التوازن في زمن الاختلال
ردًا على "أسطورة التوازن الاستراتيجي الإيراني"
في مقاله "عن أسطورة التوازن الاستراتيجي الإيراني"، المنشور في جريدة الشروق بتاريخ 7 مارس/آذار 2026، ينطلق الدكتور أحمد عبد ربه من حجة تبدو متماسكة للوهلة الأولى: لا مجال للحديث عن توازن استراتيجي بين إيران وإسرائيل ما دامت إسرائيل تحتفظ بتفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي واضح، وما دام الطرف الإيراني لم ينجح عبر العقود الماضية في فرض معادلة ردع مباشرة تضع حدًا لحرية الحركة الإسرائيلية.
موضع الخلاف هنا لا يتعلق فقط بتقييم الدور الإيراني، بل بطبيعة السؤال، وبالإطار النظري الذي صيغ من خلاله. فالمشكلة في هذا النوع من الجدل أنه يفترض، منذ البداية، أن التوازن الاستراتيجي يتطلب تكافؤًا واسعًا في عناصر القوة الشاملة، ثم يبني على هذا الافتراض استنتاجه النهائي: بما أن إيران ليست ندًا لإسرائيل، فلا معنى للحديث عن أي توازن.
توازن لا تكافؤ
هذا هو موضع الاعتراض. فالجدل العربي الراهن حول إيران وإسرائيل يخلط أحيانًا بين مفهومين مختلفين: التكافؤ الاستراتيجي والتوازن الاستراتيجي. فالأول يعني تقاربًا شديدًا في القدرات العسكرية الشاملة بين طرفين متواجهين.
أما التوازن فهو مفهوم أوسع بكثير، ويشير إلى وضع لا يستطيع فيه طرفٌ، مهما بلغ تفوقه، أن يفرض إرادته بالكامل على الطرف الآخر دون تكلفة مرتفعة، أو دون مواجهة بقيود ردعية تمنع الحسم النهائي والمستقر. ومن هنا اختزال المسألة، كما يفعل دكتور عبد ربه، في سؤال: هل إيران مساوية لإسرائيل في القوة؟ لأنه ينقل النقاش من تحليل شروط الصراع الفعلية إلى مقارنة عددية مضللة.
تفوق أمريكا عسكريًا على فيتنام وأفغانستان كان ساحقًا لكنها عجزت عن ترجمته إلى سيطرة سياسية مستقرة
وبالخلط بين المفهومين يدور النقاش العربي داخل ثنائية مضللة: فمن جهة قراءة احتفالية ترى في إيران مركز توازن استراتيجي جاهزًا في مواجهة إسرائيل، بل وربما التعبير الأخير عن إرادة إقليمية قادرة على الردع. ومن الجهة المقابلة قراءة تنزع أي معنى استراتيجي عن دورها كله بحجة التفوق الإسرائيلي الساحق عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا، وهي القراءة التي يستقر عندها مقال دكتور عبد ربه.
غير أن القراءتين، رغم تعارضهما الظاهر، تنطلقان من الخطأ النظري نفسه: اختزال معنى التوازن الاستراتيجي في التكافؤ المباشر في القوة.
تاريخيًا، لا يرتبط الردع دائمًا بالمساواة الكاملة، إذ نشأت أوضاعٌ من التوازن النسبي في ظل اختلال واضح في ميزان القوى، حين امتلك الطرف الأضعف أدوات كافية لرفع التكلفة، أو لتوسيع الجبهات، أو لتعقيد قدرة الطرف الأقوى على تحويل تفوقه إلى سيطرة مستقرة ونهائية. ومن هنا يصبح الأدق القول إننا لا نواجه تكافؤًا استراتيجيًا بين إيران وإسرائيل، بل أحد أشكال التعطيل أو الإرباك الاستراتيجي. أي قدرة طرف أضعف على إبطاء استراتيجية خصمه.
