بمناسبة فبراير الأسود
لماذا اِعتُقل العطيفي مستشار هيكل؟
لبعض الشهور ذكرى. يوليو/تموز شهر الانقلابات العسكرية، البيضاء والدامية. يوليو المصري حركة مباركة، صارت ثورة أنصفت الفقراء وحققت العدالة الاجتماعية، وأثمرت الاستبداد. تموز العراقي (1958) انقلاب دامٍ أزهق، في مجزرة كبرى، أرواح العائلة المالكة ورئيس الوزراء نوري السعيد. وبعد أقل من خمس سنوات، دارت دائرة الدم على الزعيم عبد الكريم قاسم، وتولى الرئاسة زميله عبد السلام عارف. وفي تموز 1968 بدأ حكم البعث.
يناير/كانون الثاني رمز الأمل. وجعٌ ثنائي للحالمين بالتغيير وقد خابت آمالهم، ولمحبي الاستقرار البليد، الشامتين بالثورة، الراغبين في الانتقام.
فبراير/شباط ينازع سبتمبر/أيلول على صفة السواد. في فلسطين والأردن "أيلول الأسود". وفي مصر "فبراير الأسود" فيلم وعنوان للغفلة وتبدُّد الأحلام.
فرص فبراير الضائعة
أتجنب الكلام عن العراق، وعن غيره. لدى العرب حساسية فائقة من الاقتراب من قضاياهم. ليكن البساط أحمديًّا، والشأن مصريًّا يخصُّ فبراير 2011. بدت اللحظة التالية لخلع حسني مبارك فرصة نادرة للتأسيس، لولا المراهقة في النظر إلى الغنائم الصغيرة، والغفلة عن تدبير قوى متصارعة تنافست على السلطة، وتوالت موجتان للقوى المضادة للثورة.
ضياع فرصة فبراير نزيفٌ مستمر لمدة لن تقل عن خمسين سنة. ولأن يناير المصري حقيقة؛ فلن تتوقف إدانة "الينايرجية" ومحاكماتهم معنويًّا، ليظلوا رهائن المنافي، والغربة في الداخل، اكتئابًا وإقصاءً واعتقالًا. لو أقسموا أنهم تابوا عن الثورة وأنابوا، ويريدون العيش في أمان، فلا يأمنون على أنفسهم. كيف نفهم سيكولوجية المعتقِل؟
أكلّم أبرياء عانوا تجربة اعتقال، وأسأل عن أحوال معتقلين لا أعرفهم، فتأتي الإجابة بأنهم مطمَئنّون بالصمت، يائسون يعجزون عن الشكوى. قسوة التجربة تكسر الروح، وتهزم الإرادة.
في الأنظمة المستبدة يُغيِّب القانونَ ويُحدد المصائر مزاجُ دكتاتور فوق المحاسبة
في سجن القلعة أو معتقل الواحات في الستينيات، كان يحلو لضباط ساديين وحرَس أُميين إذلال المعتقل، بأن يقول "أنا مَرَة". في الأنظمة المستبدة يُغيِّب القانونَ ويُحدد المصائر مزاجُ ديكتاتور فوق المحاسبة، لا يُسأل عن سبب الاعتقال أو الإفراج. لا حصانة لأحد، حتى أقرب الناس إلى صاحب المزاج المتقلب، بل إن القُرب قد يعرّضه للخطر ولو بوشاية، فيظلُّ حذرًا مرتابًا مثل راكب الأسد.
من تلك المساخر: اعتقالات من دائرة محمد حسنين هيكل، صديق الزعيم ومستشاره. الزعيم، الذي منع المشير عامر من اعتقال نجيب محفوظ، لم يتردد في اعتقال صحفيين مرموقين في مؤسسة الأهرام، حتى نوال المحلاوي التي تتلقى اتصالاته ويعرف صوتها. اعتقلها هي وزوجها بعد سهرة عائلية بمنزل الكاتب اليساري لطفي الخولي الذي اُعتقل أيضًا. أما اعتقال المستشار القانوني الدكتور جمال العطيفي بسبب مقال فمسخرة؛ لأنه المسؤول عن تحديد المحظورات، ويعرف حدود حرية التعبير.
