حسام الحملاوي- فليكر، برخصة المشاع الإبداعي.
من اعتصام يوليو 2011 بميدان التحرير.

أزمة الحسم في مسار يناير.. الثنائيات المؤسسة لهزيمة الثورة

منشور الأحد 1 آذار/مارس 2026

في ذكرى ثورة يناير؛ أو كما يقول عمنا أحمد فؤاد نجم "كل ما تهل البشاير من يناير كل عام"، يعود السؤال حول مآلات الثورة ليس حنينًا للماضي، وإنما كلغز سياسي لم يُحسم. لكنَّ أغلب هذه الكتابات على كثرتها، يفتقد للأسف، إلى الدقة، وينطلق من نظرة ضيقة ترى العالم من تجاربها المحدودة، لا تدرك التصنيفات خارج دوائرها، وتُطوّع التحليل لخدمة قناعات مسبقة، متجاهلة أن الثورة عاشت سلسلة من الـ"بين بين" شقّت مسارها وأضعفت قدرتها على التحول إلى مشروع تاريخي مكتمل.

تاريخ الثورات لا يقول إن الحركات التي تنجح في إشعال الثورة هي ذاتها التي تقود التغيير، فالثورة تُنتج آليات جديدة تلائم الظرف الذي خلقته هي ذاتها. الثورة الفرنسية لم تبقَ كما بدأت عام 1789، والثورة البلشفية لم تستمر بذات أدوات شباط/فبراير 1917؛ لكنهما ولّدتا مؤسساتٍ وصيغًا سياسية واقتصادية جديدة استجابت لوضع تاريخي مختلف تمامًا عما سبق.

هذا المعنى نجده في أدبيات حنّة آرندت التي ميّزت بين لحظة التأسيس ولحظة الاستمرار. من هذا المنظور، لا يكون سؤال يناير عن إشكاليات التنظيمات التي قادت لها، بل يصبح عمَّا أنتجته الثورة من آليات تغيير تناسب الظرف الجديد الذي صنعته.

في الحقيقة، نزولُ الجماهير للشارع كان لحظةَ نجاح هذه التنظيمات، وذروة إنجازها أنها صمدت في مواجهة القمع. لكن هنا ينتهي دورها، ويبدأ دور الحركات السياسية الأوسع في بناء مرحلة جديدة عبر تحالفات واسعة أو صراعات عنيفة كما يقول التاريخ.

استقطاب مبكر

عقب تنحي مبارك ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن الصراع الحقيقي لم يكن فقط مع بقايا النظام، بل داخل المجال الثوري نفسه. ولأني لست من هواة الحكي بقدر ميلي إلى التحليل، فإنني أطرح هنا فهمًا لأسباب مآلات الثورة التي هُزمت بلا شك. فالمسألة ليست مجرد وقت، ولا أن الثورات تستمر حتمًا. نعم، قد تُخلِّف آثارًا إيجابيةً تفتح أفقًا مستقبليًا لشيء جديد، لكنَّ ذلك ليس انتصارًا للثورة ولا استمرارًا لها بالمعنى السياسي الدقيق.

الهوية مقابل الأيديولوجيا

"الشريعة بدمائنا" من جمعة الوحدة في ميدان التحرير يوليو 2011.

الثنائيات التي حكمت المسار لم تكن منفصلة، بل مترابطة ومتداخلة. أُولاها زمنيًا كانت ثنائية الإيديولوجيا والهوية. يوم 11 فبراير، ومع إعلان تنحي مبارك، جرى تحوير هتاف الميدان من "الشعب يريد إسقاط النظام" إلى "الشعب خلاص أسقط النظام"، في تعبير عن شعور بالإنجاز السياسي الجماعي. لكن سرعان ما انتشرت مجموعات في الميدان تهتف "الله وحده أسقط النظام".

لم يكن الأمر مجرد اختلاف في الشعار، بل في تعريف الفاعل التاريخي: هل هو الشعب بوصفه جماعة سياسية تطالب بالحقوق والمصالح والتحول، أم هو تعبير ديني/هوياتي يعيد تفسير الحدث بلغة عقائدية؟ هنا بدأ الانقسام بين من ينظر إلى الثورة باعتبارها صراعًا حول الحقوق والمصالح وبنية السلطة، ومن يحوّلها إلى معركة هوية بين ديني وعلماني، بين انتماء ثقافي ومشروع دولة.

ويتحمل الإسلاميون المسؤولية الأساسية في هذا التحول، إذ قاد التحالف الإخواني–السلفي الثورة إلى مسار هوياتي انعكس لاحقًا على السياسات التي تبنوها بعد وصولهم إلى السلطة، من البرلمان إلى الرئاسة، ولا تزال آثاره ممتدة حتى الآن؛ فمن ناحية سعى التيار الإسلامي لتصدر المعارضة واحتكارها، ومن أخرى ربطت السلطة بين أي محاولة للتغيير وصعود التيار الإسلامي، محاولة فكرة التغيير إلى فزاعة ومبرر للقمع.

سياسة القوانين وقوانين السياسة

أما ثاني تلك الثنائيات فكانت بين السياسي من جهة والقانوني/الحقوقي من جهة أخرى؛ إذ مال جزءٌ واسع من النخبة، إلى تحويل الصراع من كونه صراعًا على السلطة إلى معركة قانون ودستور تحت شعار "الدستور أولًا".

