تصميم: يوسف أيمن - المنصة

أنا لست خسارة جانبية

منشور الثلاثاء 31 آذار/مارس 2026

يتّبِع عقلي خطواتٍ واضحةً وثابتةً في التعامل مع الصدمات؛ أولها الإنكار عبر توجيه التركيز كله في اتجاه آخر كأن مصيبةً كبرى لم تحدث، وثانيها السخرية. أشعر كأن جزءًا من روح تشاندلر بينج انشطر واستوطن جسدي، ليصبح التهكم على وضعي المزري طريقتي المفضلة في مواجهة الصعاب. حين تفشل كل تلك الحيل، ألجأ للكتابة؛ أواجه الوجه الآخر القبيح للحقيقة على سفح الورقة، وأخبرها أنه لا مجال للفرار، أنت وما حدث في مواجهة ولا وسيلة للهرب.

ألم يكن يكفي حزنٌ كهذا الحزن؟

في العام الماضي؛ ألقى بي الاكتئاب طريحةً للفراش. أهرب للنوم بأمنية ألا أستيقظ لأواجه هذا الألم ثانية. حتى بزغ في عقلي الحل السحري، عزمت على الاستعانة بمضاد الاكتئاب الذي لم يخذلني يومًا، ليتسلل النور إلى داخلي؛ مثلما أنارت الشمس حجرتي بعد شهر لم تزرني فيه، أنارت مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين دهاليز عقلي من جديد.

صدقت وعدي مع نفسي؛ لحظة المواجهة لم أخذلها صدقت الضحية ودعمتها دون تفكير

إن كنتَ مريضَ اكتئاب مزمن، فأنت بلا شك تدركُ تلك الألفة بالفترة الأولى للانتظام على الدواء. تلك الطاقة والحماس للقيام بأبسط الأشياء التي عزفت عنها طويلًا. وإن كنت ممن حماهم الله من هذه اللعنة، فلكي تتخيل المعنى: تصور غرفة مهولة الحجم غارقة في النفايات والكراكيب، تدخلها وأنت في هذه الحكاية مونيكا جيلر، تحمل كل أدوات التنظيف والتطهير والتبخير، وتبدأ بلا كلل في تنظيم هذه الفوضى. ومع كل ركن تنجزه يتملكك حماسٌ شديدٌ للمواصلة، حتى تغدو الغرفة مكانًا صالحًا للسكن.

مخُّ مريض الاكتئاب هو تلك الغرفة، وأدوات التنظيف هي "حبة" مضاد الاكتئاب السحرية. وفي ذروة حملة النظافة تلك، وبينما بدأت استعادة خيوط حياتي، وصلني سكرين شوت مرفق بسؤال واحد قلب موازين الأمور مرة "هو دا باباكي؟".

ألن ينتهي أذاك أبدًا؟

دائمًا ما أسأل والديّ، في خيالي، "مين فيكوا اللي ورّث لي جين الاكتئاب العرص ده؟"، وأنا أدري من صميم قلبي الإجابة، بل أود أن يكون ميراث والدي.

في الليلة التي ضغطت فيها على الرابط ليظهر أمامي بوست طويل، استبدلت لفظ "والدي" ومحوته من حياتي ليحل محله مجرد تعريف "الرجل الذي أحمل اسمه في البطاقة".

يرصد البوست شهادات يسجلها شخصٌ تعرض للتحرش وهو طفل، إضافةً لآخرين من دائرة معارفه. أولى الشهادات وأقواها كان بطلها الرجل الذي أحمل اسمه. تحرش بأطفال ذكور تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والعاشرة، مستغلًا سلطته عليهم.

طالما شغلتني فكرة أقارب الجاني في شهادات التحرش التي تُداول على السوشيال ميديا. أؤمن بمقولة "لا تفتخر بمبادئك فهي لم تختبر بعد". توقفتُ طويلًا أمام ما فعلته شقيقة المتهم في حادثة طفلة المعادي عام 2021؛ واجهتْ طوفان الهجوم عليه بكتابة قصيدة حب تصوره مُحارَبًا مظلومًا من الجميع. ما شعرت به حينها كان الاحتقار، وفكرت أني بالتأكيد لو -لا قدر الله- في مكانها لن أفعل مثل ذلك. وصدقت وعدي مع نفسي؛ لحظة المواجهة لم أخذلها، صدقت الضحية ودعمتها دون تفكير.