أُمةٌ في يد الزعيم
أتعبني التوصُّل إلى مقال العطيفي، وقد أشار إليه هيكل، ولم يصرح بمضمونه، كأنه ينطوي على قنبلة، أو يفجر ثورة على الثورة. والثائر يرعبه تجدُّد الثورة، هو خاتم الرسل، أغلق باب الثورة، نسف السلَّم إلى أي صعود ثوري، وتخيفه كلمة في مقال المستشار القانوني.
نشر المقال يوم الخميس، 8 مايو/أيار 1969، في نحو 330 كلمة، وعنوانه "ظاهرة خطيرة!". والظاهرة الخطيرة هي نشْر جريدة الوقائع المصرية، في 7 أبريل/نيسان 1969، قرارًا من وزير العدل يتعلق بتعديل اختصاص محكمة المرور بالإسكندرية. لا غرابة في إصدار قرار وزاري، أو نشره. الغرابة أن القرار صادر في أول يناير 1956، ويحمل توقيع وزير العدل السابق "المرحوم" أحمد حسني.
في دولة الفرد الواحد الأحد لا تحقق النيابة العامة، ولا داعي لمحكمة؛ فالجريمة هي كلمة "ديمقراطية"
لا تصبح الظاهرة "غريبة فقط بل خطيرة أيضًا!"؛ لأن نشر القرار لازم، وعدم نشره لمدة ثلاث عشرة سنة "معناه أن هناك إهمالًا جسيمًا"، فهل المسؤول جهة نشر القرارات؟ أم وزارة العدل ووزراء العدل المتعاقبون منذ صدوره؟ "الأمر يقتضي في نظري التحقيق".
في الكلمات الخمس السابقة، أقرَّ العطيفي بأن له وجهة نظر، كما اقترح "التحقيق" في هذا الإهمال. إغفال نشر قوانين، أو إعطاء تاريخ للنشر مغاير للتاريخ الحقيقي، أو النشر في عدد محدود من النسخ استيفاء للشكل الدستوري، ظاهرة "تكررت"، وفي إهمال النشر تضليل للمواطنين.
الرجل لم يكتب كلمة "تضليل"؛ لإدراكه طبيعة الأجواء الملتهبة، ومهالك الفولت العالي؛ فلا يأمن على نفسه مَن لا يتقن انتقاء كلماته، وقد انتقى وقال إن إهمال النشر لن يتيح للمواطنين العلم بالمحكمة المختصة بنظر قضاياهم، ولا يمكنهم "التحقق من سلامة هذا الاختصاص"، وإن القوانين والقرارات تخاطب الشعب، "وهي لذلك تقتضي أوسع مدى من العلانية في مجتمع ديمقراطي".
ظاهر المسألة: محكمة جزئية تختص بنظر قضايا المرور بالإسكندرية. وباطن القضية: سيادة القانون. والخطاب من دون قصد خاض في حقل ألغام: وجهة نظر كاتب، اقتراح تحقيق، التعمية باستيفاء الشكل الدستوري بنشر محدود لا يحقق الهدف منه، حق الشعب في أن تخاطبه القوانين والقرارات، عدم تحقق المواطنين من سلامة الاختصاص.
والأخطر هو الكلام عن الديمقراطية. على الرغم من ادخار العطيفي اللغم "الديمقراطي" إلى نهاية المقال فإن الزعيم، الذي هزم الأحزاب وحده، كان في القناطر الخيرية ولم يغفر الزلة. نُشر المقال، واُعتقل الكاتب في اليوم نفسه. في دولة الفرد الواحد الأحد لا تحقق النيابة العامة، ولا داعي لمحكمة؛ فالجريمة هي كلمة "ديمقراطية".
القضايا في دولة الفرد تخضع لمزاج الزعيم. والمصائر ترتبط بالعلاقات الشخصية. والعشم يحسم ما يعجز عنه القانون. حكى هيكل أنه "اتقمص" من عبد الناصر. احتملا أسبوعًا من القطيعة، لا يتصل أي منهما بالآخر.
