تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
مع نهاية 2006 بدأت موجة احتجاجات عمالية كبرى

في سؤال التنظيم| عندما تَجاوز الواقع "كفاية"

منشور الخميس 5 آذار/مارس 2026

قبل مواصلة تتبّع مسار جبهات التغيير الديمقراطي، لا بد من خطوة للوراء، بالأخص إلى أواخر عام 2004 مع اندلاع حركة التغيير. تساعد هذه العودة في النظر للصورة بشكل أشمل، لنفهم لماذا أحس كثيرون، من بينهم قيادات داخل "كفاية" نفسها، أن الزمن تجاوز جبهة التغيير التي كانت يومًا براند، وأن البحث عن بديل بات ضرورةً لا خيارًا.

لم تكن الأحداث بعد 2004 استكمالًا خطيًا لمسار "كفاية"، ولا ترجمة مباشرة لطموحاتها، بل شهدت دخول فاعلين جدد من خارج إطارها، وسّعوا حركة التغيير وفي الوقت نفسه أبرزوا حدود الجبهة ودورها.

أيمن نور.. في مواجهة النظام

صورة حسني مبارك في انتخابات 2005

في عام 2005 أعلن النظام عن تعديل المادة 76 من الدستور للسماح بانتخابات رئاسية "تعددية". ورغم أن التعديل بدا كبيرًا، فقد كان محكومًا بشروط تمنع أي منافسة حقيقية، مثل اشتراط الترشيح من حزب قائم يتمتع بتمثيل برلماني معتبر.

مع ذلك، حملت تلك اللحظة قيمةً رمزيةً عاليةً. فللمرة الأولى يناقش المجتمع علنًا فكرة التعددية والبديل السياسي، ويرى المصريون مرشحين يخاطبونهم مباشرة، ويشهد الإعلام المستقل نقاشًا مفتوحًا حول سؤال: من يحكم مصر؟

أيمن نور، رئيس حزب الغد، الذي تأسس رسميًا في أكتوبر/تشرين الأول 2004 على خلفية انشقاق عن حزب الوفد، كان المرشح الحقيقي الوحيد في مواجهة حسني مبارك في انتخابات سبتمبر/أيلول 2005. خاض السباق رغم التضييقات الأمنية واعتقال عدد من أنصاره، وقدم خطابًا مدنيًا شابًا ذا نفس ديمقراطي واضح، ركّز فيه على حرية الصحافة، والإصلاح السياسي، وتداول السلطة.

دعم كثير من "شباب من أجل التغيير" حملته، أو على الأقل رأوا فيها محاولة واقعية لتحدي النظام عبر صناديق الاقتراع، لا عبر الشارع وحده. ورغم أن النتائج الرسمية منحته نحو 7% من الأصوات وسط اتهامات واسعة بالتزوير، فإن رمزية التجربة تجاوزت الأرقام بكثير.

بعد الانتخابات، زُجّ بأيمن نور في السجن بتهمة تزوير بعض توكيلات تأسيس الحزب في قضية اعتُبرت سياسية بامتياز، ليصبح رمزًا للمعارضة المدنية. هكذا انتقلت بعض طاقة التغيير من الشارع إلى الصندوق، لا بوصفه رهانًا على الفوز، بل وسيلة لاستثمار الهوامش التي أتاحها النظام مؤقتًا، للضغط عليه وتحويل العملية الانتخابية إلى منصة دعائية لمطالب التغيير.

الإخوان المسلمون وزلزال الـ88 مقعدًا

بينما استخدمت قوى أخرى الانتخابات أداة ضغط رمزية، فإن جماعة الإخوان المسلمين استعدت لاقتحام المجال السياسي بقناعة راسخة بإمكانية التغيير من داخل النظام، عبر الفوز في الانتخابات وحجز حصة داخل البرلمان. بعد شهرين من الانتخابات الرئاسية، خاض الإخوان انتخابات مجلس الشعب 2005 رغم كونهم محظورين رسميًا، عبر مرشحين مستقلين.

جاءت شعاراتهم "الإسلام هو الحل" و"الإصلاح من الداخل"، لتُغازل الإسلاميين من جهة، وتبعث رسالة طمأنة إلى السلطة من جهة أخرى، مؤكدة تمايز استراتيجيتهم القائمة على التغيير التدريجي من داخل النظام عن حركة التغيير التي تطالب بالتغيير الجذري.

