تسطّح منحنى العائد في مصر: ماذا تقول أذون الخزانة عن حياتنا اليومية؟
ليست أسواق الدين مجردَ مؤشرات صاعدة وهابطة، فوراء شاشات التداول يحتشد مجتمعٌ ضخمٌ من المستثمرين، مصريين وأجانب، لحسم قراراتهم بالبيع أو الشراء بناءً على التوقعات حول مستقبل الاقتصاد.
خلال الأشهر الأخيرة، قَبِل المستثمرون شراء الديون الحكومية قصيرة الأجل بفائدة أقل من ذي قبل، وانخفض الفارق في سعر الفائدة مع الديون الأطول أجلًا، وهو ما رأى فيه خبراء مؤشراتٍ تعكسُ توقعاتِ هذا المجتمع بأن الفائدة والتضخم سيستمران في الانخفاض خلال العام الحالي.
إلا أن هذه التوقعات الإيجابية سرعان ما شابها شيء من القلق بشأن المستقبل بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث عاد الفارق في أسعار الفائدة إلى الاتساع، ما يمثل بدايةً جديدةً للارتياب في ضغوط سعرية قد نعاني منها إذا ما امتد واتسع نطاق الحرب.
منحنى العائد.. ما الذي يريد أن يقوله لنا؟
قبل الخوض في التطورات الأخيرة، علينا مراجعة القواعد الأساسية التي تشرح ما تقوله الفائدة على الديون الحكومية عن نظرة المستثمرين للاقتصاد.
في مصر يعدُّ منحنى العائد مقلوبًا، يعني ذلك أن الفائدة التي يطلبها المستثمرون على الديون قصيرة الأجل أعلى من الفائدة على الديون طويلة الأجل، على عكس الوضع الطبيعي الذي يطلب فيه المستثمرون فائدة أكبر على الديون التي ستسدد في المدى الطويل، وذلك لأن الطبيعي أن تتراجع القيمة الحقيقية للنقود كلما طالت مدة الاحتفاظ بها.
عادة ما يرى المحللون الاقتصاديون انقلاب منحنى العائد رسالة من المستثمرين بأن ثمة ركودًا اقتصاديًّا قادمًا في المستقبل، لكن في حالة مصر يرى المحللون أن انقلاب المنحنى ليس مدفوعًا بمخاوف الركود لكن بتوقعات تراجع التضخم المرتفع في المدى القريب.
"حينما سجل التضخم أعلى مستوياته في 2023 و2024 تم تشديد السياسة النقدية بهدف احتواء التضخم، ومن ثم ارتفع العائد على أذون الخزانة قصيرة الأجل بسبب توقعات التضخم في الأجل القريب"؛ تشرح هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في إتش سي لـ المنصة.
ورفع البنك المركزي أسعار الفائدة لديه إلى مستويات قياسية خلال 2023 و2024، وهو ما عُرِف وقتها بسياسات التشديد النقدي لمواجهة التضخم، قبل أن يبدأ التيسير النقدي منذ أبريل/نيسان 2025.
منحنى مقلوب لكن بشكل مختلف
إلى الآن، لا يزال منحنى العائد مقلوبًا. لكن الجديد هو أنه منذ سبتمبر/أيلول الماضي بدأ الفارق في الفائدة بين الديون قصيرة الأجل والديون الأطول أجلًا يتقلص بشكل واضح، وهو الاتجاه الذي يُطلق عليه الخبراء تسطّح منحنى العائد.
"منحنى العائد لا يزال كما هو مقلوبًا من شهر يوليو/تموز 2024 وحتى آخر طرح، إلا أن الفارق في العائد تراجع بشكل كبير مقارنة بذروته في نوفمبر/تشرين الثاني 2024"؛ توضح هبة منير.
يعكس هذا "التسطُّح" تراجع الفوائد المطلوبة على الديون الأقصر أجلًا، ما يحمل رسالة صامتة من المستثمرين بأن الفترة المقبلة ستكون أفضل.
يشير آلان سانديب، رئيس وحدة البحوث في "أكت فايننشال" للاستثمار المباشر،(*) إلى أن العائد انخفض على أذون الخزانة لأجل عام واحد بـ1.3% منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وفي المقابل، شهدت السندات الحكومية الأطول أجلًا انخفاضًا أقل حدةً نسبيًا، بنحو 20 نقطة أساس (0.2%) خلال الفترة نفسها، وهو ما يعزز الدلائل على أن منحنى العائد في مصر يتجه بوضوح نحو التسطّح.
يؤكد سانديب لـ المنصة أن هذه الظاهرة غالبًا ما ترتبط بتغيرات جوهرية في توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة والتضخم والنشاط الاقتصادي، ويرى أن وراء هذا التسطح سببين رئيسيين؛ الأول تصاعد التوقعات بخفض أسعار الفائدة أكثر من مرة، وربما الإقدام على خفض استثنائي خلال المرحلة المقبلة.
