تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
دونالد ترامب متورطًا في حرب إيران

ترامب في المصيدة.. لماذا لا نغيّر النظام الإيراني بخرائط جوجل؟

ثلاثون يومًا تفضح وهم النجاح السريع.. وتكشف تناقض الأهداف وتجاهل مقدّرات الخليج

منشور الأربعاء 1 نيسان/أبريل 2026

هل يلجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سيناريو خليج المكسيك لتغيير النظام الإيراني؟

لا أمزح. ألم يعتبر منذ أيام أنه انتصر بمجرد استخدام google maps مصطلح "خليج أمريكا"؟ فلماذا لا يفاجئُ العالمَ بإعلان سقوط "الجمهورية الإسلامية" عبر تروث سوشيال، وبالتالي تغيير الاسم الرسمي للدولة على خرائط جوجل، ليؤكد انتصاره في الحرب الحالية؟ ماذا يمنعه من تغيير اسم مضيق هرمز إلى مضيق ترامب كما ألمح سلفًا، ليكرس "استعادة السيطرة عليه" على حد وصف وزير خزانته مؤخرًا؟ وهل يتطور الأمر إلى إعلان قيام نظام جديد لا يعرف عنه العالم شيئًا بينما ما زال القادة الحاليون يصرحون ويصدرون البيانات ويناورون؟

أسئلة تبدو هزليّة لكنها تليق بالمشهد الفوضوي الذي يجيد ترامب صناعته بوعي كامل؛ أحيانًا للتغطية على ارتباك إدارته داخليًا، وأحيانًا في إطار بحثه "الممنهج" عن رد فعل معين من الخصم يمكن اقتناصه فرصةً محتملةً وتسويقه مكسبًا، لا سيما وأنه أشار في بيانه صباح الاثنين الماضي إلى تعامله مع نظامين في إيران؛ جديد وقديم، في أطروحة غرائبية تجعلنا لا نستبعد لجوءه إلى أي سيناريو دعائي للتظاهر بالخروج منتصرًا من المستنقع، كما تفتح الباب أمام احتمالات تدخل أمريكي بري بحجة دعم "النظام الجديد"، مما سيزيد فوضوية الحرب، ويورّط المنطقة في مزيدٍ من الخراب.

خلال الأسبوع الماضي كرر ترامب أن لا أحد يريد أن قيادة النظام الإيراني، وصرح في الوقت ذاته بأنه يتفاوض مع النظام للتوصل إلى صفقة لإنهاء حرب يجب ألَّا ننسى أنها اندلعت جراء عدوان صهيو-أمريكي غير شرعي، قبل أن تتسع لتشمل دولًا أخرى بالمنطقة نتيجة الرد الإيراني باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية والخليجية فضلًا عن ضرب العمق الإسرائيلي.

لا أحد يعلم حتى الآن إلى أي شيء يستند ترامب في رسائله المختلطة غير رغبته في إنعاش الأسواق وتحقيق مصالح الشركات العملاقة.

هو يدعي معرفته بما يجري داخل الغرف المغلقة في طهران؛ "نسمعهم جيدًا وهم يرفضون قيادة النظام"، ثم يتحدث عما يجري في مضيق هرمز على ضوء ما تنشره وسائل إعلام إيرانية. لا يبدو مطلعًا بما يكفي على تقارير رفيعة أو معمقة حول حربه هو. وعندما قرر السماع علنًا إلى مبعوثه ستيف ويتكوف أمام حكومته لم يستفد الرأي العام الدولي شيئًا أكثر من إضفاء صبغة رسمية على معلومات سبق تسريبها عن المفاوضات غير المباشرة، ثم بشّر بوقف إطلاق النار "قريبًا جدًا" في نفس لحظة التهديد بالاستيلاء على جزيرة خرج!

أزمة لا يمكن إخفاؤها

الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي يناقشان ما يسمى بخطة ترامب للسلام، 29 سبتمبر 2025

بينما يضرب العالم أخماسًا في أسداس لمحاولة تفسير التناقضات الترامبية، نشر أكسيوس الأسبوع الماضي تقريرًا عن "خناقة هاتفية" بين جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بسبب تقديرات الأخير المتفائلة للغاية بشأن إسقاط النظام الإيراني، وأنه باع فكرة الحرب لترامب بأكثر مما ينبغي من التساهل. ثم نشر مكتب فانس نفيًا لتلك الرواية.

