تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
المخرج المصري نمير عبد المسيح

نمير عبد المسيح.. هُوِيَّة قيد الإنشاء

منشور الاثنين 25 أيار/مايو 2026

شاهدت فيلم الحياة بعد سهام (2025) للمرة اﻷولى في مهرجان الجونة السينمائي. لم أسمع عن المخرج نمير عبد المسيح من قبل، ولم أقرأ غير نبذة بسيطة عن الفيلم. باختصار، لم تكن توقعاتي عالية تجاه العمل. لا شيء يشي بأن دموعي ستنهمر في مشاهد كثيرة، ومن سوء حظي أنني لم أجلب معي مناديل ورقية كافية. لازمني طيف جدتي لأمي آمال طوال الفيلم حتى عودتي للقاهرة.

تمتزج حكاية المخرّج بتجربتي الشخصية؛ فكما كانت خالته عنايات صلة نمير الأولى بالحياة، كانت جدتي هي "أمي البديلة" وملهمتي التي ورثتُ عنها مَلَكَة الحكي وروحي التي لازمتني طوال الفيلم.

أعدت الفرجة على الفيلم تزامنًا مع عرضه تجاريًا، وتلتها رغبة ملحة في الدردشة مع نمير بشخصه؛ ﻷنه ذكرني بالأسباب التي أحببت السينما ﻷجلها، وﻷن اﻷسئلة حول العائلة والفقد ومَلَكَة الحكي لا تفارق عقلي.

صوت الحكاء

نمير عبد المسيح مع خالته عنايات

وجدتُ نمير تائهًا بجوار أسوار اﻷوبرا، حيث قررنا اللقاء في حديقتها، صافحته، وبدأنا حديثنا الجانبي حول تلقائية التيه داخل القاهرة والتغير السريع الذي طرأ على الشوارع والبيوت.

سألته: هل مقدر لأبناء الحكائين أن يرثوا حرفة رواية القصص؟ أم أن صوت الراوي يغمر نفوس اﻷطفال الذين يقضون سنواتهم اﻷولى في أحضان أمهات بديلة؟ 

يمثل الفراق خبرةً شعوريةً أوليةً في حياة نمير، فبعد ميلاده بشهر في فرنسا، أرسلته أمه إلى خالته عنايات في سوهاج لمدة عامين ونصف العام بسبب الضائقة المالية التي صَعَّبَت تربيته في فرنسا. وكان الحكي أول وسيلة تواصل بينه وبين أهله الغائبين، وكانت تأتي عنايات بصورة ﻷمه وتحكي له عنها حتى يألفها. 

تكررت خبرة الفراق ثانيةً قبل أن يتم عامه الثالث، حينما ظهرت أمه من العدم لاستعادته إلى موطنهم الفرنسي؛ "أمي معرفتهاش، لما جات خدتني قولت مين الست دي؟ ولما روحت عندهم -مش المفروض أقول عندهم ﻷنه أصبح بيتي بس هو عندهم- كنت بفتح الباب وأقولهم إني راجع البيت في الصعيد. اضطريت أتعلم من اﻷول إنه دول أبويا وأمي". 

احتاج نمير بعض الوقت ليتأقلم مع أهله الجدد ومدينته الباردة، وإن ظل فراقه عن أمه وأبيه في سنواته الأولى مسيطرًا عليه؛ "بعد ما توفت أمي حسيت بإحساس غريب جدًا. حسيته مرة وأنا بتمشى في الشارع، إحساس بالفراق مش جديد عليا، وده اللي خلاني أفتكر كل اللي حصل مع عنايات وأنا صغير".

يزعم نمير وجود علاج للذاكرة في شريط كاميرته، إلا أنها في الأصل وسيلة تواصله مع العالم

 اﻷلم منبع من منابع الحكي، فبدون صدمات الطفولة واﻷحداث الصعبة تصبح الحياة أشبه بخطٍ مسطحٍ خالٍ من المعنى؛ من هنا، نما داخل نمير الدافع لفهم ماضيه، وتحويل الحكايات المؤلمة قصصًا تشكل هويته وتحقق له الشعور بالرضا عن ذاته. هذا ما يتماشى مع فرضية دان ب. ماك آدامز في كتابه "القصص التي نعيش بها: الأساطير الشخصية وتكوين الذات"، وهو عمل رائد في مجال علم النفس السردي/Narrative Psychology، بافتراضه أن الهوية ليست مجموعةً ثابتةً من السمات، بل هي "قصة ديناميكية متطورة" نبنيها لتوفير الوحدة والغرض لحياتنا.

