جيلان وخطأ واحد
1-
غريبٌ جدًا هذا الإحساس.
شباب عشريني يعيد تقييم وقراءة ثورة يناير وتقديم رؤيته لأسباب فشلها وما فعله الجيل الأكبر وأدى إلى أعوام التيه التي عشناها وما زلنا.
أسعد حين أكتشف أن الثورة ما زالت حيةً، ما زال الشباب يتحدثون عنها ويناقشون شؤونها ويرغبون في تقويمها، فهذا هو المطلوب منا دائمًا نحن شباب الثورة.
أرتبك حين أدرك أن هؤلاء الكتاب يصغرونني بنحو 20 عامًا، وأن الجيل الأكبر الذي يحاكمونه الآن ويطلب بعضهم تنحيته عن المشهد بعدما أضاع فرصته هو نحن، هو أنا!
نعم، ألفت النظر إليّ في الساحات العامة وحتى داخل عائلتي باعتباري من "شباب الثورة"؛ المراهقين الذين لا يملكون الخبرة والتجربة ليقودوا بلدًا بحجم مصر ويقرروا لها، كما يقول الكارهون، والشباب الطاهر الذي يجيد التعامل مع التكنولوجيا وفيسبوك ويطالع ما يجري في العالم في عيون محبيه، لذلك يصعب عليّ الآن استيعاب فكرة أن الشاب العشريني الذي دخل الميدان يوم 25 يناير 2011، يجلس الآن بعد 15 عامًا أمام اللابتوب بعد ابتلاع قرصين من دواء أصبح لا يستغني عنه لتخفيف آلام الظهر والرقبة، كرجل أربعيني يوجه حديثه إلى الشباب.
2-
أشفق على Gen Z فعلًا، فهو يدفع ثمن فشل ثورة لم يفجرها ولم يشارك فيها، لكن الحكم على حدث كبير كهذا استنادًا إلى المآلات وبمعزل عن الظروف والأحداث التي أدت إليها خطيئة لا أريد للأجيال التي جاءت بعدنا أن تتورط فيها.
ما أسهل أن تمارس الحكمة بأثر رجعي وتفترض أنك لو كنت موجودًا في لحظة ما كنت ستتصرف بطريقة لا تؤدي بك إلى هذه النتيجة. هذه وصفة سهلة ومريحة ومُجربَة، لكنها لا تغير الواقع ولا تجعل المستقبل أجمل.
اقتحمت ميدان التحرير في يناير مع آلاف المصريين واعتصمنا فيه. في المساء جاءت قوات الشرطة لفض الاعتصام بالقوة، هل كنت ستمنع الفض لو كنت موجودًا؟
نجحت الثورة وتولى المجلس العسكري مقاليد السلطة، وعندما تم تعيين كمال الجنزوري رئيسًا للوزراء هب الآلاف للتظاهر ضد ذلك واعتصموا أمام مجلس الوزراء، تم مهاجمة الاعتصام مرات ومرات، صمد المعتصمون مرات ومرات حتى فضته القوات بالرصاص الحي، استشهد 17 وأصيب المئات، هل تقوى على مواجهة الرصاص؟
تسمع طبعًا أن الانتخابات أولًا كانت أول المسامير في نعش الثورة، هل تملك سيناريو كان يمكن لشباب الثورة أن يواجهوا به اتفاق المجلس العسكري والقوى الدينية على تمريره؟ رتب الأحداث حتى تصل إلى النقطة التي نقف فيها الآن، هل كان لك أن تمنع أيًا مما حدث؟
قد تختلف، وأنا كذلك، على تصريح لهذا الناشط أو تصرف لتلك، لكن الواقع أن هذا الجيل كان يرفض كل ما ثبت لاحقًا أنه سيصل بنا إلى هنا، ولم يكتف بالرفض، بل تظاهر ضده وقاومه ودفع في سبيل ذلك مئات أرواحًا وعيونًا وسنينًا في السجون، لم يحدث ما حدث بسبب نقص وعي أو شجاعة، كانوا واعين وشجعانًا، لكن متى كان هذا كافيًا؟
3-
في ذكرى الثورة حتى عام 2018 كنت أكتبُ سنويًا مقالًا غاضبًا ناقدًا، أتحدث فيه عن أخطائنا وأستنكر سقطاتنا.
