لماذا يربح طلعت مصطفى في الأزمات ونخسر نحن؟
الشهر الماضي، ظهر رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى في مقابلة تليفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب على شاشة MBC مصر، واجه فيها المخاوف من انفجار فقاعة أسعار العقارات بحسم مؤكدًا أن "الأسعار لن تنخفض".
بنهاية الشهر اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ثم تصاعدت بشكل درامي. وبدا أن الأحداث تلعب لصالح مالك ومدير مجموعة طلعت مصطفى، بينما ترجّح التوقعات أن يؤدي الصراع في المنطقة إلى موجة تضخمية جديدة في أسعار الوحدات.
ورسخ كبار المطورين العقاريين أمثال طلعت مصطفى سياساتٍ تُمكِّنهم من الإبقاء على سعر العقار مرتفعًا في أوقات الرخاء والشدة، الأمر الذي يفسر الرد الواثق على سؤال الفقاعة المحتملة وتأثيرها على الأسعار، والإشارة إلى عدم حدوث أي انكماش في أسعار العقارات في آخر 50 سنة. بالمقابل يحذر خبراء من أنه بقدر ما تضمن سيطرة هذا النموذج على السوق تحقيق ربحية لمواطنين فإنه يحرم قطاعات واسعة أخرى من الحق في السكن.
لم ينج أحدٌ من الركود
تناقلت وسائل الإعلام تصريحات طلعت مصطفى التي بدا منفعلًا وهو يُدلي بها، كأنه يخوض معركةً ضد كل التحليلات التي تنصح بخفض الأسعار بسبب ركود عقاري وشيك.
لم تكن هذه المرة الأولى خلال السنوات الأخيرة التي ينفي فيها عملاق التطوير العقاري، بشكل قاطع، أي احتمالات لتباطؤ هذه السوق، ويدلل على ذلك بالمبيعات القياسية التي تحققها مجموعته في كل عام. لكن القراءة العميقة لبيانات الشركة المالية تكشف أن حديث السوق عن الركود لا ينطوي على مبالغة، فقد تباطأت بالفعل مبيعات طلعت مصطفى في الفترة الأخيرة بالتزامن مع تراجع القلق من تقلبات سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.
السبب في التناقض بين تصريحات هشام وأرقام الشركة أن المجموعة تركز في تقاريرها على تصدير قيمة المبيعات التي سجّلت أكثر من 62.5 مليار جنيه في 2025. بهذا المقياس استطاعت الشركة رفع حجم المبيعات حوالي 46% بالمقارنة بـ2024. لكن هذا الرقم يعبِّر عن حجم ما جنته الشركة من إيرادات عن وحدات تعاقدت عليها خلال الفترة الماضية، وتم تسليمها للعميل بعد اكتمال بنائها كليًا أو جزئيًا في 2025 (بجانب نشاط الشركة في مجالات أخرى مثل الفنادق) أي أنه رقم يعبِّر عن نجاح الشركة في الماضي.
أما الرقم الأكثر تعبيرًا عن تعاملات الشركة الأخيرة فهو قيمة التعاقدات، الذي تراجع في 2025 إلى 302.2 مليار جنيه مقابل 504 في العام السابق عليه، كما يظهر من بيانات الشركة.
يجزم حازم حمدي، مدير القطاع العقاري في The Board Consulting، بأن مجموعة طلعت مصطفى لم تتمكن من تكرار نفس أدائها في 2025، موضحًا أنها عانت من تباطؤ السوق مثل باقي الشركات.
يشرح حمدي لـ المنصة أن إيرادات 2023 و2024 كانت تعكس حالة استثنائية مدفوعة برغبة المواطنين في حماية قيمة مدخراتهم من معدلات التضخم المرتفعة؛ و"مع استقرار سعر الصرف نسبيًا الفترة الماضية، تراجعت موجة الشراء بدافع الذعر الذي ساد خلال العامين أو الثلاثة السابقة بسبب عدم اليقين الاقتصادي".
يتفق مصطفى سراج، مدير تخطيط الأعمال في The Board Consulting للاستشارات العقارية، مع أن بيانات السوق العقارية بشكل عام تدلل فعلًا على وجود تباطؤ قوي؛ "الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 شهدت زيادة في حجم الوحدات المطروحة لدى أكبر عشرة مطورين بنحو 50 ألف وحدة، وهو ما يمثل نموًا بنسبة 3% فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في حين لم يسجل متوسط سعر الوحدة أي زيادة تُذكر مقارنة بعام 2024".
