تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
رغم فاشيته، يصور ترامب نفسه راعي العدالة

الشيطان في محراب القانون: الفاشية الدولية وتعميم نموذج الإبادة

اصطفاف صهيوأمريكي أمام محكمة العدل الدولية دفاعًا عن جرائم حرب غزة في غياب مصر والعرب

منشور الاثنين 16 آذار/مارس 2026

"إن الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية هي مزاعم غير صحيحة وليست جديدة. إنها تأتي في إطار حملة أوسع لنزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي وتبرير وتشجيع الإرهاب ضدهم".

لم تكن هذه العبارة جزءًا من خطاب شفهي لبنيامين نتنياهو أو أحد وزرائه، أو تصريحات لأحد مسؤولي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل سطور من مقدمة المذكرة الرسمية التي تقدمت بها الولايات المتحدة رسميًا الخميس الماضي إلى محكمة العدل الدولية، للدفاع عن الكيان المحتل في مواجهة دعوى الإبادة الجماعية المقامة من جنوب إفريقيا.

فهل يُعقَل أن تحرص أمريكا على التدخل في آخر لحظات المهلة القانونية تزامنًا مع انتهاء المدة المخصصة لإيداع مذكرة الدفاع الإسرائيلية يوم 12 مارس/آذار الحالي، وترامب يتخذ يوميًا من القرارات والإجراءات ما يكفي لإثبات فشل النظام الدولي كله وعودة العالم إلى عصور ما قبل صلح وستفاليا ومعاهدات السلام وإرساء مفاهيم السيادة الوطنية والتكافؤ بين الدول؟

رسالة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو معلنًا تدخل أمريكا في قضية الإبادة الجماعية

أليس ترامب هو الرجل فقير المعرفة والبصيرة صاحب مجلس السلام، الكيان الوهمي المناوئ للأمم المتحدة، ومنفذ عملية خطف رئيس فنزويلا وتغيير حكومتها، وشريك نتنياهو في العدوان الفوضوي غير المحسوب على إيران؟ فكيف لوزير الخارجية ماركو روبيو مساعده الأفضل على الإطلاق، على حد تعبيره، أن يُقدم على خطوة التدخل في قضية تقول للعالم ببساطة "ما زال هناك قانون وما زالت أمامنا جرائم ينبغي ملاحقتها".

وسؤال آخر منطقي: عندما تتدخل واشنطن في القضية رفقة عدد من الدول المؤتمرة بقرارها والمساندة لإسرائيل في جميع المحافل الدولية مثل المجر وباراجواي وجزر فيچي، ألا تساهم بذلك في تكريس مسار العدالة الدولية كساحة للصراع السياسي والقانوني؟ بالأحرى؛ ألا يمثل ذلك الترجمة المباشرة لحالة الفاشية الدولية التي ينتهجها ترامب ونتنياهو استنادًا إلى العربدة والإبادة وتدمير قواعد الاشتباك القديمة؟

تدخل ثقيل الوطأة

في خضم حرب تمتزج فيها الدوافع العقائدية والهوس الديني بالأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد سعيًا لتغيير شكل الشرق الأوسط كليًا والقضاء على أي فرصة مستقبلية لمقارعة إسرائيل، حتى وإن انهارت نظرية الأمن الخليجية وارتفعت التكاليف الاقتصادية والعسكرية على واشنطن وحلفائها إلى مستويات خرافية، فإن الاستقراء البسيط للسلوك الصهيوأمريكي يميل إلى مقاطعة مسار القضاء الدولي برمّته، إمعانًا في ازدراء العدالة واعترافًا مطلقًا بلغة القوة الغاشمة، و"إبادة" ما تبقى من قيم أدبية للنظام القانوني والأخلاقي.

تبيّن أن تلك التوقعات سطحية تمامًا، والحقيقة أن تل أبيب تحاول جاهدة تبرئة نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت وإلغاء مذكرة اعتقالهما بالمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية، إلى حد تقديم ثلاثة طعون رُفض آخرها منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي وبعدها بثلاثة أيام أعلنت واشنطن فرض عقوبات على قاضيين بالغرفة الابتدائية بالمحكمة بتهمة "استهداف إسرائيل بشكل غير مشروع".