لعبة قص ولزق

يصنع كل حكاء أسطورته الخاصة لتجيب على أهم سؤال يطرحه على نفسه: "من أنا؟"، منتقيًا وسيطه الفريد. قد تُخطئ التخمين حين تعتقد أن وسيط نمير عبد المسيح هو الكاميرا وحدها، إذ إنه ابتكر لعبة تشبه قص اﻷوراق الملونة ولصقها بأخرى.

لم يستسلم لألم الفقد وجعل نفسه صلصالًا تشكله التجربة على هواها، وأخذ منها خيطًا وغزله في قصة ديناميكية عبر ثلاثية تسجيلية. افتتحها بفيلم قصير "أنت يا وجيه"، تلاها أول مشاريعه التسجيلية الطويلة العذراء واﻷقباط وأنا (2011)، وأخيرًا "الحياة بعد سهام"، الذي يُمثل ذروة التجريب والتمرد على الأنواع السينمائية.

لقطة من فيلم العذراء والأقباط وأنا من إخراج نمير عبد المسيح (2011)

في فيلمه الأخير تعترض اﻷم على مبدأ التصوير، ولن تفهم حدة رفضها إلا من مشاهدة الفيلم اﻷسبق الذي يعرض فيه جوهر الصدام بينهما وأسبابه.

سهام من أسرة مزارعين بسطاء لم يسمح لهم القدَر بالحصول على فرصة التعليم أو الترقي اجتماعيًا بسبل أخرى، وهو ما يُصيبها بالحرج ويمنعها من تقديم عائلتها الممتدة إلى العالم تجنبًا للسخرية أو التقليل من شأنهم بأي شكل. أما الابن فهو على النقيض، يفتخر بانتمائه إلى أسرة صعيدية، مؤمنًا أنه لا يوجد فرقٌ بينه وبينه أبناء خالته. ولولا أنه عاد لفرنسا، لربما عمل في الفلاحة بدلًا من صناعة اﻷفلام. 

أيضًا في فيلمه اﻷول يتمشى مع والده بأحد شوارع فرنسا بينما يحكي له الأخير تفاصيل اعتقاله في الستينيات زمن حكم عبد الناصر بسبب أفكاره الشيوعية؛ لحظات دخوله وتعذيبه، المشاعر؛ اﻷفكار المسيطرة عليه طوال سنوات السجن، واﻷهم؛ لحظة الخروج التي يعوضنا عنها لاحقًا مستعينًا بلحظة خروج "طارق" وتمشيته على كوبري قصر النيل في فجر يوم جديد

أكثر ما يأسرني في نمير ويجذبني إلى عالمه هو صدق تجربته وحدسه الحكواتي الذي يتبعه دون اﻹفراط في التخطيط أو مساءلة ذاته؛ "هو الفيلم ده بيحكي عن إيه؟ طب أنا عايز أقول إيه؟". عمليته الفنية بسيطة جدًا، تبدأ حين يُسيطر عليه شعور ما، يلتقط كاميرته ويبدأ التصوير متخطيًا تحضيرات لا أول لها من آخر.

في فيلم "العذراء والأقباط وأنا" لم يكتفِ بنقل الواقع بل جعلنا نراقب عملية صناعة الفيلم ذاتها

كاميرا نمير وسيلة تواصله مع العالم؛ "كنت بخجل أسأل وأتكلم من غير الكاميرا، كأنها هي حجتي عشان أسأل أسئلة كمخرج ما قدرش أسألها كابن".

حين يهفه الشوق والحنين الجارف إلى القاهرة، يبتكر قصة فيلم جديد لكي يجد سببًا يتذرع به للعودة ولقاء الناس. تشبه أفلامه دمى الماتريوشكا الروسية؛ دمية صغير داخل دمية أكبر فأكبر، جميعها في جوف دمية واحدة كبيرة، فيصنع فيلمًا حول رغبة صنع فيلم حول الموضوع الفلاني. خذ فيلمه اﻷول على سبيل المثال؛ يستحضر تسجيلات قديمة من طفولته لوجيه ويدعنا نرى التفاعل بينهما.

وفي فيلمه الثاني، يطلب من أسرته والجيران مساعدته في صنع فيلم عن ظهورات السيدة العذراء، وتنطلق رحلة تخطيط الفيلم معهم أمام الكاميرا بداية من توزيع اﻷدوار وتلقين الحوار مرورًا بعرض الفيلم عليهم في النهاية، وتتكرر الحيلة ذاتها في الفيلم الأخير؛ ما يجعل نمير عبد المسيح قادرًا على بناء ماتريوشكا سينمائية تُذيب الفواصل بين الواقع والخيال؛ لتأمل حرفة/فن الحكي من ناحية، وخلق مشاهد ساخرة من ناحية أخرى.