العامل الثاني يرتبط، حسب رئيس وحدة البحوث في أكت فايننشال، بازدياد التوقعات بانخفاض إضافي في معدلات التضخم خلال المدى القريب، إلى جانب تحسن أداء الجنيه المصري، وهو ما يعزز من سيناريو تراجع الضغوط التضخمية.
وتؤكد محللة الاقتصاد الكلي، حنين المهدي، على ما انتهى إليه سانديب، لافتةً إلى أن تسعير الأسواق لخفض قريب للفائدة أدى إلى تقلّص تدريجي في درجة انقلاب منحنى العائد.
ما الذي تحمله العوائد من توقعات للتضخم؟
يرى الخبراء أن العائد على الديون قصيرة الأجل سيستمر في الانخفاض بقوة خلال السنة الحالية، ما يعكس توقعات المستثمرين بانخفاض التضخم أيضًا.
وتتوقع هبة منير أن يكون التضخم أقل وطأة على المواطنين هذا العام؛ تخبرنا بذلك أسعار العائد على أذون الخزانة.
وشهدت مصر طفرةً في معدلات التضخم خلال 2023 و2024، وصلت ذروتها عندما تجاوز المؤشر 40% في سبتمبر 2023، إلا أنها بدأت في التراجع منذ 2025، وسجل في يناير/كانون الثاني الماضي 10.1%.
ترجح محللة الاقتصاد الكلي في إتش سي أن يتراوح العائد على الأذون أجل 12 شهرًا هذا العام بين 18-19%، وأذون أجل ثلاثة شهور بين 16-17%، ما يعكس التوقعات بتراجع متوسط التضخم بين 9.5 - 10%، وأن يخفض "المركزي" الفائدة على مدار العام بين 4-6%.
واستهلت لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي اجتماعاتها هذا العام في فبراير/شباط بخفض أسعار الفائدة لدى البنك بنسبة 1%، بعد تخفيضات بـ7.25% على مدار العام الماضي.
الأموال الساخنة وحرب إيران
هذه الرؤية الإيجابية سرعان ما لحقت بها تغيراتٌ قليلةٌ بمجرد اندلاع الحرب ضد النظام الإيراني واغتيال المرشد العام في آخر أيام فبراير الماضي، فقد دفعت هذه الحرب قطاعًا كبيرًا من المستثمرين الأجانب في أداوت الدين للتخارج من مصر، ما انعكس في صورة صعود سريع لسعر صرف الدولار إلى فوق الـ50 جنيهًا.
وانعكس القلق من ضغوط تضخمية بمصر في المدى القريب من خلال ارتفاع الفارق بين عائد أذون 91 يومًا و364 يومًا إلى 1.4% في بداية مارس/آذار بعد أن كان أقل من 1% لعدة أسابيع.
ويرى هاني أبو الفتوح رئيس راية للاستشارات المالية، الأموال الساخنة، "ضيفًا ثقيلًا"، معلقًا على المخاطر المرتبطة باستثمارات الأجانب في أسواق الدين.
ولا توجد تقديرات معلنة عن إجمالي حجم تخارج الأجانب من أدوات الدين منذ أن بدأت نذر الحرب في نهاية فبراير، لكنَّ جلسات السوق الثانوية للأذون والسندات في البورصة تعكس وتيرة بيع مرتفعة في تلك الفترة.
من جهة أخرى، ينبه أبو الفتوح في حديثه لـ المنصة لأن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة إحساس المواطنين بتراجع الضغوط التي عاشوها على مدار السنوات الماضية.
يختلف نبض الشارع عن أسواق المال، فحسب أبو الفتوح؛ "المواطن يرى الأسعار مرتفعة رغم انخفاض التضخم الرسمي. انخفاض التضخم إلى 11.9% يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكن فاتورة المعيشة لا تزال تثقل كاهل الأسرة".
سواء تحقق السيناريو المتفائل بتحسن المؤشرات النقدية، أو ازدادت المخاطر حال امتداد أمد الحرب، فإن الأسر المصرية، كما يؤكد رئيس راية للاستشارات المالية، ستظل تعاني من تبعات الضغوط التضخمية التي عاشتها خلال السنوات الأخيرة.
تبقى المعادلة الصعبة في الفجوة بين التحسن الكلي والمعاناة الجزئية، فـ"الأرقام تتحسن والأسرة المصرية لا تزال تُدير حساباتها بحرص"، يقول أبو الفتوح.
(*) أسعار العائد الواردة في حديث رئيس وحدة البحوث في أكت فايننشال تتعلق بالطروحات وقت التواصل معه خلال فبراير 2026