تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
لاعب كرة قدم

ما وراء ترشيد الأهداف في الدوري المصري

منشور الجمعة 3 نيسان/أبريل 2026

عندما نقرأ أرقام المهاجمين في الدوريات الأجنبية، خصوصًا عدد الأهداف، ثم نقارنها بنظرائهم في الدوري المصري، سنقف أمام هوة كبيرة وكأننا نمارس لعبة مختلفة.

لا لاعب سجل 200 هدف في الدوري المصري، ثم إن من نسميهم أعضاء نادي المائة، أي من سجلوا مائة هدف، تسعة لا غير، بل إن من سجلوا أكثر من 75 هدفًا لا يزيدون عن ثلاثين لاعبًا في تاريخ الدوري منذ انطلاقه عام 1948، ونحن هنا لا نتحدث عن السجل التهديفي لنادٍ واحدٍ، بل مسيرة اللاعب في مختلف الأندية التي لعب لها.

حسنٌ! قد يبدو التفسير الأقرب هو ضعف كفاءة مهاجمينا، وهذا حقيقي لكنه لا يفسّر وحده هذا الوضع، فهناك عوامل أخرى وإن اختلفت بتعاقب الزمن، وهو ما نحاول تتبعه الآن منذ عام 1948، لنجيب عن السؤال: لماذا هذا الهزال في أرقام مهاجمينا عبر التاريخ؟

مرت مسابقة الدوري المصري بمراحل، يمكن اعتبار المرحلة الأولى من انطلاقها 1948-1949، حتى موسم 1961-1962. لماذا هذا الموسم تحديدًا؟ ستجيب عنه السطور التالية، المهم الآن أننا نتحدث عن عقد الخمسينيات مع موسم واحد في نهاية الأربعينيات، وموسمين من بداية الستينيات، أي أن الحديث هنا منصبٌّ على الخمسينيات.

كان الاعتناء بإحراز الأهداف أضعاف الاهتمام بإيقافها

في هذا العقد، كان معدل التهديف في العالم كله كبيرًا لدرجة غير مسبوقة ولا ملحوقة، ومصر لم تكن استثناءً، حتى كأس العالم كانت معدلات التهديف في نسختي 1954 و1958 الأعلى بما لا يقاس، وغزارة التهديف في ذلك العقد لها أسباب يطول الكلام عنها، لكننا نقول إجمالًا إن العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية أقبل على كرة القدم بهوس كبير، خصوصًا فيما يتعلق بإحراز الأهداف، وهو ما أثّر على كل شيء في اللعبة.

كان الاعتناء بإحراز الأهداف أضعاف الاهتمام بإيقافها. لم تكن هناك تعقيدات تكتيكية تكافئ الاهتمام بالمهارات المباشرة كالمراوغة والتسديد وما إلى ذلك، فكَثُر تسجيل الأهداف حتى تشبَّع الجمهور في ذلك العقد، ومن ثمَّ في فترات لاحقة بدأ الاهتمام بطرق اللعب المختلفة فتراجعت المعدلات.

ما حدث في مصر

ما يهمنا الآن هو الدوري المصري الذي شهد في الخمسينيات معدلات تهديف عالية للغاية، شأنه شأن العالم كله، حتى إننا كنا نتجاوز معدل 3 أهداف في المباراة الواحدة، وهو معدل ضخم جدًا يفوق معدل الدوري الإنجليزي نفسه حاليًا. ولو كان هذا المعدل يحدث الآن لوصلت أهداف الموسم الواحد لألف هدف. إذًا معدل التهديف في المسابقة ككل كان كبيرًا للغاية، فلماذا لم نعرف هدافين حققوا أرقامًا توازي هذا المعدل؟

لاعب الزمالك علاء الحامولي، 1959

عندما نراجع قوائم هدافي تلك المرحلة، سنجد مهاجمين أفذاذًا منهم على سبيل المثال لا الحصر علاء الحامولي، شريف الفار، الديبة، عصام بهيج، منص، روس، عبد النبي بيومي، حميدتو، عبد القادر قورة، عبد الكريم صقر، أحمد مكاوي، عبد الخير صالح، صلاح أبو جريشة، فتحي نافع، بيضو، يوسف أبو العلا، وغيرهم.

