اللعب بأسعار النفط ليس في صالح ترامب
بات واضحًا في الأيام الأخيرة الارتباط المباشر بين أسعار النفط العالمية ومصير الحرب الأمريكية على النظام الإيراني. يكفي للتدليل على ذلكَ النزولُ السريع لسعر خام برنت يوم الاثنين الماضي بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن عدم استهداف منشآت الطاقة الإيرانية بفضل محادثات إيجابية مع الجانب الإيراني، ثم صعودها مجددًا الثلاثاء بعد أن أنكرت إيران وجود هذه المفاوضات.
بعيدًا عن هذه التذبذبات اليومية، الثابت أن ثمة أضرارًا كبيرة لحقت بمنشآت الطاقة جراء هذه الحرب، ناهيك عن تعطل مسارات التجارة في النفط، التي لا نعلم متى سينتهي، فقد تبين من الأسابيع الماضية أن مضيق هرمز بات خارج سيطرة أكبر قوة عسكرية في العالم.
بإحصاء مبدئي لمحصلة الحرب، تبدو الولايات المتحدة الخاسر الأكبر، خاصة أمام خصومها التقليديين، روسيا والصين.
آثار طويلة المدى حتى 2027
اعتبر المدير التنفيذي لمنظمة الطاقة العالمية، فاتح بيرول، الأزمة الحالية أسوأ مما شهده العالم في سبعينيات القرن الماضي عندما فرضت الدول المصدرة للنفط حظرًا على منتجاتها أثناء حرب أكتوبر 1973.
حتى دون انتقال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى مرحلة التدمير واسع النطاق لمنشآت إنتاج وتصدير النفط في الخليج العربي فإن الأضرار التي لحقت بالفعل بتلك المنشآت ستتطلب نحو 4 أشهر ليعاود الإنتاج مستوياته السابقة على الحرب حسب تقدير الإيكونوميست.
التوقعات المتشائمة للمدى الطويل تظهر بوضوح في تحليل لمؤسسة جولدمان ساكس، الذي شملت أحد سيناريوهاته حدوث قفزات في سعر خام برنت هذا العام قبل أن يستقر عند 115 دولارًا بنهاية 2026.
في ظل حرب غير معروف مداها في الأجل القريب، ولها آثار مؤكدة ممتدة في الأجل البعيد، تجمع التحليلات الراهنة على أننا مقبولون على فترة من غلاء أسعار الطاقة عالميًا، ولذلك أثر مباشر على الولايات المتحدة، وعلى شعبية رئيسها دونالد ترامب الذي يواجه سخطًا داخليًا بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
اللجوء لبوتين في أوقات الأزمات
كما هو معروف، ساهمت الحرب في تعطل حركة صادرات الطاقة، خاصة من دول الخليج، ولا نعرف متى ستعود تجارة النفط والغاز لمعدلاتها الطبيعية، على الجانب الآخر كلما طال مدى الحرب كلما صار ترامب أكثر اضطرارًا لتخفيف القيود على صادرات الطاقة الروسية.
في نهاية المطاف ستزداد اعتمادية المزيد من الاقتصادات على النفط والغاز الروسيين في السنوات القليلة المقبلة
وتعود العقوبات على روسيا إلى غزو أوكرانيا في عام 2022، عندما فرض الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع الكبار، التي تشمل الولايات المتحدة، عقوبات لاستنزاف روسيا اقتصاديًا، تشمل فرض سقف على أسعار النفط الذي تصدره للعالم، لكن خلال هذا الشهر اضطر ترامب لتخفيف هذه العقوبات لزيادة المعروض من الطاقة عالميًا والحد من ارتفاع سعر الخام.
لذا من المرجح في حال استمرار انقطاع إمدادات النفط من الخليج العربي إعادة دمج روسيا في اقتصاد الطاقة العالمي، وربما توسيع نفاذها إلى أسواق جديدة في آسيا.
بالطبع سيستغرق الأمر بعض الوقت لإرساء البنية الأساسية للتصدير، خصوصًا فيما يتعلق بالغاز الطبيعي، لكن في نهاية المطاف ستزداد اعتمادية المزيد من الاقتصادات على النفط والغاز الروسيين في السنوات القليلة المقبلة، من باب تعويض النقص في المعروض من الشرق الأوسط.