وأنور السادات، الذي كان مع الرئيس في استراحة القناطر، ظل يوميًّا يتصل بهيكل، يريده أن يصفّي الموضوع مع الرئيس. في اليوم الثامن للاعتقال ذهب هيكل، وطلب الانفراد بعبد الناصر، وناقشه لمدة ساعتين في اجتماع انتهى بأمر من الرئيس إلى وزير الداخلية بإخراج العطيفي.
ومن الهاتف الرئاسي اتصل هيكل بزوجة المعتقل، وبشَّرها بقدومه على الغداء. قال هيكل، في حوار مع جزيل خوري، إن اعتقال صحفيي الأهرام "ما أغضبنيش".
وهمٌ لا يزول
هيكل حكى قصة الإفراج عن العطيفي بالكثير من الزهو. صحفي بلا منصب تنفيذي رسمي، لكنه مقرَّب، ذو دلال على رئيس يمنحه ساعتين لعتاب ينتهي بالإفراج عن مستشاره المعتقل. هيكل لا يُخفي الزهو، بعد عقود من موت الزعيم.
مصدر الشعور بالامتياز أن رموز السلطة، ومنهم رئيس مجلس الأمة ونائب الرئيس ورئيس الوزراء، كانوا بصحبة الرئيس الذي اختصَّ الصحفي بساعتين في اجتماع مغلق، وأدهشهم إفراج الرئيس عن المستشار.
السادات حاول معرفة التفاصيل، وهيكل رفض الإفصاح. هكذا تدار دول تعتقل فيها امرأة يعرفها الزعيم، لأنها نطقت بكلمة في لحظة غضب. ويعتقل مستشار قانوني لأكبر مؤسسة صحفية؛ لمطالبته بسيادة القانون، والعلانية "في مجتمع ديمقراطي".
التيه الذي حكى به هيكل قصة انتزاعه الإفراج منع المذيعة أن تسأله عن طبيعة نظام يعتقل الناس بالشبهات. الزعيم اعتذر، في مجلس الأمة بعد هزيمة 1967، عن أداء "دولة المخابرات التي تغلغلت وانحرفت.. هذه الدولة سقطت". كانت الدولة تختبئ في منزل لطفي الخولي.
وإذا كان رجل القانون، ومهمته تحديد محظورات النشر، لا يشعر بالأمان، فكيف يأمن على نفسه مواطن لا يعرف القانون، ولا يعرفه هيكل؟ وماذا عن أبرياء اُعتلقوا بالوشايات، وليسوا مستشارين لصديق الرئيس؟ وكيف يحقق المقهور في بيته نصرًا على الجبهة؟ وإذا كان العطيفي تغيَّب عن العمل أسبوعًا، فكيف تصرفت إدارة الأهرام مع عدم وجود مستند يثبت أنه اُعتقل؟
قبل إضاعة فرصة فبراير 2011، بدَّد عبد الناصر فرصة تأسيس دولة مدنية لا تقترن بشخص الرئيس. لو أرسى قواعد الحكم المؤسسي ما كان الشعب ليختار غيره، فممَ كان يخاف؟ أجهد نفسه، وأتعب الأجيال التالية.
في صعود ثورة يناير، أيام إدارة المجلس العسكري ومطالبة المتظاهرين بسلطة مدنية، كنت أهمُّ بالقسوة عليه، أحمُّله خطايا يُسأل عنها، فأرى حاملي صورته يهتفون "يسقط حكم العسكر". مشهد لو رأته عين استشراقية لاتهمت أصحابه بالتناقض؛ لإرسائه حكم العسكر.
لكن حاملي الصور متسقون مع أنفسهم، يعنيهم أنه وطني، نظيف اليد، أنصف عموم الشعب. وعاصر ظروفًا عاصفة رجحت كفَّته في ميزان التاريخ. ربنا يسامحه، ويرحمنا من آثار حكمه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