مثال ذلك؛ تفوق أمريكا عسكريًا على فيتنام وأفغانستان كان ساحقًا، لكنها عجزت في الحالتين عن ترجمته إلى سيطرة سياسية مستقرة. ويزخر التاريخ بحالات أخرى مشابهة، من الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي، إلى حزب الله في حرب 2006، إلى كوبا في مواجهة الضغوط الأمريكية الممتدة. ففي كل هذه الحالات لم يكن الطرف الأضعف ندًا عسكريًا كاملًا لخصمه، لكنه استطاع في ظروف معينة أن يفرض حدودًا عملية على قوة أكبر منه، لا لأنه عادلها في الميزان العسكري، بل لأن القوة في السياسة الدولية لا تعمل كحساب رياضي بسيط.
فاتورة باهظة للعدوان
هنا بالتحديد يظهر معنى الردع غير المتماثل، الذي يعتمد في جانب أساسي منه على إنتاج التكلفة المرتفعة. أي أن يصبح استخدام هذا التفوق مكلفًا إلى درجة تفرض على الخصم حدودًا عملية، حتى مع تفوقه. هنا تصبح القوة مساوية للقدرة على تحمّل الاستنزاف السياسي والاقتصادي والأمني الذي تخلّفه الحرب.
وهو ما يمكن رصده في حرب غزة، فقد بلغ إجمالي الإنفاق الإسرائيلي المرتبط بالحرب على غزة وتوسيع المواجهات مع حزب الله خلال عام 2024 نحو 28 مليار دولار، بما أسهم في ارتفاع عجز الموازنة إلى 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما قدّرت وزارة المالية الإسرائيلية الأضرار الاقتصادية بنحو 3 مليارات دولار أسبوعيًا. أما الولايات المتحدة، فتكشف المؤشرات أن تكلفة الحرب على إيران تتجاوز مليار دولار يوميًا.
في المقابل، تعتمد إيران على أدوات هجومية أقل تكلفة نسبيًا. فتُقدَّر تكلفة المسيّرات من طراز شاهد بما بين 20 و50 ألف دولار للوحدة، فيما تبلغ تكلفة الصاروخ الباليستي الذي تطلقه، في المتوسط، نحو مليون دولار. أما تكلفة اعتراضه فتصل إلى 2 إلى 3 ملايين دولار على الأقل.
وتشير التقديرات الحالية أيضًا إلى مخزون ضخم من المسيرات والصواريخ البالستية لدى إيران، فضلًا عن قدرتها على التصنيع. تبقى هذه كلها تقديرات لا حسابات نهائية، كما أنها لا تشمل الخسائر المادية والاقتصادية الأوسع، التي يُرجَّح أن تكون أشد وطأة على إيران نفسها.
كما توجد مؤشرات قوية على نجاح إيران في إصابة بعض حلقات الإنذار والدفاع والبنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها الجهدان الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. فقد ثبت حتى الآن تدمير رادار أمريكي رئيسي في الأردن، وهو عنصر مهم في شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكية، إلى جانب أضرار مؤكدة لحقت بمراكز بيانات تابعة لأمازون في الإمارات والبحرين. ما أدى بطبيعة الحال إلى رفع تكلفة الدفاع وإرباك العمليات الأمريكية-الإسرائيلية.
إسرائيل رغم تفوقها الكاسح لم تستطع حتى الآن أن تخضع الشرق الأوسط بالكامل لإرادتها
وهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم المسألة ما لم توضع داخل تصور أوسع لطبيعة الدولة والهيمنة في الإقليم. ولكي نستطيع التعامل مع واقعنا المركب ينبغي الخروج من الرؤية الضيقة التي تتعامل مع الدولة كما لو كانت وحدة مستقلة تتحرك داخل فراغ جيوستراتيجي محايد. فالدولة ليست كيانًا بسيطًا قائمًا خارج علاقات القوة، بل هي تكثيف مادي لعلاقات اجتماعية وسياسية داخلية وخارجية.
وفي هذا المنظور، تظهر إسرائيل دولةً تحتل موقعًا متقدمًا داخل بنية هيمنة أوسع تقودها الولايات المتحدة والغرب، يمنحها هامشًا استثنائيًا من الحماية الدبلوماسية والقانونية والأخلاقية، فضلًا عن حرية حركة عسكرية واسعة وتفوق تكنولوجي نوعي. ولذلك فإن أي حديث عن ميزان قوى محض بين دولتين متجاورتين يصبح حديثًا مضللًا. ويغدو اختزال المسألة في مدى تكافؤ إيران مع إسرائيل مخلًا، فلسنا بصدد دولتين عاديتين داخل ميزان قوى إقليمي متكافئ الشروط، بل أمام طرف مدعوم عضويًا من مركز إمبريالي، وطرف آخر يتحرك من موقع أدنى داخل بنية إقليمية ودولية شديدة الاختلال.
