في سؤال التنظيم| لماذا فشلت محاولات تجميع اليسار قبل الثورة؟
لأن كل مراجعة جادّة تبدأ من الجذور؛ نعود إلى مطلع الألفية، إلى اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن التغيير في مصر يخرج من الهامش إلى العلن. بدأ النقاش همسًا بين دوائر المثقفين والمسيسين، ثم ارتفع تدريجيًا ليشمل كُتّابًا وصحفيين وأساتذة جامعات وجدوا قنوات جديدة للتعبير عبر الفضائيات والصحف الحزبية والمستقلة.
في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2002، ألقى محمد حسنين هيكل محاضرة بعنوان "المستقبل.. الآن؟"، بثتها قناة دريم، حذَّر فيها من الجمود السياسي. وبالتوازي، كتب عبد الحليم قنديل في جريدة العربي الناصري أن الطريق نحو التغيير يمر عبر المشاركة الجماهيرية، مؤكدًا أن مظاهرة كبرى، "100 ألف في ميدان التحرير"، يمكن أن تكون شرارة التحوّل. بينما كان علاء الأسواني يذيل كل مقالاته في جريدة الدستور بعبارة "الديموقراطية هي الحل". وفي الجامعة، بادر الدكتور محمد أبو الغار، مع أساتذة وطلاب، إلى تشكيل حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات.
صناعة أول "رأي عام رقمي"
بالتوازي مع هذا الحراك الفكري والجامعي، كان في الظل فضاء آخر يتشكّل: المعارضة الرقمية المبكرة.
قبل المدونات وفيسبوك وتويتر، نشأت دوائر واسعة من النقاش السياسي في غرف الدردشة/chat rooms على PalTalk، وفي المنتديات الإلكترونية مثل "مصر اليوم" و"الحوار المتمدن" وEgyptianVoice، إضافة إلى المجموعات البريدية التي كانت تستخدم لتبادل التحليلات والمعلومات.
كان الـ PalTalk فضاءً يوميًا يجتمع فيه المنفيون السياسيون، مثل أشرف السعد وأسامة رشدي، مع نشطاء الداخل، يتجادلون في غرف تحمل عناوين صريحة مثل Egyptians for Change/مصريون من أجل التغيير وAgainst Mubarak Regime/ضد نظام مبارك. كانت هذه المنصات خليطًا من الحماس والانفعال، لكنها مهّدت لجيل المدونات ليخطو خطوة أبعد نحو الفعل المباشر.
ثم جاء يوم 20 مارس/آذار 2003، لتتحول كل النقاشات، في الواقع وعلى الإنترنت، إلى فعلٍ جماعيٍّ حيٍّ، حين هتف الآلاف في ميدان التحرير لأول مرة بسقوط النظام ومطالب الحرية.
شعر كثيرون بأن ما جرى يومي 20 و21 مارس لم يكن حدثًا عابرًا، بل علامة على تغيّر أعمق في المزاج العام. صار الناس، لأول مرة منذ عقود، مستعدين لمواجهة السلطة نفسها، لا سياساتها الخارجية فقط. وبدا واضحًا أن هذه الطاقة تحتاج إلى فعل سياسي منظم.
من هنا بدأ التفكير داخل دوائر اليسار في مبادرة جديدة تحمل روح تلك اللحظة.
كيف وُلدت "حركة 20 مارس" وكيف ماتت؟
بادر الاشتراكيون الثوريون بالتحرك، معتبرين أن تحالفهم مع حزب الشعب الاشتراكي سيجذب قطاعات واسعة من اليسار المستقل. وافق "حزب الشعب"، بشرط إشراك الحزب الشيوعي المصري ومن أُطلق عليهم "المناضلين الشرفاء في حزب التجمع"، وفقًا للوصف الذي استخدمه المحامي الحقوقي نبيل الهلالي.