لكن النفي لا ينال من جوهرية المشكلة التي باتت واضحة للجميع، سواء صارح بها فانس الحليفين نتنياهو وترامب، أم "فضفض" بها مع بعض المقربين منه، مثلما تحدث لاحقًا عن "تحييد النظام الإيراني" وليس "إسقاطه أو تغييره"؛ ما يتماشى بالفعل مع التغير الذي طرأ على تصريحات ترامب لاحقًا، بما يؤكد ابتعاد أحلام الإسقاط الفعلي للنظام واقترابها من حومة الوهم خلال أول شهر من حربٍ لا يدري أحد كيف سيُكتب فصلها الختامي.

يحمل هذا التغيير علامة استفهام أولية عمّا إذا كان إسقاط النظام الإيراني هدفًا ممكنًا أو معقولًا من الأساس، سواء بالنسبة لأمريكا أو إسرائيل أو دول الخليج العربي، ثم سؤالًا آخرَ عن طبيعة وحجم المعلومات التي شيد عليها ترامب تحركاته، بعد التحريض المستمر من نتنياهو الذي تحدث قبل ثلاثين عامًا في كتابه مكان بين الأمم عن ضرورة انهيار إيران كما سقط الاتحاد السوفيتي، وألّا يقتصر الرد على الوقف أو الاحتواء.

أربعة عقود بين موسكو وطهران

يبدو أن ترامب -ومستشاريه الذين أدمنوا إسماعه ما يرضيه فقط- فاتهم أن واشنطن لم تسعَ بشكل أساسي إلى إسقاط النظام السوفيتي بشكل مباشر، لكنها بالمواجهة الأيديولوجية والعقوبات والتلويح بالحشد العسكري، والأهم بالغزو الثقافي لدول شرق أوروبا، وضعت نظام موسكو على أول طريق الانهيار، وتوالت الأحداث عاصفةً بتداعي المؤثرات الشعبية خاصة في الجمهوريات السوفيتية الكبرى.

يكشف السلوك الأمريكي جهلًا واضحًا بطبيعة الداخل الإيراني والاكتفاء بقشور المتابعات وتعظيم تأثير المظاهرات الشعبية المناهضة للنظام

في كتابه "خسارة اللعبة الطويلة: الوعد الكاذب بتغيير النظام في الشرق الأوسط" الصادر عام 2020؛ يجادل الدبلوماسي والخبير الأمريكي المتخصص فيليب جوردون، الذي عمل من قبل مع إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، بأن ترامب وهو يتعاطى مع الملف الإيراني تسيطر عليه فكرةٌ خاطئةٌ عن سياسة الرئيس الأسبق رونالد ريجان تجاه الاتحاد السوفيتي، ويتجاهل أنه انخرط في مسار دبلوماسي مكثف للحد من التسلح، ويتناسى حرصه الشديد على التفاوض مع قادة موسكو حتى بعد حادث إسقاط الطائرة الكورية في سبتمبر/أيلول 1983 وتولي قسطنطين تشيرننكو رئاسة الاتحاد في فبراير/شباط 1984 الذي كانت تصنفه واشنطن "متطرفًا وغير قابل للحوار".

يرى جوردون أن "أمريكا لم تتحكم مطلقًا في توقيت سقوط الاتحاد السوفيتي، وأن الاعتقاد بأن استمرار الضغط على خصوم أمريكا بالعقوبات سيؤدي إلى تغيير الأنظمة قريبًا هو بناء للسياسة على الأمل وليس التجربة".

وصول الخميني إلى إيران في 1 فبراير 1979

وهي خلاصة تصلح تمامًا للإسقاط على الحرب الحالية، بل ويدعمها احتفاظ النظام الإيراني بهياكله الرسمية والعسكرية المختلفة، والقدرة الواضحة على بلورة موقف سياسي متماسك في قنوات التواصل عبر الوسطاء، إلى جانب إدارة حملات إعلامية ودبلوماسية فعّالة، فضلًا عن المقارعة العسكرية المستمرة، وذلك كله رغم تصفية العشرات من قادة الصفوف الأربعة الأولى.

يكشف السلوك الأمريكي أيضًا جهلًا واضحًا بطبيعة الداخل الإيراني، والاكتفاء بقشور المتابعات وتعظيم تأثير المظاهرات الشعبية المناهضة للنظام، دون التأمل في نتائج الانقلاب العسكري المدعوم من واشنطن ولندن على رئيس حكومة إيران محمد مصدق عام 1953 وما خلّفه من عداء شعبي طويل للولايات المتحدة تضاعف مئات المرات بعد الثورة الإسلامية، وأن أجيالًا كاملةً من الإيرانيين لا تعرف بديلًا عن نظام آيات الله، الذي يحتفظ بمؤسسات قوية وأجهزة أمنية نافذة أثبتت قدرتها على تقليل آثار أي تمرد داخلي وإضعاف المعارضة في الداخل، وبقاء معارضي الخارج على هامش الهامش منفصلين عن الشواغل الحقيقية للشعب ومثيرين للسخرية.

