الصفحة الرسمية لحكومة الوحدة الوطنية الليبية على فيسبوك
رئيس مجلس الوزراء الليبي عبدالحميد الدبيبة خلال افتتاح المتحف الوطني الليبي في ديسمبر 2025

ثاروا على القذافي ثم ساروا على خطاه

الحكومات الليبية ومساعي تأبيد السلطة وتوريثها

منشور الاثنين 30 آذار/مارس 2026

مطلع الشهر الجاري، أجرى رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة تعديلًا وزاريًا تضمن تعيين سالم العمار وزيرًا الثقافة خلفًا لمبروكة توغي. يعني ذلك بوضوحٍ أن تتخلى الوزيرة عن مقعدها ليشغله خليفتها، لكنَّ الأمور لا تسير هكذا في بلدٍ تتنازع على حكمه حكومتان؛ رفض رئيس إحداهما قبل خمس سنوات تنفيذ قرار سحب الثقة البرلمانية من حكومته.

بالفعل، سارت مبروكة توغي على خطى رئيس حكومتها؛ فأعلنت رفض تنفيذ قرار الإقالة، وتمسَّكت بمباشرة مهامها، وتوجهت لمقر وزارتها في العاصمة طرابلس ليمنعها الأمن من الدخول، ما اعتبره محللون ارتدادًا للسنة التي سنَّها الدبيبة نفسه.

تولّى الدبيبة منصبه في فبراير/شباط 2021 بعد اختياره من ملتقى الحوار السياسي الليبي ضمن قائمة لإدارة البلاد بشكل مؤقت حتى إجراء الانتخابات العامة في 24 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، وتعهد وقتها بعدم الترشح لأي منصب سياسي، لكنه استمر في منصبه حتى الآن. 

الدبيبة أول المتمردين

انقلبَ التفاؤلُ الذي صاحب تعيين حكومة الدبيبة بتحسن الأوضاع في ليبيا إلى كابوسٍ مع رفضه تنفيذ قرار مجلس النواب الليبي في سبتمبر/أيلول 2021 بسحب الثقة من حكومته، واختيار فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق خلفًا له، وحصوله على ثقة المجلس بعد اختياره أعضاء الحكومة.

ليس هذا فقط، لكن الدبيبة تنكّر تمامًا لوعده عدم الترشح لأي منصب، وأعلن في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية، قبل أن تعلن المفوضية العليا للانتخابات في الشهر ذاته تأجيل الاقتراع لوجود عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكلت "قوة قاهرة" حالت دون عقد الانتخابات.

رفض وزيرة الثقافة التخلي عن منصبها ليس أوَّلَ سابقة في حكومة الدبيبة

ورغم إعلان رئيس مفوضية الانتخابات عماد السائح انتهاء "القوة القاهرة" بعد نحو ثمانية أشهر، لم تجرِ الانتخابات حتى الآن، ما خلق حالة "جمود سياسي" في بلد ثار أهله في 2011 ضد نظام القذافي للمطالبة بـ"التغيير" وإنهاء مساعي التوريث.

إلا أنَّ من جاءوا من بعده ورثوا تمسكه بالكرسي ورفضوا التخلي عنه، فانقسمت ليبيا وقادتها حكومتان؛ إحداها للمنطقة الغربية والثانية للمنطقة الشرقية. وانتقل هذا التشبث بالكرسي إلى المسؤولين الأدنى في كل منطقة. فبعد حصول حكومة باشاغا على ثقة البرلمان فشلت في دخول العاصمة طرابلس، لتقرر ممارسة مهامها من بنغازي، وتُعرف باسم حكومة شرق ليبيا حتى اليوم تحت قيادة أسامة حماد الذي خلف باشاغا، بينما استمرت حكومة الدبيبة في عملها من طرابلس تحت مسمى حكومة غرب ليبيا.

وزراء الدبيبة تعلّموا الدرس

رفض وزيرة الثقافة التخلي عن منصبها ليس أوَّلَ سابقة في حكومة الدبيبة، إذ سبق ورفض وزير النفط والغاز محمد عون هو الآخر إقالته في نوفمبر الماضي ولجأ إلى القضاء الذي أصدر حكمًا بعودته إلى منصبه، امتنع الدبيبة عن تنفيذه.

لذا لا يستغرب عضو مجلس النواب الليبي جاب الله الشيباني اعتراض مبروكة توغي على استخلافها، معتبرًا في بوست على صفحته بفيسبوك أن هذه "سُنَّة سنَّها الدبيبة نفسه"؛ ليحصد نتيجة تمرده على القانون وعدم الخضوع لأحكام القضاء مستغلًا الفوضى التي تعيشها البلاد.

يتفق المحلل السياسي الليبي محمد قشوط مع أن حكومة الدبيبة هي من رسخت فكرة مخالفة القانون، و"رئيسها بات قدوة لكل الوزراء الذين يرفضون أي قرارات ضدهم، منهم مبروكة توغي التي رفضت قرار إقالتها، فتم طردها ومنعها بقوة السلاح من دخول الوزارة، رغم محاولات تقربها من الدبيبة".