بعد نقاشات طويلة، تم التوافق على ضم "الشيوعي المصري"، مع استبعاد "التجمع".
من رفضوا التحالف مع الإسلاميين والناصريين لم يقدّموا مبررًا لاستبعاد فصيلين كانا يناضلان ويدفعان الثمن
وهكذا وُلدت في مطلع 2004 حركة 20 مارس من أجل التغيير، على أساس برنامج حد أدنى يربط بين الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الهيمنة الداخلية والخارجية. لكنها ولدت محاطة بحدودها منذ اللحظة الأولى.
كان الحزب الشيوعي المصري يرى أن الإسلاميين خارج معسكر الديموقراطية، بينما رأى آخرون الناصريين أيضًا خارج هذا المعسكر. وبعد مرور كل هذه السنوات، يمكن القول إن تلك التحفظات التي بدت وقتها محض عصبوية ضيقة، تنطوي على قدر لا بأس به من الوجاهة.
لكن المشكلة أنها لم تنطوِ على بديل واضح.
الأطراف التي رفضت التحالف مع الإسلاميين أو الناصريين لم تقدّم تصورًا عمليًا واضحًا يبرر استبعاد فصيلين كانا يناضلان ويعلنان عن رغبتهما في التغيير، ويدفعان ثمن ذلك. لم يطرح أحد نموذجًا لتنظيم مفتوح يضع معاييرَ واضحةً للانضمام، تكفل دخول من يؤمن حقًا بالديموقراطية، بحيث يصبح من يختار البقاء خارجه، لا من يقوم بالاستبعاد المسبق، هو المُطالب بتفسير موقفه.
وهكذا أصبحت حركة 20 مارس إطارًا يساريًا يرى بعض أعضائه أن لا ديمقراطيين خارجه.
كيف نبني وحدة يسارية فعّالة؟
ورغم رغبة الجميع في وحدة اليسار، لم يستطع أحد الإجابة على سؤال "كيف؟"، وهو ما كشف عن أزمة خيال تنظيمي حقيقية.
كيف نبني إطارًا قادرًا على الجمع بين التنظيمات الشيوعية الصغيرة والمستقلين؟ كيف نضمن عدم تغوّل أي طرف على الآخرين؟ كيف نحافظ على استقلالية التنظيمات وفي الوقت نفسه نبني قدرة جماعية على الفعل؟
تكرر السيناريو ذاته في كل محاولة لتجميع اليسار قبل الثورة: حماس للفكرة، يتبعه تراجع عند التنفيذ لأسباب حلقية ضيقة
كانت أجواء التوجس والخوف من السيطرة والذوبان وفقدان الهوية تخيّم على النقاش. وتجلّى ذلك بوضوح في الاجتماع التأسيسي الذي عُقد داخل جمعية الصعيد. خلاف واحد حول بند العضوية (مثل هل تُفتح للعرب المقيمين في مصر أم تُقصر على المصريين؟)، تحوّل إلى معركة استمرت ساعتين. كان الشيوعي المصري مع القصر بينما دافع الاشتراكيون الثوريون عن التوسع، لينتهي الأمر بتفجير الاجتماع وإنهاء أي إمكانية للتقدم.
ماتت المبادرة فعليًا يومها، ربما لأن الطرف المبادر نفسه ارتبك أمام احتمالية أن تكبر الحركة وتتجاوز حدود سيطرته، أو أن تتحوّل إلى منافس، أو ألّا تخدم مساره الخاص في التوسّع. وتكرر السيناريو ذاته في كل محاولة لتجميع اليسار قبل الثورة: حماس للفكرة، يتبعه تراجع عند التنفيذ لأسباب حَلَقية ضيقة.
كان "اتحاد اليسار"، الذي تأسس بعد رحيل المناضل نبيل الهلالي مباشرة عام 2007، أكثر هذه المحاولات جدية. كتب الهلالي الإعلان التأسيسي، مما أعطى المشروع وزنًا رمزيًا ودفعة معنوية كبيرة، كأنما هو تنفيذ لوصيته الأخيرة.