تهديدات جديدة للخليج

أما الاعتبار الآخر الذي لم يلتفت إليه الحليفان فيتعلق بالخليج العربي، الطرف الأكثر تضررًا من التصعيد الراهن الذي سيسدد أكبر الفواتير وأصيب في مقتل أمنه القومي القائم على استضافة القواعد العسكرية والقوات الأمريكية والاستفادة المشتركة من النفط والغاز. إذ إن تغيير النظام الإيراني لا يخلو من خطورة داهمة على ثلاثة مستويات وجميعها ستؤدي في مرحلة ما إلى خسائر أمريكية:

أولها إنشاء نظام ديمقراطي مدني بالقرب من ممالك وإمارات الخليج هو تحول غير مريح ولن يكون محل ترحيب قياسًا بتجربة الربيع العربي. ويتلخص المستوى الثاني من الخطر فيما قد يصيب تلك الدول من اضطرابات أمنية داخلية وتوسيع استهداف مصالحها على أراضيها وخارجها حال إسقاط النظام بالقوة، فضلًا عن استهداف المصالح الأمريكية والغربية بها.

خيار دول الخليج الأمثل بقاء أمريكا في هذه المصيدة حتى تقلّم أظافر النظام دون سقوطه

في المستوى الثالث قد يترتب على التغيير المتسرع أو الفوضوي للنظام انشقاقات عسكرية كبرى وانفجارات من الداخل لا يمكن مقارنتها بتبعات سقوط نظام صدام حسين الذي كان متآكلًا بالفعل بعد سنوات من الحصار والإفقار، وسوف تتساقط الشظايا بالتأكيد في دول الخليج على صورة استهدافات صاروخية وأعمال عسكرية ربما تفوق كل ما حدث حتى الآن.

بالتالي فإن اندفاع بعض العواصم الخليجية نحو إسقاط النظام الإيراني لا يمثل في ميزان المكاسب والخسائر أكثر من مغامرة غير محسوبة العواقب، أو محاولة لبعثرة أوراق المنطقة سعيًا لرسم خرائط تحالفات جديدة في سبيل الإعداد لمواجهات قادمة. ليصبح خيارهم الأمثل بقاء أمريكا في هذه المصيدة حتى تقلّم أظافر النظام دون سقوطه.

حرب لا تبوح بنهايتها

يقول الشريف الرضي: وما هذه الأيامُ إلّأ مصائد :: وأشراكُ مكروهٍ لنا وغَرور

والأيام الثلاثون الماضية كانت كافيةً لإثبات عجز البيت الأبيض عن تحقيق أول أهداف عملية الغضب الملحمي وافتقاره أكثر من أي وقت مضى للرؤية المستقلة خلف سيطرة شبه مطلقة من نتنياهو الذي يصعب تصوّر أنه كان على نفس مستوى ترامب من الجهل بما يتمتع به نظام طهران من مناعة ذاتية.

حاول نتنياهو خلال السنوات الثلاث الماضية تأليب الشعب الإيراني في خطابات المتكررة أثناء الإبادة في غزة، وبتنفيذ عمليات نوعية في قلب إيران ثم تمزيق أوصال محورها بالمنطقة، وأخيرًا في حرب الاثني عشر يومًا الصيف الماضي، وربما أصيب بخيبة أمل بسبب استمرار تماسك النظام وعدم ظهور انقسامات تسهّل التركيع النهائي.

بيد أن الفارق الأساسي بين أهداف الحليفين يتمثل في أن نتنياهو -كان وما زال- لا يعبأ كثيرًا بهوية المرشد والرئيس والوزير وبالضجيج الذي يثيره ترامب، بل يأمل فيما هو أكبر وأهم من تغيير النظام؛ القضاء على أي تهديد مستقبلي بإعادة إيران إلى الخلف عقودًا طويلةً باستهداف مقوماتها العسكرية والعلمية، ثم وضعها في نطاق الاستباحة التامة المناسبة تمامًا للقوة الجوية لجيش الاحتلال، والعمليات المدمجة بين الموساد والشاباك.

في ظل قائمة لا تنتهي من المحاذير والاعتبارات المتعلقة بمستقبل الطاقة العالمي وتكاليف الحرب والتربص الصيني الأوروبي؛ يبدو ترامب أمام خيارين ثالثهما الهزيمة. الأول: استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى ودخول مرحلة الغزو البري ذات الأبعاد الكارثية، والثاني: إعلان انتصار شكلي على طريقة الانتصار في معركة خليج المكسيك على خرائط جوجل، لينال تصفيقَ أنصاره وسخريةً تاريخيةً يستحقها بجدارة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.