لو كانت المعركة القانونية عدمية بحق لما رأينا فريقًا كاملًا يساند العدو الآن في لاهاي

ثم وبالتزامن مع الأحداث في فنزويلا ثم إيران حشدت إسرائيل القوة الأمريكية القانونية لتكوين معسكر صغير مناصر لها في دعوى الإبادة الجماعية، بعدما زاد عدد الدول الداعمة للحق الفلسطيني إلى 16 من كل قارات العالم: ليبيا، المكسيك، إسبانيا، تركيا، تشيلي، جزر المالديف، بوليفيا، أيرلندا، كوبا، جزر بليز، البرازيل، بلجيكا، هولندا، آيسلندا، ناميبيا، بالإضافة إلى فلسطين.

إن الإصرار الصهيوأمريكي على الانخراط في الإجراءات القانونية بالتوازي مع الضغوط السياسية والدعائية للإفلات من الإدانة والعقاب، لا يعود إلى إيمان مثالي بالمنظومة الدولية القائمة، ولا يعكس الهوس بالانتصار في كل محفل فحسب، بل يعبّر تمامًا عن جوهر أزمة هذه النسخة الرديئة من "الفاشية الدولية": شعورٌ عميق بالافتقار إلى المشروعية، وبأنها ستواجه لعقود تهديدات أخلاقية/ قانونية/ تاريخية ربما تسهم في تفجيرها من الداخل يومًا.

نظرة ضيقة الأفق

ومن نكد الدهر والعالم الذي يموج بنُذُر تغيير هائل -لا نعلم إن كان للأسوأ أم للأفضل- أن النخب في مصر والعالمين العربي والإسلامي ما زالت تنظر إلى المسارات الموازية لميدان العسكرية والسياسة، كالمعارك القانونية والإعلامية والثقافية، باعتبارها تحصيل حاصل أو مؤامرات غربية لا يُرجى منها إلّا تشتيت الجهود. فتتصاعد أصوات تلتمس الأعذار لغياب مصر وباقي العرب عن الانضمام لدعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، بحجج متنوعة مثل الاستهتار بأهميتها أو لقيام علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع الاحتلال.

تزعم المذكرة الأمريكية أن المحافل الدولية قد أُسيئ استخدامها ضد إسرائيل منذ 50 عامًا

فلو كانت المعركة القانونية عدمية بحق، لما رأينا فريقًا كاملًا يساند العدو الآن في لاهاي، ولما تحركت واشنطن وبرلين وعواصم أخرى لدعمه أمام "العدل الدولية" و"الجنائية الدولية" وهو في الواقع العملي وبمنطق سلام الردع غير مهدّد في الغد القريب، خاصة وأن الإجراءات قد تطول في المحكمتين، ومن غير المتوقع أن يصدر حكم في دعوى الإبادة الجماعية قبل نهاية عام 2027 بالنظر للسوابق، كما أن تفادي مذكرة الاعتقال في تحقيقات جرائم الحرب أمر سهل التحقيق بالنظر لما يتمتع به نتنياهو من حظوة في عواصم عالمية كبرى، ولا ننسى استقباله في بودابست ثم نيويورك العام الماضي.

ولو أن العلاقات الودية الرسمية تمنع التحرك القانوني لما كنا رأينا جنوب أفريقيا ذاتها ترفع الدعوى ولها مع إسرائيل علاقات اقتصادية جيدة، فضلًا عن انضمام دول لا غنى للاحتلال عنها مثل هولندا وبلجيكا، اللتين أحدث تدخلهما جدلًا داخليًا واسعًا.

لأن "إسرائيل" واحدة لا تكفي

لا تنتهي رسائل واشنطن أمام "العدل الدولية" هنا، إنما تعبر عن المسلك الذي تريد "الفاشية الدولية" تكريسه والإفلات به لتسهيل تكراره مستقبلًا على يد أذرعها في شتى بقاع الأرض، ونحن نرى ما يحدث في النزاع الأهلي بالسودان وما قد يلحق بإيران حال تطور الأحداث، والتهديدات المستمرة لدول أمريكا الوسطى والجنوبية.