مثّل الاشتراكيون الثوريون آنذاك قوة لا يمكن تجاوزها داخل المشهد اليساري. فالقضية الأمنية التي استهدفتهم قبل سنوات جعلت اسمهم مسموعًا بقوة، ونشاطهم داخل حركة التغيير منحهم حضورًا ميدانيًا واضحًا.
كما برزوا في انتخابات البرلمان حين دفعوا بكمال خليل مرشحًا عن دائرة إمبابة، وفي "مؤتمر القاهرة لمناهضة الإمبريالية والصهيونية"، الذين شاركوا في تنظيمه رأسًا برأس مع قوى كبرى كالإخوان المسلمين والناصريين، على الرُغم من صِغَر حجمهم.
إضافة إلى تنظيمهم لفعاليات مؤتمر أيام اشتراكية، وندوات أسبوعية في مقرهم، مركز الدراسات الاشتراكية، بميدان الجيزة، وإصدار صحيفة ومجلة نصف نظرية علنية ضمن إصدارات غير دورية أخرى.
بالتوازي، كانت كتلة سياسية أخرى تتشكّل حول مشروع سيُعرف لاحقًا باسم "اليسار الديمقراطي". ضمت نواة هذه الكتلة وجوهًا من الحركة الشيوعية الثالثة وماركسيين شباب حديثي التخرّج، أغلبهم كانوا أعضاء أو على أطراف "حزب العمال الشيوعي الموحد" قبل انهياره. وتوسعت المجموعة فيما بعد لتشمل وجوهًا يسارية مستقلة متنوعة الخلفيات.
رفضت هذه المجموعة "المركزية الديموقراطية"، النموذج الذي اعتمده اليسار طويلًا في التنظيم اضطرارًا أو راحة، والتي تقوم عمليًا على التنفيذ الحديدي لقرارات القيادة، وانحازت إلى أساليب غير سلطوية في التنظيم.
ورفضت كذلك التنظيم السري القائم على الانتقاء والتجنيد و"التراكم البدائي للكوادر"؛ وتطلعت إلى كيان علني مفتوح العضوية على أساس برنامج واضح.
كانت هذه الأفكار طُرحت مبكرًا في "احتفالية جيل السبعينات" التي نظمت عام 1997 بمناسبة مرور عشرين عامًا على انتفاضة الخبز. لكنها، حين عادت للظهور مع مطلع الألفية في ورقة فريد زهران المعنونة "نحو حزب من نوع جديد"، وفي حلقات نقاش "تجديد المشروع الوطني" التي نظمها المركز المصري الديمقراطي الاجتماعي بعد تأسيسه عام 2003، لم تكن مجرد مراجعة نقدية لأمراض التنظيم المزمنة لليسار، بل كانت تعبيرًا عن تحوّل سياسي أعمق.
كانت ابتعادًا عن المنظور الماركسي الثوري الأممي، الذي يستهدف اجتثاث نظام الاستغلال والاستبداد من جذوره مع دور مركزي للطبقة العاملة، واقترابًا من نهج إصلاحي يرى التغيير ممكنًا من داخل النظام عبر المشاركة في الحكم وصياغة بدائل تدفع إلى التغيير التدريجي.
وفي مسار مواز للمركز المصري الديمقراطي الاجتماعي، تأسست مجلة "البوصلة" عام 2005، وقدمت نفسها كـ"صوت ديمقراطي جذري"، وانفتحت على روافد نظرية خارج التراث الماركسي الكلاسيكي، مثل النسوية، وما بعد الماركسية، والاشتراكية الديموقراطية، وحتى الأناركية.
ورغم الجهد الكبير الذي بذلته مجموعة المركز المصري ومجلة البوصلة عام 2007 في صياغة برنامجٍ لحزب يساري علني، فإنها لم تدعُ لتأسيسه، ولا تحوّلت هي نفسها إلى تنظيم سياسي متماسك.
