر ذات مساء إلى زيارة طبيب نفسي مشهود له بالكفاءة في علاج الاضطرابات المزمنة.
قطع الطريق من باب سيارته إلى أن بلغ باب العيادة وهو يهز رأسه بعنف، ويتلفت حوله خوفًا من أن يكون أحدًا يراقبه، ويراه قد كف عن هز رأسه.
حين دخل من الباب وجد العيادة مكتظة بالزائرين، كانوا جميعًا يهزون رؤوسهم بانتظام، كأنهم في حلقة ذكر، فلمَّا أخذ مكانه بينهم، ومد بصره إلى وجوههم وجدهم من بين كبار مرؤوسيه، بينهم صاحب عنق طويل يطوحه يمنة ويسرة، ملأ عينيه من وجهه، ليجده ذلك الذي كان ينقل إليه توجيهات القومندان كل يوم.