فوز الإخوان بـ20% من مقاعد مجلس الشعب كان زلزالًا سياسيًا حقيقيًا

خاض الإخوان الانتخابات باستبسال رهيب، متحدّين القيود الأمنية التي منعتهم من دخول اللجان بالقوة، حتى اضطروا لاستخدام سلالم خشبية للدخول من الشبابيك، فيما عُرف لاحقًا بـ"معركة السلالم".

وجاءت النتيجة زلزالًا سياسيًا حقيقيًا: فوز الجماعة بـ88 مقعدًا، أي نحو 20% من البرلمان، في أكبر تمثيل مُعارض في تاريخ مصر الحديث. أظهر الفوز جدية الإخوان واستعدادهم لدفع ثمن خياراتهم، وبدأت شريحة واسعة من المجتمع ترى فيهم بديلًا محتملًا، وفي استراتيجيتهم إمكانية للتغيير.

حركة استقلال القضاء

فتحت الانتهاكات الفجة التي صاحبت الانتخابات مسارًا آخر للتغيير، هذه المرة من داخل مؤسسات الدولة نفسها، حيث بدأ القضاة حركة احتجاج علنية للمطالبة باستقلال القضاء وضمان الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات.

مثّلت وقفاتهم أمام نادي القضاة لحظة فارقة، عكست تذمرًا علنيًا نادرًا من داخل بنية النظام ذاته. وحظيت هذه الوقفات بتضامن واسع من القوى السياسية، التي نظّمت مظاهرات موازية.

شارك الإخوان ضمن الحشد العام لهذه المظاهرات بعد ضغط التيار الإصلاحي داخل الجماعة بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح وبعض القيادات الشابة، رغم التردد الطويل داخل صفوفها.

لم يكن في ذلك الوقت ما يشير إلى أي صلة بين حركة استقلال القضاء والإخوان

جاء رد النظام سريعًا وعنيفًا. شُنّت حملة اعتقالات موسعة طالت عشرات من نشطاء حركة التغيير، ونحو 800 من أعضاء جماعة الإخوان. كانت الرسالة مزدوجة: تأديب الإخوان لتجاوزهم الخطوط الحمراء، وتخويف القضاة والقوى السياسية التي بدأت تلتف حول مطلب استقلال القضاء.

تُوّج هذا التصعيد بإحالة المستشارين محمود مكي وهشام البسطويسي إلى التحقيق والمحاكمة التأديبية. فتحوّل الاثنان إلى رمزين لمواجهة تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، واتسعت رقعة التضامن معهما، لتصبح قضيتهما شأنًا عامًا، وجزءًا من معركة أوسع حول الديمقراطية وحدود السلطة في مصر.

لم يكن في ذلك الوقت ما يشير إلى أي صلة بين حركة استقلال القضاء والإخوان؛ لكن السنوات اللاحقة، خصوصًا بعد ثورة يناير، كشفت عن علاقات سياسية بين عدد من رموز الحركة والجماعة، وهو ما يفرض إعادة قراءة تلك المرحلة بنظرة أكثر تدقيقًا.

حملة كمال خليل في إمبابة

في انتخابات 2005 البرلمانية، قرر "الاشتراكيون الثوريون" الدفع بكمال خليل مرشحًا في دائرة إمبابة، في خطوة كان يمكن، لو أُحسن استثمارها، أن تتحول إلى نواة حزب يساري واسع.

كان يمكن لهذا الحزب أن يوازي ما أنجزته التيارات الأخرى في تلك اللحظة: الليبراليون أطلقوا "الغد"، الناصريون يستعدون لإعلان "الكرامة"، والإسلاميون الجدد يعملون على تأسيس "الوسط".

وحده اليسار ظل بدون راية سياسية جامعة، رغم أن الواقع السياسي، كما اليسار نفسه، كان في أمسّ الحاجة إليها. كان يمكن أن تكون الحملة مناسبةً لتوحيد قوى اليسار المناضل، من الوجوه القديمة إلى الوجوه الجديدة التي تعبّر عن يسار الحركة، والانطلاق من الحملة نحو بناء حزب فعلي على الأرض، ثم التفكير لاحقًا في كيفية تحويله إلى كيان رسمي.

كمال خليل مرشح حركة الاشتراكيين الثوريين في جولة انتخابية في منطقة بدرومات عزيز عزت بحي إمبابة، القاهرة، 30 أكتوبر 2005، ضمن حملته لبرلمان 2005

لكن شيئًا من هذا لم يحدث. لم تخطر الفكرة على بال أحد، أُتخذ القرار قبل الانتخابات بثلاثة أسابيع فقط، وهو ما ضيّق الهامش الزمني على أي تنسيق واسع أو بناء جدي لمبادرة مشتركة.