كان غياب الدافعية مرتبطًا أساسًا بغياب نظرية متبلورة أو خط سياسي واضح يجمعها، أو انفتاح سياسي يسمح بتأسيس حزب جماهيري.
ومع ذلك، أصبحت المجموعة طرفًا في المشهد اليساري، بما سمح لها أن تكون الشريك الثالث في مشروع "اتحاد اليسار"، إلى جانب الاشتراكيين الثوريين وبقايا حزب الشعب الاشتراكي بعد رحيل يوسف درويش ونبيل الهلالي، إلى جانب عدد كبير من المستقلين.
تخلّى نبيل الهلالي عن إصراره على ضمّ حزب التجمع والحزب الشيوعي المصري، لسبب مزدوج: تردّي مواقف الحزبين إلى حدٍّ لم يعد يسمح بتقديمهما كجزء من يسار معارض حقيقي، ورفض الاشتراكيين الثوريين بشكل قاطع لضمهما.
لكن، كما حدث مع حركة 20 مارس، اندفع الاشتراكيون الثوريون في البداية ثم تراجعوا عند لحظة التنفيذ.
الإسلاميون في بؤرة خلافات اليسار
بالطبع، كانت هناك خلافات سياسية حقيقية؛ رفض اليسار الديمقراطي خوض معركة التغيير ضمن تحالف يضمّ جماعة الإخوان المسلمين، بينما دافع الاشتراكيون الثوريون عن ضمهم.
من ناحية أخرى، كان الخلاف حول الموقف من حزب الله وحماس بلغ درجة العداء المفتوح بين الطرفين.
الذعر من الإسلاميين عمومًا واعتبارهم العدو الرئيسي كانت له انعكاسات خطيرة على اختيارات أغلب وجوه اليسار الديموقراطي
أدان اليسار الديمقراطي حركات المقاومة الإسلامية المسلحة، بسبب طابعها الطائفي، ولأنها حوّلت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى صراع ديني. كما انتقد وضعية حزب الله داخل لبنان، بوصفه دولة داخل الدولة، يتخذ قرارات السلم والحرب بمعزل عن تأثيراتها على لبنان ككل.
وساهمت تجربة حكم حماس في غزة، بما صاحبها من قمع وفرض نمط اجتماعي بعينه، في تدعيم موقف اليسار الديمقراطي، الذي كان يؤكد على الطبيعة الرجعية السلطوية غير الديمقراطية لحركات المقاومة الإسلامية.
في المقابل، رفع الاشتراكيون الثوريون شعار "التأييد النقدي غير المشروط"، معتبرين أن نقدهم للممارسات الطائفية أو القمعية لهذه الحركات، وكذلك نقد تبعيتها لأنظمة قمعية، لا يلغي تأييد خيار المقاومة نفسه.
ووجّهوا إدانتهم إلى الكيان الصهيوني، وإلى الأنظمة العربية والفصائل الفلسطينية التي تخلّت عن خيار المقاومة أو سعت إلى تصفيته سياسيًا، لا إلى الحركات التي اختارت المواجهة المسلحة. الذعر من الإسلاميين عمومًا واعتبارهم العدو الرئيسي كان له انعكاسات خطيرة على اختيارات أغلب وجوه "اليسار الديموقراطي" في الانعطافات الكبرى لاحقًا.
لكن رغم عمق الخلافات بين المجموعات اليسارية، ظل غياب النية الحقيقية لإنجاح تجربة "اتحاد اليسار" هو السبب الرئيس لفشلها.
فائض من الحماس وتردد أكبر. كانت هذه هي المعادلة التي انتهت عندها كل محاولة لوحدة اليسار: كلٌ يريدها.. بشرط أن تحدث داخل مساحته، وبطريقته، وبلا تهديد لمكانته.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