تزعم المذكرة الأمريكية أن المحافل الدولية قد أُسيئ استخدامها ضد إسرائيل منذ خمسين عامًا، وأن مفهوم "الإبادة الجماعية" يجب أن يقتصر على توافر "القصد الخاص إلى التدمير كليًا أو جزئيًا"، وأنه لا ينبغي تفسير "الأفعال التي تقع أثناء النزاعات المسلحة كإبادة جماعية دون توافر القصد الخاص"، مطالبةً بضرورة اتباع "معيار صارم" غير قابل للتوسع لمنع "محاولة إساءة استخدام اتفاقية مكافحة الإبادة الجماعية لطرح نزاعات أخرى غير ذات صلة أمام المحكمة".

العجز العالمي إزاء ما حدث للشعب الفلسطيني زجّ بالقانون الدولي إلى نفق الإحراج والازدراء العام

هكذا يتمسك القطب الدولي الأوحد بشرعنة الإبادة بعبارات واضحة ترمي إلى تعميم الإفلات، ومنع تسلل حالات أخرى إلى ساحة القضاء الدولي، ومن وجهة نظرهم فإن ما يحدث في الحرب يجب أن يبقى في ميدان الحرب "فسقوط ضحايا مدنيين حتى وإن كان على نطاق واسع لا يُعد بالضرورة دليلًا على نية الإبادة الجماعية، خاصة إذا حدث في سياق نزاع مسلح يتضمن قتالًا في مناطق حضرية" وساقوا دفعًا آخر مثيرًا للشفقة بادعاء أن "اعتقال أسرى حرب من أفراد الجماعة المحمية والسماح بالإفراج عنهم أو تبادلهم قد يشكل دليل نفي لنية الإبادة"!

على موجة قريبة، حاولت المجر في مذكرتها تخويف المحكمة من "تلاشي الحد الفاصل بين القضاء والسياسة" وعارضت جُزر فيچي اعتماد المحكمة في قراراتها السابقة الصادرة بتدابير مؤقتة ضد إسرائيل على تقارير أممية، ودفعت بعدم دقتها وعدم تعبيرها عن شهود محايدين وموضوعيين، وذلك لقطع الطريق على أي آثار محتملة لتقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الصادر في سبتمبر/أيلول الماضي بثبوت أدلة ارتكاب إبادة جماعية في غزة من أكتوبر/تشرين أول 2023.

إن العجز العالمي إزاء ما حدث للشعب الفلسطيني على يد الآلة الصهيونية على مدى عامين ونصف العام زجّ بالقانون الدولي إلى نفق الإحراج والازدراء العام، وكشف ما يعتري المنظومة من عيوب هيكلية خطيرة تهدم سيادة الدول بمعنى تكافؤها واستقلال إراداتها وتمتع شعوبها بالحماية، وتحول دون تحقيق العدالة في أبسط صورها.

لكن هذا كله لا يعني الرضوخ للمساعي الصهيوأمريكية للتطبيع مع جرائم الحرب وضد الإنسانية، بل وإشاعة النموذج الإبادي ونشره بصورة أقرب إلى الفوضوية، كحل أمثل لتصفية النزاعات على ضوء أسطورة الردع التي تطورت من تنظيرات زعيم الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتنسكي إلى خطط نتنياهو التنفيذية. وهنا تتجاوز أهداف "الفاشية الدولية" قمع جيران إسرائيل وجعلها محورًا وحيدًا لتحريك المنطقة، إلى اصطناع "إسرائيلات" أخرى صغيرة شرقًا وغربًا لا تجيد إلّا التخريب والإبادة، كسبيلين وحيدين للهيمنة وامتصاص الثروات.

من هنا تكتسب القضية أمام "العدل الدولية" أهمية مضاعفة، ويصبح من حقنا أن نفهم لماذا لم تُنفذ مصر وعدها الذي قطعته في مايو/أيار 2024 بالتدخل في القضية؟ وهي خط الدفاع الأول عن القضية الفلسطينية، والوحيدة القادرة على صنع الفارق في المحافل الدولية، والشاهد الأول على عرقلة المساعدات وغلق الحدود والتغيير الديموغرافي بالقوة والتهجير القسري وإفساد جهود الوساطة وغيرها من الممارسات التي يحاول الفريق الصهيوأمريكي طمسها تمهيدًا للإبادة القادمة!

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.