كيف نظر عبدالرحمن الكواكبي إلى "برشامة"؟
تنويه: يحتوي هذا الريفيو حرقًا لبعض أحداث فيلم "برشامة" (2026)
طوال سنوات تعليمي المختلفة ساورتني شكوك وأسئلة حول الغش؛ هل له مبررٌ أخلاقي أم مادي-منفعي؟ وهل يمكن اعتباره استثناءً مفهومًا في سياقات معينة، أم أنه يظل، مهما تغيرت الظروف، فعلًا مرفوضًا وغير أخلاقي؟
جميعنا اختبر مشاعر الكراهية الدفينة تِجاه ذلك الطالب "الغِلس" الذي يرفض تغشيش زملائه في الفصل، والكراهية الصريحة تِجاه مراقب اللجنة الصارم، خصوصًا ذلك الذي يرتدي نظارة شمسية فلا تعلم أين تتجه نظراته ومن يرقب. ودائمًا ما كنت أسمع حديث "من غشنا فليس منّا" في كل امتحان، ودائمًا ما كان يرافقه توسل من أحد الموجودين في المكان، طالبًا كان أو مُدرسًا أو في كثير من الأحيان ولي أمرٍ قلق: ما تسيبوا العيال تنجح، أو "يساعدوا بعض".
والحقيقة أن جميع التساؤلات سقطت من برجها العاجي المُسوّر بالقواعد والأخلاق العليا، لتتجسد أمامي في منطق هزلي ساخر وأنا أشاهد فيلم برشامة للمخرج خالد دياب. هزلٌ أفقدَ تساؤلاتي أسطوريتها وهيبتها وكساها بلونٍ رمادي يشبه الواقع الذي نعيشه؛ فعِلمك بالصواب لا يعني بالضرورة أنك ستتبعه أو تتعاطف معه حين يكتسب الخطأ معنىً ولونًا إنسانيين.
طبائع الاستبداد
داخل عالم الفيلم، لا يتجلى الغش كقرارٍ فردي معزول يُجبر عليه البعض أو يُقرره أقواهم؛ بل كشبكة تفاعلات معقدة بين أشخاص تختلف دوافعهم وخلفياتهم إلا أنهم اتفقوا، بدرجة أو بأخرى، على أن هذا الامتحان لا يرتبط بالمعرفة قدر ارتباطه بالقدرة على تمشية الحال، أو "الفهلوة". والأهم أنهم وجدوا في صوت الضمير والأخلاق -بل والدين أيضًا في بعض اللحظات- نشازًا مزعجًا لا يُراعي صعوبة موقفهم وتكدر حياتهم التي -للمفارقة- لن يقوِّمها سوى النجاح في الامتحان عبر الغش!
الاستبداد يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل
يقول عبدالرحمن الكوَاكِبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد إن العيش في سياقات ضاغطة يُشوِّه الحقائق والبديهيات في الأذهان بل ويقلبها في أحيانٍ كثيرة؛ فيوصل الأفراد إلى درجة عدم التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والأهم أنه يغير نظرتهم للقواعد ذاتها فيصبح التحايل كياسة، والدناءة لطف، والشهامة عُتوًا. أو بلسانه؛ "الاستبداد يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق والتذلل، وإلى مراغمة الحس وإماتة النفس ونبذ الجد وترك العمل".
نستطيع أن نرى في لجنة امتحان اللغة العربية (منازل) التي تدور أحداث الفيلم فيها نموذجًا يُجسد ما طرحه الكواكبي؛ حيث تنوع الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية المختلفة داخل اللجنة توضح تغلغل هذا التشوه على كافة المستويات. فهناك عبد الحميد/هشام ماجد الرجل المتدين صاحب الـ92.5% الذي قرر إعادة الثانوية العامة ليلتحق بكلية الهندسة، وهناك فاتن/ريهام عبد الغفور الراقصة في ملهىً ليليٍّ وتسعى للحصول على وظيفة لائقة لكي لا تجلب العار لابنتها مستقبلًا.
كما تضم اللجنة حجاج/حاتم صلاح مسجل الخطر الذي التحق بالثانوية العامة ليهرب من السجن، وحليلة/مصطفى غريب، ابن العمدة الذي يعاني من تأخر عقلي لكن والده يريده أن ينجح كي يورثه العمودية.
ومن النساء نجد زينب/فاتن سعيد التي تريد إكمال تعليمها إلا أن أخيها يريد تزويجها غصبًا وجعلها تترك التعليم، معها إنعام/عارفة عبد الرسول المسنة التي سيزيد معاشها حوالي 700 جنيه مصري بحصولها على الثانوية العامة.
ليسوا أصحاب ضمير
مجموعة منتقاة من البشر تجتمع بغير اتفاق على أن الغِش وسيلتهم للحصول على حقوقهم العادلة؛ التي تتكشف على مدار الفيلم. وفي كل مرة تسكب فيها إحدى الشخصيات دوافعها في الاستقتال على الغش، كان الصمت يكسو عبد الحميد ويعجز عن الرد. وكأن هذا العجز يُفصح عن ألم، وربما تساؤل أعمق لا يدور حول القواعد الأخلاقية أو الدينية بقدر ما يتمحور حول السياق الذي يجعل هذه القواعد، على عدالتها، ظالمة.
من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل
إلا أن ذلك لا يعني اختفاء الفارق بين الصواب والخطأ في أذهان الأفراد؛ فنحن نلمح في الفيلم لحظات يعرف فيها الأبطال أنهم يرتكبون فعلًا غير أخلاقي أو "حرامًا"؛ إلا أنهم يستمرون في تبريره وفق إدراك يُقر بأن الله غفور رحيم لكن ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية ليست كذلك. محاولاتهم المستمرة لإقصاء الشخص الوحيد الذي يرفض معاونتهم عن طريق إسكاته عنوة دافعها أن وجوده يذكّرهم بما يحاولون تجاهله، ويعيد طرح السؤال الأخلاقي الذي يسعون لتجاوزه.
