تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
معمر القذافي وبعض من أبنائه

"مشروع العودة".. مَن يحمل راية سيف الإسلام القذافي في ليبيا؟

منشور الخميس 26 شباط/فبراير 2026

لن تخفت قريبًا أصداء اغتيال سيف الإسلام القذافي، فالرجل الذي نُظر إليه باعتباره قائد مشروع عودة نظام والده معمر القذافي، الذي سقط في 2011، اختفى من المشهد الليبي المرتبك، مخلفًا الكثير من الأسئلة حول مصير أنصار النظام السابق، ومستقبل أسرة العقيد الذي حكم ليبيا نحو 42 عامًا.

رسميًا، لا تزال التحقيقات التي يقودها النائب العام الليبي جارية، ولم تعلن أي نتائج بشأن منفذي جريمة اغتيال سيف الإسلام في 3 فبراير/شباط الحالي، ولا الجهات التي تقف خلفهم.

وبينما أزاح اغتيال نجل القذافي همًا كبيرًا عن صدر المتصارعين الرئيسيين في ليبيا بالمنطقتين الشرقية والغربية، تشير مصادرُ مقربةٌ من العائلة  تحدثت لـ المنصة إلى أنه يجري حاليًا اختيار خليفة لسيف الإسلام ليقود "مشروع العودة" الذي يسعى إليه أنصار النظام السابق.

بداية انطلاقه

سطع نجم سيف الإسلام مع بدايات الألفية شابًا صغيرًا يتحدث عن مشروع "إصلاحي وتنموي"، ويفتح الباب للنقاش حول حاجة البلاد، المحكومة بالحديد والنار، للديمقراطية والإصلاح السياسي وإعداد دستور، والحريات الإعلامية، ويخوض مفاوضات للإفراج عن المعارضين السياسيين المحبوسين في الداخل والتوسط لعودة الموجودين منهم في الخارج.

انتقد ابن رئيس الجماهيرية نظام الحكم بشكل علني وخاض معارك مع الحرس القديم، وأكد ضرورة انتقال بلاده إلى مرحلة جديدة، وأطلق مشروع "ليبيا الغد" لتحديث البنية التحتية التي تشمل مدارس وجامعات ومستشفيات ومطارات ومواني ووحدات سكنية.

إلا أن هذا الوجه الإصلاحي سرعان ما تبدد مع بداية الأحداث في 2011، ليظهر وجه الابن الدموي المدافع عن والده المهدد بـ"حمامات دم"، ومن ثَمَّ صدرت بحقه مذكرة جلب من المحكمة الجنائية الدولية.

مَثُل سيف الإسلام أمام القضاء الليبي بين عامي 2012 و2013، وحُكم عليه في 2015 بالإعدام بعد إدانته بالضلوع في جرائم حرب على خلفية قمع متظاهري الثورة الليبية رفقة عدد من المسؤولين السابقين، لكن "كتيبة أبو بكر الصديق" التي اعتقلته في مدينة الزنتان جنوب البلاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 رفضت تسليمه، وأفرجت عنه في 2017 مستفيدًا من قانون أصدره مجلس النواب وقتها للعفو العام.

بعد الإفراج عنه عاد سيف الإسلام لحاضنته القبلية التي نصبته وريثًا شرعيًّا لنظام والده، لأسباب تتعلق بصورته قبل 2011، إضافة إلى أنه وجه يمكن قبوله خارجيًا.

بدأ نجل القذافي في تشكيل تحالفات وتربيطات تمكنه من العودة ليس إلى المشهد فحسب إنما للحكم، بالفعل في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 لم يخذل أنصاره وتقدم بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا لها ديسمبر/ كانون الأول 2021، لكنها تعطلت وأعلنت المفوضية العليا للانتخابات وقتها "القوة القاهرة" ليتم تجميد الاستحقاق الانتخابي حتى الآن.

وبينما رأى أنصار النظام السابق في سيف الإسلام حصانًا رابحًا، مثّل الشخص الذي يمكنه إعادة إحياء نظام القذافي قلقًا لدى الأطراف المتنافسة على ليبيا ما بعد 2011، لذلك تكررت محاولات إخراجه نهائيًا من المشهد. 

ماذا بعد الاغتيال؟

يحتل سيف الإسلام الترتيب الرابع بين أبناء القذافي الثمانية؛ قُتل ثلاثة منهم في أحداث الثورة، هم المعتصم بالله وسيف العرب وخميس. ليتبقى محمد الابن الأكبر من زوجته الأولى ويقيم في سلطنة عمان، والساعدي الذي أُفرج عنه من السجون الليبية في 2021 ورُحّل إلى تركيا، وهانيبال المفرج عنه أخيرًا من سجون لبنان بعد سنوات من الاحتجاز، بالإضافة إلى عائشة التي تقيم أيضًا في سلطنة عمان.