سيكون لذلك تداعيات سياسية واضحة، أبرزها إفشال محاولات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي محاصرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقتصاديًا من أجل الضغط عليه في حرب أوكرانيا.
ربما من أكثر المواقف دلالة على سير هذه الحرب ضد ترامب هو أنه قبل اندلاعها ببضعة أشهر كان يضغط بكل قوته على الهند لكي تحد من استيراد النفط الروسي، بينما خلال الشهر الحالي وصل سعر الخام الروسي في الهند إلى مستوى قياسي بسبب الطلب الكثيف عليه.
الصين وموقعها من هذا الصراع
فيما يتعلق بمستوردي الطاقة من الخليج العربي، بات معلومًا أن الجزء الأكبر من الصادرات تتجه شرقًا إلى جنوب وشرق آسيا ما يجعل الاقتصادات الأكثر كثافة في استخدام الطاقة - لا سيما التصديرية - مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان وكذلك الهند الأكثر خسارة، سواء من ارتفاع أسعار الطاقة أو من تعسر الإمدادات من الخليج.
هكذا يبدو من السطح أن ترامب سدد صفعة لخصمه الصيني الذي منذ بدأ ولايته الثانية وهو يتبع كل السبل الممكنة لتقويضه اقتصاديًا، لكن علينا أن نتأنى قليلًا قبل الوقوع في هذا الاستنتاج الساذج.
صحيح أن الصين ضمن الاقتصادات الأكثر استيرادًا للنفط الخليجي، لكن علينا أن ننظر بحرص لمكونات مزيج الطاقة الصيني، فإجمالي البترول والغاز المستورد لديهم لا يزيد عن 20%، وذلك لعدة أسباب منها اعتماد الصين الكثيف على الفحم الذي تتمتع بوفرة منه نظرًا لإنتاجه محليًا، فقد مثّل 54% من إنتاج الكهرباء في 2025، كما تراهن الصين بقوة على الطاقة المتجددة، التي مثّلت نحو 25% من إجمالي مزيج الطاقة في 2023.
تدحض هذه الأرقام حقيقة أن يكون الهدف الأمريكي الخفي من إخراج الخليج عن الخدمة هو حرمان الصين من البترول الرخيص، بل إن ما فعله ترامب هو أنه سدد ضربة لحلفائه، فنصيب النفط والغاز المستورد من مزيج الطاقة في اليابان وكوريا على التوالي يصل إلى 81% و87%.
على المدى المتوسط والبعيد ستكون الصين الرابح الأكبر من تحول عالمي إلى مصادر الطاقة البديلة، ليس فقط من أجل تعويض النقص في المعروض، لكن لتقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة في ضوء الاضطرابات المستمرة.
منذ بدء تطبيق العقوبات على صادرات النقط الروسي بات واضحًا أن إمدادات الطاقة التقليدية لم تعد مضمونة، وهو ما استفادت منه الصين بقوة بفضل ما حققته من طفرة مهولة في تطوير التكنولوجيا الخضراء، سواء فيما يتعلق بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، أو التوسع الكبير في قطاع النقل الكهربائي، فهي تسيطر على نحو 80% من صناعة ألواح الطاقة الشمسية، و70% من بطاريات السيارات الكهربائية.
بجانب إنتاجها للتكنولوجيا، فإن الصين تهيمن على الكثير من الصناعات المرتبطة بهذا المجال ما سيجعلها مصدرًا رئيسيًا في تعميمها، سواء من خلال تصدير المنتجات والتكنولوجيا أو من خلال البنية الأساسية اللازمة لهما، ويكفي أن نعلم أنه في 2025 جنت الصين من تصدير تكنولوجيا الطاقة المتجددة أكثر مما جنته الولايات المتحدة من تصدير الوقود الأحفوري.
الخلاصة أننا بصدد تحول كبير على مستوى هيكل الاقتصاد العالمي، والنظام الحاكم له، بما ينذر بتهيئة الظروف لتحول كبير على مستوى تكنولوجيات الطاقة واستخداماتها، والأرجح أن خروج الخليج العربي من الخدمة - ولو لأشهر - سيكون اللحظة الفارقة لتحولات على المدى الأبعد.
أمام تحولات الطاقة الكبرى تلك، يبدو ترامب وكأنه دخل في حرب غير محسوبة، ليس فقط على المستوى العسكري، ولكن الاقتصادي أيضًا.