في فيلم "العذراء والأقباط وأنا"، لم يكتفِ بنقل الواقع، بل جعلنا نراقب عملية صناعة الفيلم ذاتها، وصولًا إلى التلصص بكاميرته على كل من شاركه التجربة أثناء فعل الفرجة، وكأنه يكسر قدسية المخرج ويجعل من عملية الحكي فعلًا تشاركيًا.

يتكرر هذا النمط أيضًا في "الحياة بعد سهام"؛ حين يصورنا داخل قاعة العرض؛ لنكتشف أننا لا نراقب حياة سهام فحسب، بل نراقب انعكاس ذواتنا وتفاعلنا مع الفقد والذاكرة. إنها سينما لا تكتفي بسرد القصة، بل تجعل من فعل المشاهدة بطلًا حقيقيًا.

القصص الموازية

لقصة الحب بين وجيه وسهام وجهان؛ اﻷول يعبر عنه طارق بطل "فجر يوم جديد"، شاب يخترق حياة بطلته وينقذها من التعاسة، فيعتقد وجيه أن سهام أقبلت على الانتحار حينما فُسخت خطبتهما ﻷنها تفضل الموت عن العيش بدونه، أما الوجه الآخر فيتجسد في فاطمة إحدى شخصيات فيلم عودة الابن الضال ليوسف شاهين، التي يستدعيها في عمله ويعرض لقطات لها وهي تنتظر عودة حبيبها الضال، وحين سئمت الانتظار وافقت على أول عريس تقدم لخطبتها.

شاركت نمير حيرتي وسألته: كيف تعيش، أو باﻷحرى تأقلمت مع وجود قصتين للحدث الواحد؟ وهل تميل لتصديق قصة عن أخرى؟

"الحيرة دي عارفها من زمان وعايش فيها طول حياتي بس دلوقتي بتضحكني لما بفتكرها. مثلًا لما كنت طفل ودخلت المدرسة حصل مشهد مش هنساه، اتكلموا عن حرب 73 وقالولنا إن إسرائيل كسبت الحرب. بس لما روحت وحكيت ﻷهلي، أبويا انفعل جدًا وحكالي إن مصر هي اللي كسبت". 

لقطة من فيلم "أنت يا وجيه" من إخراج نمير عبد المسيح (2005)

وجد الفتى ابن السبع سنوات نفسه أمام حكايتين عن الحقيقة؛ النسخة الفرنسية التي ترويها المدرسة، والنسخة المصرية التي تبصم اﻷسرة بالعشرة على صدقها.

لحسن حظه، لم يُجبر على تبني حكاية من الحكايتين، لكن صدمة الارتباك التي أصابته ساهمت في تشكيل هويته. لكي نحيا علينا أن نقبل الارتباك كجزء من الحياة. هناك أشياء لن نعرفها أبدًا، ولن نفهمها تمامًا.

علينا أن نقبل الارتباك على مستوى ما، ليس الارتباك الكامل، لكن كميات صغيرة منه. وإن حاصرك الفضول نحو التأكد من حقيقة مطلقة، عليك أن تستجوب الفضول المحرك وتتبع إحساسك وترصد ردة فعل جسدك. وأخيرًا، عليك أن تقرر ماذا تريد أن تفعل بذلك الإحساس؛ "بابا توفى وأنا مش موجود في أوضته. سألت نفسي إذا عانى أثناء وفاته، تقدري تقولي عذبت نفسي بالتخيل ده. كنت شبه متأكد أنه تألم في رحيله، لحد ما صديقتي سألتني أنت ليه عايز تختار تصدق النسخة دي؟".

كأنه توجد نسختان من وفاة وجيه؛ النسخة التي غفا فيها قليلًا ثم للأبد، والنسخة التي اختنق فيها حتى الموت. وفي تطبيق نظرية نمير على نفسه، أدرك أن اختياره لتصديق النسخة اﻷخيرة يشبك خيط الذنب بين معصمي الابن وأبيه، وبالتالي استحالة توديعه.

فيلم "الحياة بعد سهام" نتاج فيلمين سابقين له وصدرت عنه نسختان بالفعل

لماذا يحمل وجيه وسهام قصصًا مختلفة عن الحدث الواحد؟ لا يتعلق اﻷمر بصدق الحكاية، إنما بالمعنى الذي تمثله بالنسبة لنا. توجد مئات النسخ من الحقيقة، لكن النسخة التي اختارت سهام أن تحكيها لابنها تتعلق بنمير نفسه والحكمة التي أرادت تمريرها إليه من خلالها. لذا قد تتغير السردية، بل الحكاية بأكملها، بتغير المتلقي.