عمليًا، نظّم "الاشتراكيون الثوريون" حملةً أوسع قليلًا من حدودهم التنظيمية، أشعلت إمبابة بهتافات التغيير وجذبت عددًا من شباب اليسار، سواء من أبناء المنطقة أو من دوائر الحركة الأوسع.

كانت الحملة ناجحةً ميدانيًا، لكنها لم تُترجم سياسيًا إلا بانضمام عدد محدود من المتطوعين إلى صفوف المنظمة، خسرتهم فيما بعد.

فمن ناحية، كانت المرجعية السياسية لـ"الاشتراكيين الثوريين" شديدة التعقيد. ارتبطت بالتيار التروتسكي في نسخته "الكليفية"، نسبةً إلى توني كليف، المنظّر الماركسي البريطاني - الفلسطيني الأصل الذي أعاد قراءة التجربة السوفيتية خارج النموذج التروتسكي التقليدي، وطرح في كتابه الأبرز رأسمالية الدولة في روسيا (1948) أن الاتحاد السوفيتي لم يكن دولة عمّالية بل شكل من الرأسمالية التي تديرها الدولة.

من ناحية أخرى، كان هيكلهم التنظيمي هرميًا ومركزيًا، يقوم على تقسيمٍ للعمل يُفرض من أعلى، بما يجعل العضو منفّذًا لا مبادرًا، ويمنع التواصل الأفقي بين الأعضاء. وهو ما بدا مناقضًا تمامًا لمزاج شباب اليسار الجديد، الأقرب إلى الأشكال الأفقية، والشبكية، والديمقراطية التي تبناها "اليسار الديمقراطي" والأناركيون.

وهكذا انتهت حملة كمال خليل إلى مجرد حدث معزول، لأنها جرت بلا أي أفق سياسي غير الدعاية والتوسع الذاتي.

تحوّل مركز الاحتجاج: من النخب إلى العمال

مع ديسمبر/كانون الأول 2006، بدأت موجة احتجاجات عمالية كبرى، مع اعتصام غزل المحلة الشهير، امتدت خلال 2007 و2008 إلى مئات الإضرابات في قطاعات صناعية وخدمية متعددة.

لم يحلّ العمال محل "كفاية" كقيادة لحركة التغيير، فمطالبهم ظلت في معظمها اقتصادية ومتفرقة، ولم تتطور إلى مطالب سياسية تمس بنية النظام. ومع ذلك، مثّل صعودهم انتقالًا واضحًا في مركز ثقل الاحتجاج.

مثّلت "كفاية" مرحلة النخبة السياسية والمثقفين الذين فتحوا المجال العام وكسروا حاجز الخوف، لكن بعد هذا الانفتاح الجزئي، دخلت إليه الفئات الاجتماعية الأوسع، وعلى رأسها العمال، الذين كانوا يواجهون السياسات الاقتصادية الظالمة للنظام بشكل مباشر.

عاملات في اعتصام بمصنع المنصورة-إسبانيا في الدقهلية، 9 مايو 2007

تعاملت قيادات "كفاية" مع الحركة الاجتماعية بمنطق الزائر المتضامن. كان العمال والمشاركون في الإضرابات بالنسبة لهم مجرد جمهور للتأييد، لا شركاء فعليين في مشروع التغيير.

المفارقة أنه في الوقت الذي قُمعت فيه حركة التغيير وزورت الانتخابات، كانت النقابات المستقلة تتشكل فعليًا على الأرض، أولها نقابة الضرائب العقارية التي تأسست في 2008، مؤكدة ميلاد طور جديد من الفعل السياسي المنظم.

لو أن اليسار خاض موجة الاحتجاجات الاجتماعية في 2007-2008 وهو متماسك داخل نواة حزبية خرجت من رحم حملة كمال خليل، لكان قادرًا على ربط الحركة الاجتماعية بالحركة السياسية، ومساندتها في تنظيم نفسها وتطوير أدواتها.

كان يمكنه أن يقطّر يسار الحركة الاجتماعية داخل الحزب اليساري الناشئ، فيتحول إلى كيان يمتلك قواعد اجتماعية حقيقية تمتد إلى العمال والموظفين. هذا هو حجم الفرصة التي ضاعت.