يوضح سراج لـ المنصة أن التعاقدات الضخمة لطلعت مصطفى، التي وصلت لذروتها في 2024، كانت مدفوعةً بمشروعات استثنائية مثل مشروع ساوث ميد الذي شهد زخمًا قويًا بسبب مجاورته لمشروع رأس الحكمة، إذ يتوقع العملاء صعودًا قويًا في أسعار الوحدات هناك بفضل الاستثمارات الإماراتية الضخمة في رأس الحكمة، وبالفعل أعلنت مجموعة طلعت مصطفى في 2024 عن أن قيمة الوحدات المتعاقد عليها في ساوث ميد في هذا العام بلغت 280 مليار جنيه.
يشير سراج أيضًا إلى أن مشروع "بنان" الذي تؤسسه المجموعة في الرياض أعطى دفعة قوية للمبيعات، لكنه لا يعبر عن واقع السوق المصرية.
الأسعار لا تنخفض
في مواجهة المؤشرات الحاسمة على تباطؤ السوق العقارية، يعدد الخبراء أكثر من سبب لقدرة طلعت مصطفى على الدفاع عن مستويات الأسعار المرتفعة. من هذه الأسباب أن النظام السائد في السوق العقارية حاليًا هو البيع على الخريطة، الذي يربط المستهلك بتعاقدات طويلة المدى يتم تسعيرها على أساس سعر الوحدة بعد أكثر من عشر سنوات، ومن ثم ليس متوقعًا أن يستجيب السعر لحالة التباطؤ الحالية.
يوضح الباحث والمحلل لسياسات الإسكان والعمران يحيى شوكت لـ المنصة أنَّ "التعاقدات المعلنة تمثل قيمة تعاقدية ممتدة لسنوات، وبذلك، يُؤجل أي تصحيح سعري محتمل، ويصبح الانخفاض المفاجئ أقل احتمالًا مقارنة بأسواق تعتمد على البيع الفوري".
من جهة أخرى تتمتع "طلعت مصطفى" والعديد من الشركات العقارية الكبرى بتدفقات طلب قوية من المصريين في الخارج تساند مبيعاتها في أوقات التباطؤ ومن ثم تشجعها على عدم خفض الأسعار، ويؤكد حازم حمدي أن إقبال المصريين في الخارج على شراء العقارات في مصر زاد بوضوح منذ 2020، خاصة على العقارات مرتفعة السعر؛ "الشريحتان الأعلى من المستهلكين، اللتان تتركز فيهما مشتريات المصريين في الخارج، كانت تمثل متوسط 10% من الطلب على سوق العقار قبل 2020، وارتفعت بعد ذلك لتتراوح بين40 و50%".
هل هناك زيادة جديدة؟
قاومت "طلعت مصطفى" خفض الأسعار خلال فترة الاستقرار القصيرة لسعر الصرف منذ توقيع اتفاق رأس الحكمة وحتى الحرب الإيرانية، والآن مع الضغوط التضخمية للحرب تدور التوقعات حول زيادة 20% في أسعار العقارات.
إن كان سراج يرى أن آثار الركود السابقة على الحرب قد تحد بعض الشيء من قدرة طلعت مصطفى على الربح، فإنه لا ينفي إمكانية رفع الأسعار؛ "ممكن الأسعار تزيد لكن بحذر شديد، لأن المعروض كبير بالنسبة لحجم الطلب، ولا يوجد الكثير من الأجانب في مصر حاليًا لزيادة الطلب".
من أكثر المشاهد المعبرة عن رهان قطاعات كبيرة من المستثمرين على قدرة "طلعت مصطفى" على الربح، بالرغم من أجواء التوتر الحالية بسبب الحرب، نجاح المجموعة في تغطية الاكتتاب في صندوق جديد للاستثمار العقاري طُرحت وثائقه خلال مارس/آذار الحالي، وجمع مساهمات بـ8 مليارات جنيه.