تذكرت أن فيلم "الحياة بعد سهام" نتاج فيلمين سابقين له وصدرت عنه نسختان بالفعل؛ النسخة اﻷولى التي شاهدتها في الجونة تُروى بالفرنسية، والثانية التي شاهدتها في عماد الدين بالقاهرة تُروى بالعربية. سألته عن السبب وإذا كانت اللغة هي عنصر الاختلاف الوحيد.

"لما عرضت الفيلم بنسخته الفرنسية في مصر حسيت وسط الجمهور أن الناس بتبذل مجهود عشان يقربوا من لغته الأجنبية، حسيت بضرورة وجود نسخة عربية عشان الناس تـ connect مع الفيلم. غير أني حبيت أجرب أحكي بالعربي عشان ده فيلم له علاقة بأبويا وأمي وله علاقة بمصر، بفرنسا ومصر، الفيلم ده كأني برجع أبويا وأمي لمصر. كان لازم أتكلم لغتهم".

مصر هي أمي وفرنسا تبقى خالتي

تمتاز النسخة اﻷولى من فيلم نمير بشاعرية اللغة الفرنسية ورهافتها، لكنني منحازة شعوريًا وجغرافيًا إلى النسخة العربية، باﻹضافة إلى تقديري لأي ابن يحاول التواصل مع والديه.

تطغى اللغة الفرنسية في فيلمه اﻷولى "أنت، يا وجيه"؛ يطرح نمير أسئلته بالفرنسية ويجيبه وجيه في الكثير من اﻷحيان بالعامية المصرية.

الفيلم في المجمل هو تكريم لمسيرة وجيه اﻹنسانية كما يوثق حفل خروجه على المعاش ومحطات التحول في حياته. فهو شاب مصري تمسك بأفكاره الشيوعية في ستينيات القرن الماضي ودفع ثمن ذلك خمس سنوات من عمره بين سجن الفيوم والواحات وأبو زعبل، مرورًا بهروبه إلى فرنسا وبداية صفحة جديدة في حكايته "مانسحبتش من السياسة لكن وقفت النشاط السياسي، تخليت عن دوري في التنظيم وبصيت على أهدافي الشخصية وعلى كياني كفرد بعيد عن أي إطار تنظيمي".  

يعود نمير إلى مصر بعد انقطاع خمسة عشر عامًا لكي يصور معجزة ظهور السيدة العذراء

أُفرج عن وجيه في 28 أبريل/نيسان 1964 بالظبط. وبالرغم من تعطل حياته لحوالي 7 سنوات، فإنه لا يزال ناصري الميول. يسأله نمير: هل تشعر أن بيتك في فرنسا؟ يؤكد له وجيه أنه وجد مكانه وقدر يسخر لنفسه حياة بفرنسا، لكنه لا يشعر أنه فرنسي.

نعم، يعيش مثل أي مواطن فرنسي، لكنه ليس فرنسيًا. يلح عليه نمير ويغمره بالأسئلة: تحب تعيش في مصر ولا فرنسا؟؛ "نص نص. أفضل أبقى بين هنا وبين مصر. أعيش بين الاتنين. نص نص". وحين يجبر على الاختيار، "أفضل من كل قلبي أعيش في مصر لكن ما قدرش. مصر جوايا. بفكر فيها كل يوم بس ما قدرش أعيش فيها".

يعود نمير إلى مصر بعد انقطاع 15 عامًا لكي يصور معجزة ظهور السيدة العذراء، يبدأ عند كنيسة الزيتون ويدور على كنائس القاهرة ثم مولد العدرا بأسيوط وينتهي به المطاف في قريته بسوهاج. لم تراوده رغبة الحكي بالعربي لا في الفيلم اﻷول ولا في الثاني، اكتفى بتصوير المناطق والمحافظات وعرض حواراته العربية مع الناس؛ "وجدت شيئًا ما شاعريًا، سياسيًا، مؤلمًا وقاسيًا في الفرجة على مصر ما قبل ثورة يناير. تغيرت معالم البلد تمامًا لدرجة أنني نسيت كيف كانت تبدو من قبل". 

رنت في أذني جملة نمير حين قال "نفسي الحياة تبقى فيلم ونقدر نعيدها مرة تانية". يباغتني شعور قوي بالخوف من الفراق، حين تختفي البيوت فجأة، تُهدم العمارات والمقامات، تُمحى محطات الترام ويُعاد توصيلها بمسارات مختلفة. كأنه العالم الذي عرفناه يمحى، ويبُنى عالم جديد لا نعلم موقعنا فيه من اﻹعراب، أو إن كان لنا موقع من اﻷساس. ماذا أفعل بالحب الذي أكنه لبيتي، لمدينتي، حين تختفي؟