أبو الفتوح.. ورهان على جيل إخواني جديد

في هذا السياق العام، برز عبد المنعم أبو الفتوح وجهًا إصلاحيًّا داخل الإخوان، داعيًا إلى الانفتاح والمشاركة في المجال العام. أنشأ قنوات تواصل متعددة، سواء عبر النقابات المهنية أو عبر علاقات مع رموز سياسية من مشارب مختلفة، وهو ما منح صورته طابعًا خاصًا؛ رجل حوارٍ وتواصلٍ هادئ.

بعد الانتخابات البرلمانية، قررت قيادة الإخوان أن أولويتها "الحفاظ على المكاسب"، فانصرفت إلى العمل البرلماني والتنظيمي، وابتعدت عن الشارع. لكن داخل الجماعة، نشأ جيل جديد من الشباب متأثرًا بشدة بأفكار أبو الفتوح، الذي شجّعهم على الحوار والانفتاح، وحماهم أحيانًا من العقاب الداخلي، وهو ما أتاح لهم الخروج من عزلتهم التنظيمية، ليصبحوا جزءًا من الفضاء العام الذي كان يتشكل من حولهم.

لم تبقِ المدونات في إطار النقاش فقط بل تحوّلت في لحظات إلى أدوات فعل سياسي مباشر

عبّر هؤلاء عن آرائهم عبر المدونات، وكتبوا عن الديمقراطية الداخلية، ومركزية القرار، وضرورة المشاركة في حركة التغيير. وكان من أبرزهم عبد الرحمن عياش صاحب مدونة "الغريب"، ومصطفى النجار "أمواج في بحر التغيير"، وعبد الرحمن منصور "مراسل الأرض".

ومن خلال المدونات، تكوّن حقل نقاش مشترك لم يكن ممكنًا قبل ظهور الإنترنت. تداخلت نقاشات شباب الإخوان مع الشباب اليساري والليبرالي. وتحولت المدونات إلى ساحات اختبار علني للأفكار، وسّعت أفق كثيرين من شباب الإخوان، وجعلتهم يرون العالم بمنظور أرحب من عدسة الجماعة الضيقة، فبدأوا في اتخاذ مسافة متزايدة عن التنظيم، وما هي إلا بضع سنوات حتى انفصل أغلبهم بالكامل عن الجماعة.

لم يقتصر دور المدونات على النقاش فقط، إنما تحولت في لحظات إلى أدوات فعل سياسي مباشر، كما في حملة التضامن الواسعة للمطالبة بالإفراج عن المدوّن عبد المنعم محمود، صاحب مدونة "أنا إخوان"، التي شارك فيها مدوّنون ونشطاء من مختلف الانتماءات. كشفت الحملة عن شبكة تضامن جديدة، لا تقوم على الهوية السياسية، بل على الدفاع عن حرية التعبير وحق الاختلاف.

وفي الجامعات، كان هناك تنسيق شبه يومي بين طلاب الإخوان وطلاب اليسار والناصريين والليبراليين. من أهم التجارب التي قرّبت بين شباب التيارات المختلفة داخل الجامعة كانت تجربة "اتحاد الطلاب الحر"، التي دعا إلى تأسيسها طلاب الإخوان عام 2005، بعد أن جمّدت وزارة التعليم العالي الاتحادات المنتخبة ومنعت إجراء انتخابات نزيهة.

كان "اتحاد الطلاب الحر" أول معمل فعلي خرج منه نوع من الرفاقية السياسية الجديدة بين طلبة الإخوان وطلاب التيارات الأخرى، متجاوزًا خصومة الماضي.

أما مؤتمر القاهرة لمناهضة الإمبريالية والصهيونية، فقد كان ساحة مهمة تلتقي فيها التيارات المختلفة، وحدث خلاله تفاعل واسع ومباشر بين شباب الإخوان وشباب اليسار بتنوعاته.

ومع الوقت، بدأ هذا الجيل الجديد من شباب الإخوان في تجاوز التنظيم فعليًا، مشاركًا في الفعل العام باستقلال متزايد عن الجماعة.

مع كل هذه التحولات، من الشارع إلى الانتخابات، ومن استقلال القضاء إلى الفضاء الرقمي واحتكاك العمال والشباب، بدا الواقع السياسي في مصر أكثر تشظيًا وحيوية.

فرغم القمع، دخل فاعلون جدد إلى حركة التغيير في مسارات مستقلة، وكان الشيء الوحيد الذي يجمعهم هو أن "كفاية" لم تمثلهم.

وأصبح السؤال المطروح: كيف يمكن توحيد هذه المسارات المتفرقة في مشروع تغيير واحد؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.