يعبّر الكواكبي عن ذلك بقوله "إن هؤلاء الأفراد ليسوا بأصحاب ضمير، بل كحيوانات مملوكة العنان تقاد حيث يراد لهم"، بل ويؤكد هذا الطرح في موضع آخر حين شدد على أن "أقوى ضابط للأخلاق هو النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ، أي بحرص الأفراد على حراسة نظام الاجتماع"، وقد أوضح أنه في هذا السياق لا تتأتى هذه القدرة للأفراد إلا على المستضعفين منهم.
يقول "من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل، ويسمى استبداد المرء على نفسه...ذلك أن الله خلقه يطلب منفعته جاعلًا رائده الوجدان فكفر واستحل المنفعة بأي وجهٍ كان، فلا يتعفف عن محظور صغير إلا توصلًا لمحرم كبير".
صوت الضمير الأعمى
من مفارقات الفيلم أن عبد الحميد الذي يُشكل صوت الحق والضمير والدين أيضًا إن صح التعبير، يتمسك بالقاعدة الأخلاقية-الدينية بشكل أعمى، يحول دون ملاحظة منطق الجماعة بما يسمح بالتفاعل والحوار معه بهدف معالجته، والأدهى أنه أعماه عن ملاحظة عوار قاعدته التي يستند إليها شخصيًا!
في بداية الفيلم، تتبول رضيعة -يتصادف أنها ابنة فاتن- على ملابس عبد الحميد، وعندما يصل إلى اللجنة ويطّلع على الامتحان يكتشف أن أسئلته تتنوع بين قرآن، وحديث، وسيرة، وهو ما جعله يفزع إذ أكد للمراقب أنه يحتاج للاغتسال كي يتمكن من حل الامتحان إذ أن عدم طهارته تمنعه عن قول أو كتابة نص مقدس كالقرآن.
وبغض النظر عن الخط الكوميدي الذي رُبما أنشأ صناع الفيلم هذه التفصيلة لأجله -إذ أن جزءًا كبيرًا من كوميديا الفيلم يدور حولها، يكشف هذا التشدد عن مفارقة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يبدو أن ما يتمسك به عبد الحميد هو القاعدة في صورتها الشرعية الدقيقة؛ فقهيًا، لا يُعد ما أصابه مانعًا من الإمساك بورقة الامتحان التي لا تُعامل في هذه الحالة معاملة المصحف، بل وحتى البول الذي أصاب ثيابه يُعد من الناحية الفقهية حدثًا أصغر لا يوجب الغُسل أساسًا ويُكتفى بتطهير الثياب بالماء وإعادة الوضوء!
وهنا، لا تصبح المشكلة في الالتزام ذاته أو في القاعدة، بل في طريقة فهمهما وتطبيقهما؛ حيث يتحول الحرص على القاعدة إلى غاية في حد ذاته؛ وكأن الفيلم، في هذه اللحظة، لا يكتفي بطرح سؤال حول القواعد ومدى ملاءمتها، بل يطرح سؤالًا موازيًا حول تضييقها؛ فكما يمكن للسياق أن يدفع البعض إلى تبرير الخطأ واستساغته، يمكن أيضًا لتصورات متشددة أن تدفع آخرين إلى تعطيل الممكن داخل منطق الصواب نفسه. أي أنه، في هذه الحالة، كلا طرفي المجتمع -المتمسك بالقاعدة والمتخلي عنها- أعمى: طرفٌ أعمى لا يرى تمامًا، وآخر من شدة رؤيته أصابه العمى!
ألفة الغش
في نهاية الفيلم، يكسر عبد الحميد قواعده بنفسه دون إكراه من حجاج أو إغراء أومحايلة، حين يقرر تبديل ورقته مع فاتن. وهو ما يشير إليه الكواكبي في قوله "أقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس هو أنه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار إجراء غي نفوسهم آمنين من كل تبعة".
انفتاح وتفهم عبد الحميد، هو خيار إنسان يخوض صراعًا بين القواعد التي يجب الالتزام بها والسياق الذي يدفعنا لمخالفتها
أعاد عبد الحميد ترتيب أولوياته داخل لحظة إنسانية اختلت فيها القيم العليا التي طالما تمسك بها ورأى فيها الواقع على رماديته وتعقيده.
والحقيقة أن اختياره لا يعكس بالضرورة تراجعًا أخلاقيًا؛ إذ أن انفتاح وتفهم عبد الحميد، هو خيار إنسان يخوض صراعًا بين القواعد التي يجب الالتزام بها والسياق الذي يدفعنا لمخالفتها في أحيانٍ كثيرة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن عبد الحميد خسر على مستويين في آنٍ واحد؛ إذ لم يعد قادرًا على الحفاظ على صرامته والتزامه الأخلاقي-الديني لأنه أدرك أن الواقع لا يتبع رؤيته الحدية للأمور، ولا استطاع في الوقت نفسه أن يسير وفق منطق الجماعة ويُطبع مع الغش ويقبله. أي أن اختياره يظل معلقًا بين نقيضين: مبدأ لم يعد يلتزم به، وفعل لا يستطيع تبنيه بالكامل. وربما لهذا اُختِير الخط الدرامي الذي يُبدل فيه ورقة فارغة بورقته، ما يعني أنه بالفعل قد رسب في الامتحان.
ربما لهذا لا يبدو "برشامة" فيلمًا عن الغش بقدر ما هو فيلم عن المسافة بين ما نُقِر أنه الصواب، وما نستطيع فعله في سياق الحياة الضاغطة بطبيعتها.