تعكس تجربة هذا الصندوق العقاري، كما يؤكد حازم حمدي، أن القطاع تتوفر به فرص كبيرة، وهو ما دفع سي آي كابيتال للشراكة في إطلاقه، لثقته في أن أصوله العقارية ستحقق عوائد أكبر من فائدة البنوك.
فيما يرى سراج أنه في حال تطورت الحرب وأدت إلى نزوح قطاعات كبيرة من مواطني الخليج إلى مصر سترتفع أسعار العقارات بقوة، لكنه يظل سيناريو مستبعدًا حتى الآن.
ما الذي نخسره؟
خلال حواره مع أديب، حاول طلعت مصطفى تبرير قدرته على إبقاء الأسعار مرتفعة بوجود طلب قوي على منتجاته من المجتمع المصري، لكن الواقع أن سياسات المطورين تهمش قطاعات كبيرة من هذا المجتمع وتحرمه من الحق في السكن.
كرر مصطفى خلال الحوار معلومة أن في مصر مليون زيجة في السنة، لكن ما لم يشر إليه هو أن النسبة الأكبر من هذه الزيجات مستبعدة من قائمة عملاء المجموعة بسبب مستوى أسعار الوحدات المعروضة.
يشرح حازم حمدي أن الوحدات التي ينتجها كبار المطورين العقاريين، على رأسهم طلعت مصطفى، تكون بمواصفات وأسعار لا تناسب إلا شريحتين هما A& AB، وهاتان الشريحتان تستحوذان على نحو 20% من دخل المصريين لكنهما في الوقت نفسه لا تمثلان أكثر من 7% من السكان.
في المقابل فإن الشريحتين الكبيرتين B وC اللتين تمثلان 39% من السكان لا تقدران على الشراء من طلعت مصطفى، وتعتمدان بالأساس على مبادرات الدولة مثل الإسكان الاجتماعي لكنها لا تكفي لتغطية الطلب الكبير لديهما.
وتعكس بيانات الوحدات المغلقة حقيقة أن قطاعات كبيرة من السكان مستبعدة بسبب ارتفاع الأسعار، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2017 إلى وجود نحو 13 مليون وحدة سكنية مغلقة في مصر، وذلك قبل إنشاء العاصمة الإدارية التي أحدثت طفرة في حجم المعروض بالسوق.
في هذا السياق، يبدو أن جزءًا من الطلب الذي يدعم السوق لا يرتبط فقط بالنمو السكاني، لكن بعوامل أخرى، مثل التحوط من التضخم، والبحث عن ملاذ آمن للقيمة، وتدفقات المصريين بالخارج، والمضاربة قصيرة الأجل.
إصلاح السوق
يحذر يحيى شوكت من أن النموذج السائد لدى كبار المطورين لا يسهم فقط في استبعاد قطاعات كبيرة من العملاء من سوق العقار، لكن يرسخ أيضًا فكرة أن العقار للمضاربة وليس للسكن؛ "هذا مؤشر على ضعف السوق، لأن العقارات أصول غير منتجة ولا تمثل استثمارًا لأنها لا تدر دخلًا إلا عند تأجيرها، بخلاف هذا هي أصل قد تزيد قيمته".
ويؤكد أحمد زعزع الباحث في مجال العمران لـ المنصة أن سيطرة العقارات الفاخرة على جذب مدخرات الأسر والمصريين في الخارج تعطل فرصًا أخرى للاستثمارات التنموية؛ "قطاعات مثل الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والسياحة المسؤولة يمكن أن تلعب هذا الدور، فهي تفتح فرصًا استثمارية جديدة، وفي الوقت نفسه تقدم فوائد بيئية من خلال تقليل استهلاك المياه والطاقة، وخفض انبعاثات الكربون".
بالنظر لهذه التطورات في السوق العقارية، لا يبدو سؤال انخفاض أسعار العقارات في مصر مجرد خلاف حول اتجاهات السوق، بقدر ما هو نقاش حول طبيعة النموذج القائم نفسه. فالسوق التي تُوصف بالتماسك والقيادة والقدرة على امتصاص الصدمات، تقوم في الوقت ذاته على تدفقات مستمرة، وتوقعات مستقبلية، وآليات تسعير مؤجلة، ما يجعلها أكثر تعقيدًا من قراءة سطحية لحركة الأسعار.