الآن أصبحت أكثر تصالحًا مع فكرة الخطأ عمومًا، هل كنت أتصور أنه عندما تقوم ثورة ويسقط الرئيس لن نرتكب أخطاء ولن نتورط في رهانات خاسرة؟ لم يحدث ذلك في ثورات أخرى قامت في بلاد أكثر تطورًا وتجربة سياسية، فمنطقي ألا يحدث في بلد عاش قمعًا وموتًا سياسيًا كاملًا طوال الـ60 عامًا التي سبقت الثورة، ولم يحظ بتجربة سياسية رشيدة منذ عصر الفراعنة.
المشكلة أن جيل يناير هو الحلقة الأضعف لذلك تُستدعى أخطاؤه لو عثرت بغلةٌ في العراق
نعم أخطأنا، ولو عاد الزمن لأخطأنا من جديد، ولو تكررت الثورة غدًا سنخطئ أيضًا، ربما أخطاء جديدة وربما الأخطاء نفسها. ندفع ثمن أخطائنا، وثمن أخطاء انتفاضة 1977، وثمن أخطاء رفاق عرابي، كما يدفع Gen Z ثمن أخطائنا وسيدفع من بعدهم ثمن أخطائهم.
المشكلة أن جيل يناير هو الحلقة الأضعف لذلك تُستدعى أخطاؤه لو عثرت بغلةٌ في العراق، معركة آمنة وبلا ثمن، تتيح لصاحبها أن يفرغ ما في صدره من غضب وما في لسانه من بلاغه وما في عقله من حكمة ثم يعود إلى بيته سالمًا، هدفٌ سهلٌ للأجيال السابقة واللاحقة، للمؤيدين والمعارضين، للمسؤولين والمواطنين، للكارهين والمحبين.
لا يؤذي ذلك جيل يناير في شيء، "لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها"، لكنه يضيع فرصًا كثيرة لتجاوز هذه النقطة، ويغرقنا في نقاشات لن تغير الواقع ولن تستعيد الماضي، ويعطي الجيل الجديد مبررات لتجنب المحاولة.
4-
"ربما آن الأوان أن يتنحّى جيل يناير جانبًا"، هذا ما قاله جاسر الضبع في مقاله بـ المنصة، يرى أن هذا الجيل المهزوم عليه أن يكتفي بأن يكتب ويروي ويعترف بأخطائه وأن يعطي جيله نظريات ودروسًا يتكئ عليها هو وجيله مستقبلًا.
وبعيدًا عن أن الجميع يتنحى جانبًا الآن أصلًا، جيل يناير ومن سبقه ومن تلاه، فإليك يا جاسر أول الأخطاء التي تطلب من جيلنا أن يعترف بها، أخطأنا كثيرًا عندما تعالينا على من سبقونا، كنا نستنكف أن ينصحنا أحد منهم أو يكون لأي منهم دور في رسم المستقبل، كنا نقول إن الشباب هم من صنعوا الثورة ومن حقهم قيادتها، كنا نصفهم بجيل الهزيمة والخنوع الذي تربى في حظائر مبارك وداخل أحزابه التي صنعها جميعًا بمعارضتها قبل الموالاة.
نتيجة ذلك وصلنا إلى هنا، فلا كان شباب يناير بالقوة التي تمكنهم من إقصاء هذا الجيل، ولا هم حفظوا ودّه وعملوا معه واستفادوا من خبراته وتجنبوا فخاخه.
لا يمكن لأي جيل الاستغناء عمن سبقوه، لا يمكن لأي فصيل النجاح وحده، لا ميزة إضافية لأحد كونه وصل إلى الدنيا مبكرًا أو متأخرًا عن غيره، ثورة يناير كانت فصلًا صغيرًا في كتاب تاريخ مصر، ألقتْ حجرًا في مياهٍ عطنةٍ فحركتها قليلًا ثم عادت للسكون، لم تتح لها فرصةً لتحكم أو أدوات لتنجح، حاول شبابها ففشلوا وأُفشلوا، ولا يجب أن تتحول إلى شماعة لكل فشل أو حجة للعجز عن التغيير.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