بعد مقتل الابن الذي انغرس في السياسة في حِما والده، بدأ النظر لأبناء الزعيم الراحل لاختيار من يمكن التعويل عليه لقيادة العائلة، واستبعد مصدر من أسرة القذافي، تحدث لـ المنصة، طالبًا عدم نشر اسمه، الدفع بمحمد بديلًا لسيف الإسلام؛ لحرصه الدائم على الابتعاد عن الأحداث منذ مغادرته ليبيا بعد 2011.

كما استبعد المصدر الدفع بالشقيق الأصغر هانيبال، كونه متزوجًا من أجنبية، وهو ما يمنعه من الترشح للانتخابات وفق القوانين الليبية، لتنحصر الاختيارات بين الساعدي وعائشة في حال حصر البديل في أبناء القذافي.

يرجح المصدر كفة الساعدي، خاصة أنه اتبع سياسة هادئة وموزونة بعد واقعة اغتيال شقيقه سيف الإسلام، لكن هذا لا يعني أن عائشة ستكون خارج المشهد تمامًا؛ فهي الابنة الوحيدة للقذافي وتعمل محامية، وكانت دائمة الظهور إلى جوار والدها في لقاءاته المهمة، وإن كان صعودها قد يصطدم بالأعراف والتقاليد القبلية.

على أي حال، ليست المعركة سهلة؛ فبينما يحاول أنصار النظام السابق جمع شتاتهم، هناك من يبحث عن ملء فراغ هذه المساحة.

استمالة الأنصار 

يرى عضو الفريق الإعلامي لسيف الإسلام، حمزة التهامي، أن الممسكين بالسلطة الآن، ممثلين في قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر وأبنائه، ورئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة وعائلته في الغرب، وجماعة الإخوان المسلمين في العاصمة، أبرز المستفيدون من غياب سيف الإسلام.

ورفض نائبان في البرلمان الليبي، الموجود في الشرق، التعليق على أن تيار حفتر مستفيد من غياب سيف الإسلام، وكذلك رفض مقربون من حكومة طرابلس الرد على نفس التحليلات.

ولفت التهامي في حديثه لـ المنصة إلى أن المشاركة الواسعة في جنازة سيف الإسلام أحدثت صدمة للموجودين في السلطة الذين لم يتوقعوا هذه الشعبية، مشيرًا إلى أن حكومة الغرب تحاول استقطاب أنصار سيف الإسلام، ومعسكر الشرق يفعل الأمر نفسه.

بخصوص البديل، يميل التهامي إلى إمكانية اختيار الأخ الأكبر محمد، مشيرًا إلى أنه "رجل رصين وقاد مناصب عدة في ليبيا أثبت فيها نجاحه وحسن قيادته، رغم أنه لم يكن منخرطًا كثيرًا في السياسة".

وهو ما تختلف معه الناشطة السياسية الليبية عفاف الفرجاني، التي ترى أن محمد عُرف باهتماماته الاجتماعية والرياضية وكان بعيدًا عن العمل السياسي المباشر.

تؤكد عفاف الفرجاني لـ المنصة على أن سيف الإسلام كان شخصيةً سياسيةً مثيرةً للجدل وظل رقمًا صعبًا في المعادلة الليبية وقدّم رؤية تتعلق بالمصالحة الوطنية وإعادة ترتيب المشهد السياسي، وهو ما جعله مختلفًا عن باقي أبناء القذافي الذين منذ سقوط نظام والدهم لم يظهروا في أي مشروع سياسي متكامل أو خطاب واضح المعالم.

تفرق الناشطة السياسية الليبية بين مشروع سيف ووالده؛ فبينما كان خطاب القذافي الأب "عقائديًا ثوريًا تحرريًا"، ركز الابن على المصالحة الوطنية والوحدة وإعادة إدماج الجميع في عملية سياسية جامعة.

اجتذب مشروع سيف الإسلام أنصارًا تتوقع عفاف الفرجاني أن ينفضوا عنه قريبًا، فـ"مثل هذه المشروعات تفقد زخمها بغياب قائدها، ما لم تتوافر إرادة حقيقية وتنظيم واضح لاستكماله بروح جامعة تتجاوز الأسماء نحو الهدف الأساسي".