يعتبر قشوط، في حديثه لـ المنصة، بسطَ النفوذ على كامل الحقائب الوزارية الهدفَ الرئيسيَّ من التغييرات الوزراية الأخيرة للدبيبة، ليكون الحاكم الفعلي الوحيد للمنطقة الغربية ويمنع أي تحركات مستقبلية ضده. فرغم الآمال الكبيرة التي بُنيت على حكومة الوحدة منذ قدومها للمساهمة في حل الوضع المتأزم اقتصاديًا وسياسيًا، فإن "عبد الحميد الدبيبة وأتباعه كشفوا عن نواياهم في البقاء واستدامتهم بالمشهد لتحقيق مصالح خاصة ضيقة على حساب مصلحة الشعب الليبي".

التعديل الوزاري الذي أطاح بوزيرة الثقافة وشمل عدة وزارات، قُوبِل بردود فعل متباينة

ويشدد على أن هذه الحكومة فقدت الدعم الدولي الذي جاء بها بعد حوار جنيف، ثم سحبت منها ثقة مجلس النواب، و"الأهم أنها فقدت كامل الدعم الشعبي الذي بات يعبر عن رفضه بالمظاهرات التي تخرج باستمرار داخل العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية التي تعمل بها هذه الحكومة".

واندلعت أكبر المظاهرات ضد حكومة الدبيبة في مايو/أيار الماضي، عندما احتشد آلاف المتظاهرين في ميدان الشهداء وسط العاصمة طرابلس مطالبين بإجراء الانتخابات. وقتها خرج عدد من الوزراء معلنين استقالتهم، كما أصدر عمداء 30 بلدية بيانًا مشتركًا طالبوا فيه الدبيبة بمغادرة السلطة، محملين إياه مسؤولية "العبث بمصير الليبيين من أجل مصالح شخصية"، لكنّ الحكومة نفت وقتها أنباء استقالة الوزراء والمسؤولين، وقالت إن ما ورد في هذا الشأن "لا يعكس الحقيقة". 

ضوابط إجرائية

التعديل الوزاري الذي أطاح بوزيرة الثقافة، وشمل أيضًا وزارات الدولة لشؤون المهاجرين وحقوق الإنسان، والموارد المائية، والثقافة والتنمية المعرفية، والتربية والتعليم، والإسكان والتعمير، قُوبِل بردود فعل متباينة.

فبينما اعتبره رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مخالفًا للاتفاق السياسي، وقال في خطاب رسمي للدبيبة إن تشكيل الحكومات أو أي تعديل يطرأ على بنيتها يخضع حصرًا لما تنص عليه المرجعيات الدستورية الحاكمة، المتمثلة في الاتفاق السياسي الليبي وملاحقه المضمنة في الإعلان الدستوري وتعديلاته؛ عدَّ المستشار القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي إجراء التعديلات الوزارية من الصلاحيات المتصلة بطبيعة وظيفة رئيس الحكومة في إدارة العمل التنفيذي وتقييم أداء الفريق الحكومي.

أوضح الحاراتي لـ المنصة أن هذا اختصاص يهدف أساسًا إلى ضمان فاعلية الأداء الحكومي وتحقيق المصلحة العامة، ويفترض أن يُتخذ في إطار الضوابط الإجرائية التي تكفل التوازن بين السلطات ويحافظ على المشروعية الشكلية للقرارات الحكومية، في مقدمة ذلك مسألة نيل الثقة وأداء اليمين الدستورية.

وحاولت المنصة التواصل مع المكتب الإعلامي للدبيبة ومركز الاتصال الحكومي للتعليق، إلا أنهم لم يردوا على رسائلها.

التأبيد يقترن بالتوريث

التأبيد في السلطة ليس ديدن الحكومات الليببة وحدها. الجميع سار على خطى القذافي بتعيين أبنائه في مناصب قيادية في الدولة، فشرق ليبيا تحوّل إلى "شركة خاصة" للقائد العام للقوات المسلحة الليبية خليفة حفتر إذ مكن أبناءه من المناصب العسكرية والاقتصادية الكبيرة.

في 18 أغسطس/آب الماضي صادق مجلس النواب على تعيين صدام بن خليفة حفتر نائبًا للقائد العام للقوات المسلحة الليبية، وعلى تعيين ابنه الآخر خالد رئيسًا للأركان العامة، فيما قاد أبناء عمومة حفتر، أيوب والبوعيشي الفرجاني، وحدات وكتائب شكلت العمود الفقري للقوات المسلحة.

هذا السياق اعتبره الباحث الليبي إبراهيم اسويطي، في مقال بموقع جريدة السفير اللبنانية سبتمبر/أيلول الماضي، محاولةً لضمان الاستقرار والسلم في شرق البلاد، خاصة في ظلّ حديث عن "صراع" حول خلافته، لذلك جاءت قرارات حفتر لحسم الأمر، بتوزيع المناصب والأدوار، ما يجعل صدّام هو الأوفر حظًا لخلافته.

أما الكاتب والباحث السياسي الليبي الدكتور فوزي الحداد، فعدد في حديث سابق لـDW، دوافع هذا القرار؛ "أولها كبر سن القائد العام للقوات المسلحة، وهذا أمر يتطلب وجود خطة بديلة في حالة شغور هذا المنصب في أي لحظة".

لم يعد الليبيون يحلمون بغدٍ سعيدٍ لا يأتي فيه خلفَ كل قيصرٍ يموتُ قيصرٌ جديدٌ، فقد تراجعت آمالهم لدرجة أنهم باتوا يمنون النفس فقط بأن يروا تغييرًا وزاريًا، أو يأتي رئيس حكومة جديد يلبي بعض طموحهم في التغيير وتحسين ظروف حياتهم.