الإنكار والمواجهة: سلاحان لمحو الوصم

كانت تلك الليلة من أصعب الليالي التي اختبرتُ فيها أذى ذلك الرجل، كررت السؤال أكثر من مرة "يحصل إيه أكتر من إنك مِتّ علشان تبطل تأذيني؟".

فطن عقلي بشكل لا واعٍ لأنه على  مفترق طرق يمكن من خلالهما أن يمحو الوصم؛ الأول هو الإنكار والدفاع، والثاني هو المواجهة

لم تنقضِ الليلة إلا بانهيار عصبي انتهى بي للمستشفى، في الصباح كنت اتخذت قراري "مش هشيل ليلة مش ليلتي". تواصلت مع صاحب البوست واعتذرت له وسألته لو كان بإمكاني تقديم أي نوع من أنواع الدعم. ليس بصفتي ابنة الجاني، لكن إنسانة لا يتجزأ مبدأها "نصدق الناجين والناجيات".

رغم أن تاريخ نشر البوست سابقٌ على تاريخ وفاة والدي، فإنه لم يصلني إلا بعدها، إذ عاد للتداول مع الأخبار المتلاحقة للتحرش بالأطفال. لم يفتني التأكيد للشاب على أنه لو كان هذا الرجل حيًّا يُرزق لذهبت معه بنفسي لتقديم بلاغ رسمي. ولأني لست ملاكًا منزهًا، طلبت منه حذف كل المعلومات الشخصية التي تشير لي أو لأفراد عائلتي، إيمانًا مني بأننا لسنا مذنبين لنحمل هذا الإرث، ولن أقبل أن أكون أنا أو أحد من أسرتي العزيزة مجرد "خسارة جانبية" لمجرم!

في جلستي التالية مع المعالجة النفسية، أخبرتها بما حدث، أثنتْ بشدة على طريقة مواجهتي لأزمة كبيرة كانت قادرةً بسهولة شديدة على الإطاحة بي في نوبة اكتئاب مرة أخرى، ولم يخفِ عني وعنها شعوري بالفخر من تصرفي.

فطن عقلي بشكل لا واعٍ منذ البداية أنه على مفترق طرق يمكن من خلالهما محو الوصم؛ الأول هو الإنكار والدفاع، والثاني هو المواجهة. وبالرغم من شجاعتي في التواصل مع الضحية، فإنني حتى هذه اللحظة أستتر خلف اسم مستعار(*) لنشر القصة، فأنا على يقين من أن مواجهتي لم ولن تكون كاملةً، لأن الجريمة ستلاحقها الوصمة مهما دافعت عن الضحية، حتى لو كان الوصم هو أنني "ابنة عاقة" لم تدافع عن الأب المتوفى.

يُعرّف الإنكار وفقًا للجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) بأنه حيلةٌ دفاعيةٌ لا شعوريةٌ تُستخدم لتجنب المواجهة مع مشكلة شخصية أو حقيقة واقعية مؤلمة أو مهددة، وذلك عن طريق رفض الفرد الإقرار بوجود هذه المشكلة أو الحقيقة نفسها.

تتردد في ذهني دومًا جملة قيلت لي "الوصم عمره ما بيروح في حته ومحدش بينسى، بجد مهما عملت انت هتفضل ابن فلان اللي عمل كذا، وبالأخص في المجتمعات المغلقة"، وأنا أعلم جيدًا أنني بشكل ما سيطولني الوصم، لكني أشكر الله ألف مرة أن وهبني الشخصية الصلبة التي ستواجه الأذى أيًا كان حجمه، وأتمنى دومًا أن أكون أنا وبوصلتي الأخلاقية على وفاق، لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟


(*) اسم كاتبة المقال مستعار حفاظًا على خصوصيتها

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.