غلب خطاب "الإجراءات القانونية" و"الانتقال المنظم" على منطق الصراع السياسي المفتوح، فانتقل مركز الثقل من سؤال من يحكم وكيف تُعاد صياغة موازين القوى، إلى سؤال الإجراءات والنصوص والضمانات الشكلية. وضمن هذا التحول ضاع المسار بين السياسي والاقتصادي؛ إذ اختُزلت يناير في الحريات والدستور والانتخابات، بينما تراجع الصراع حول توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية وبنية الاقتصاد وعلاقات القوة الطبقية.

جرى فصل السياسة عن الاقتصاد بدل التعامل معهما كميدان صراع واحد، رغم أن المصالح الاقتصادية داخل الميدان نفسه لم تكن واحدة، وأن "الشعب" لم يكن كتلة متجانسة في مطالبه وتصوراته.

وهنا تظهر خطيئة الليبراليين الذين لم يستطيعوا بلورة خطاب يوازن بين البعدين، بل انخرطوا منذ استفتاء مارس في معركة ضد التيار الديني، وفي الوقت ذاته يُحجّمون الطموحات الشعبية لتغييرات عميقة تمس مسارًا لا يهز المصالح القائمة بل يحافظ عليها. وهو ما نرى نتائجه اليوم على خريطة أصحاب المصالح المرتبطة بالسلطة، وانعكاسه بوضوح على الخيارات الخاصة بالسياسات الاقتصادية الراهنة.

التنظيمي والحركي

ثالث الثنائيات كانت الارتباك بين التنظيمي والحركي؛ حيث جرى الاعتماد على الزخم والحركة والشارع، مقابل عجز أو رفض بناء تنظيمات سياسية قادرة على الاستمرار. ساد خوف من التنظيم باعتباره سلطويًا أو هرميًا، أو ترسّخ وهم أن الحركة وحدها كافية. وهكذا بقي الفعل بلا بنية تحمله، وبلا أداة قادرة على تحويل الطاقة إلى مشروع سياسي مستدام، قادر على التفاوض حينًا والمواجهة حينًا آخر، وعلى إنتاج قيادة واضحة وبرنامج متماسك.

الثورة التي تبقى مُعلّقة بين الخيارات دون حسم أسئلتها المركزية؛ تترك الإجابات لخصومها

وهنا يتحمل اليسار المسؤولية الأساسية؛ فبدلاً من الانشغال ببناء تنظيماته والتنظيمات الشعبية المعبرة عن مصالح الطبقات الساعية للتغيير، دخل في خلافات جيلية وحقوقية، وانشغل بتحالفات عابرة للأيديولوجيات على حساب بناء تيار ثالث قادر على قيادة الثورة. والنتيجة أننا ما زلنا حتى الآن في غياب صوت معارض ذي وزن يعبر عن انحيازات اجتماعية تستطيع أن تواجه السياسات الاقتصادية الراهنة.

تجذير أم إصلاح؟

كما برزت ثنائية محورية على مستوى التكتيك، بين التغيير والإصلاح؛ فلم يُحسم السؤال: هل كانت يناير ثورة تغيير جذري لبنية الدولة والاقتصاد، أم موجة إصلاح تدريجي داخل الإطار نفسه؟

هذا التردد أتاح لقوى أخرى ملء الفراغ بخيارات أوضح وأكثر حسمًا. وتوازى ذلك مع ثنائية الاحتجاج والتفاوض، حيث تشكّلت فجوة بين الشارع والطاولة. فالذين ظلّوا في الميدان رأوا في أنفسهم مصدر الشرعية المباشر، واعتبروا أن أي تفاوض لا يستند إلى تفويض صريح من الجماهير هو اختزال لإرادة الثورة وربما التفاف عليها.

في المقابل، اعتبر من جلسوا إلى طاولات الحوار أن السياسة بطبيعتها فن إدارة الممكن، وأن التفاوض ضرورة لا رفاهية، وأن من يرفضه بدعوى النقاء الثوري يدفع الأمور نحو المجهول. تحوّل الخلاف إلى أزمة ثقة متبادلة: اتهامات بالبيع من جهة، واتهامات بالتهور من جهة أخرى. وبدلًا من أن يستند كل طرف إلى الآخر، تحوّل الأمر إلى ضغوط متبادلة تتحمل النخب مسؤوليتها بالأساس، إذ عجزت عن خلق رابط بين شرعية الحضور في الشارع وشرعية التمثيل على الطاولة.

لم تُحسم آلية واضحة لمن يملك حق التحدث باسم الثورة، فبقي سؤال التفويض معلّقًا، ومعه بقيت القيادة نفسها بلا تعريف مستقر، وهو ما امتد معنا حتى وصلنا إلى دستور 2014. ويتحمل التيار القومي/الناصري دورًا أساسيًا في ذلك؛ إذ جلست نخبه إلى الطاولات بمفهوم دولتي متعالٍ على حركة الشارع، ما جعلهم رهينة لمخاوف سلطوية، فصدّروا مفاهيم مثل "هدم الدولة" و"المطالب الفئوية" وغيرها من المصطلحات التي مثلت، ولا تزال، خنجرًا في خصر أي رؤية جذرية للتغيير.

هكذا لم تُهزم يناير بالقمع وحده، بل أُضعفت من الداخل بفعل هذا التردد البنيوي الممتد عبر هذه الثنائيات المتشابكة. لم تهزم لأن تيارًا سياسيًا خذلها بل لأن كل التيارات لم تدرك اللحظة ودورها فيها، عجزت جماعيًا عن حسم الأسئلة الكبرى الخاصة بالمرحلة. والثورة التي تبقى معلّقة بين الخيارات دون حسم أسئلتها المركزية، تترك الإجابات لخصومها، فيحسمون الأسئلة ضدها، لا بقوة القمع وحده، بل بقوة وضوحهم مقابل ارتباكها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.