كل منهم كان مهاجما كبيرًا، غير أن وصوله لرقم إجمالي مرتفع كان مستبعدًا لأسباب كثيرة، أهمها محدودية المسابقة نفسها، وهو ما جعلنا نضم الموسمين الأولين من الستينيات، حيث احتفظ الدوري بحجمه الضئيل قبل التوسع في موسم 1962-1963.

خلال هذه الفترة أقيمت 13 نسخة من البطولة (بما في ذلك النسخة الملغاة)، في 9 نسخ من النسخ الـ13 تلك، كانت المسابقة عشرة أندية فقط، أي أن كل نادٍ يخوض فقط 18 مباراة في الموسم كله، وهو أقل من نصف المباريات التي خاضها كل ناد في موسم 2014-2015 مثلًا.

ليت الأمر توقف عند قلة عدد مباريات الموسم، بل كانت اللوائح والقوانين والنظام تعوق اللاعبين كذلك، مثلًا لم يكن مسموحًا بإجراء أي تبديلات أثناء المباراة، فكان الفريق يبدأ اللقاء بـ11 لاعبًا، هم من سيكملون، وإذا أصيب أحدهم يكمل الفريق بعشرة لاعبين، لا يمكن نزول لاعب احتياطي تحت أي ظرف.

بالتالي، لم يكن ممكنًا أن تشرك كل لاعبيك في المباريات، ولو لبعض الوقت، أو شوط كامل مثلًا، وهو ما قلل نسبة مشاركة كل لاعب، ولا ننسى أنها أصلًا قليلة حتى لو شارك في كل المباريات.

يمكننا الحديث كذلك عن علاقة اللاعب بناديه، فلا احتراف ولا عقود ولا إعارات ولا بيع عقود أو شراؤها (بما أنه لا عقود من الأساس) بالتالي لا النادي يريد أن يترك اللاعب، ولا اللاعب يريد الرحيل، ولو أراد، فإلى أين يذهب؟ البطولة كلها عشرة أندية تعاني اكتظاظ لاعبين لا يشاركون.

من ثم، كان ظهور اللاعب يتأخر نسبيًا، ويلعب مواسم قليلة ليجد أنه كبر في السن وعليه الاعتزال، حيث كان من تجاوز الثلاثين سنة يعتبر لاعبًا عجوزًا، وإذا أضفنا لذلك التخلف من الناحية الطبية، ما يعني كثرة الإصابات، أو الاعتزال مبكرًا، أمكننا معرفة أن اللاعب عبر مسيرته لا يمكنه خوض عدد من المباريات يساعده في تحقيق عدد إجمالي مناسب من الأهداف، المعدل كان كبيرًا، المحصول هو المحدود.   

معجزة الضظوي

كل هذه العوامل وأكثر تجعل وصول السيد الضظوي إلى 127 هدفًا إعجازًا لا أدري كيف حدث، وهو الوحيد من تلك الحقبة الذي دخل نادي المائة.

غير الضظوي نجد حمدي عبد الفتاح، سجل 92 هدفًا في 8 مواسم، الديبة 81 هدفًا تقريبًا في عشرة مواسم، توتو 79 هدفًا، الزمخشري تجاوز الستين هدفًا، وعلاء الحامولي اقترب منه (مع ملاحظة أن هذه الأرقام تقريبية نتيجة الخلاف على بضعة أهداف أعلى أو أقل لغياب التوثيق الرسمي) بل إن من حققوا أربعين هدفًا فما فوق تعتبر أرقامهم أكثر من جيدة، ولدينا هنا مثلًا أحمد مكاوي وشريف الفار.

عمومًا، بحلول موسم 1962-1963، بدأنا حقبة جديدة، فيها فرص أكبر، ومعوقات أكبر. ربما إن أسعفنا العمر نتناولها في مقالات لاحقة.