من الطبيعي، في مثل هذه الحالة، ألا يسعى الطرف الأضعف إلى معادلة خصمه في كل عناصر القوة الشاملة، لأن ذلك مستحيل عمليًا. بل الأرجح أن يعمد إلى بناء أدوات اشتباك غير متماثلة: توسيع مسارح الصراع، وبناء شبكات الحلفاء، واستخدام الوكلاء، وتطوير القدرات الصاروخية، وخلق بيئة أمنية معقدة تحرم الخصم من التمتع بتفوقه كما لو كان تفوقًا صافيًا وخاليًا من التكلفة.
الشماعة الإيرانية
لا يعني ذلك تمجيد إيران أو تبرئة سياساتها. فإيران ليست دولةً تحرريةً، ولا تحمل مشروعًا تقدميًا بالمعنى السياسي للكلمة، بل هي دولة سلطوية ذات تركيب خاص، يتداخل فيه البعد الديني مع العسكرة السياسية وشبكات رأسمال شبه دولتي. وهي تعيد إنتاج نفسها عبر القمع الداخلي، والانضباط الأيديولوجي، وإدارة التوتر الخارجي في آن واحد. ولهذا فإن تدخلها الإقليمي لا يصدر عن مشروع تحرري بقدر ما يصدر عن منطق دولة تسعى إلى تحسين شروط بقائها، وتوسيع هوامش تفاوضها، وإدارة تهديداتها عبر بناء مجالات نفوذ خارجية.
إسرائيل رغم تفوقها الكاسح، لم تستطع حتى الآن إخضاع الشرق الأوسط بالكامل لإرادتها. فالبيئة الأمنية من حولها لا تزال قابلة للاشتعال، والجبهات لا تزال مفتوحة بدرجات متفاوتة، فيما تبقى القدرة على فرض حسم نهائي محدودة سياسيًا وعسكريًا وإقليميًا.
ورغم انتقال الصراع من حروب الظل إلى المواجهات المباشرة عام 2025، ورغم الخسائر الإيرانية، فإن نجاحها في اختراق القبة الحديدية وتوجيه ضربات مؤثرة في العمق الإسرائيلي كشف أن التفوق الإسرائيلي، مهما بلغ، لا يلغي إمكان الردع المقابل. وهذا لا يعني أن إيران انتصرت، ولا أن محور المقاومة صار بديلًا تاريخيًا. لكنه يعني أن بين الهيمنة الكاملة والهزيمة الكاملة مساحةً أوسع بكثير من الصراع غير المتكافئ، والردع المحدود، والتعطيل المتبادل.
الدول لا تنهار بهذه البساطة والصراعات التي تشهدها المنطقة ليست نتاج فاعل واحد
هنا تظهر مشكلة أخرى في كثير من السرديات العربية: تحويل هذا الاشتباك الإقليمي إلى تفسير وحيد لانهيارات داخلية أعمق وأقدم. فيأتي الحديث عن سوريا والعراق ولبنان واليمن بوصفها مجرد "ضحايا للمشروع الإيراني" تعبيرًا عن تبسيط آخر. فلا يمكن إنكار أن لإيران دورًا مهمًا، وفي حالات بعينها مدمرًا، في تعميق أنماط من العسكرة والانقسام والطائفية وازدواجية السلاح. لكن اختزال هذه الأزمات كلها في العامل الإيراني وحده لا يصمد أمام تحليل جاد.
العراق لم يصل إلى الحالة التي هو عليها نتيجة التدخل الإيراني وحده، بل لأن الاحتلال الأمريكي عام 2003 دمّر الدولة العراقية، وأعاد تركيب النظام السياسي على أسس طائفية ومؤسساتية شديدة الهشاشة، بما أتاح للميليشيات الطائفية ملء الفراغات التي خلّفها تفكيك الدولة.
وسوريا لم تتحول إلى هذا الخراب لأن إيران تدخلت فيها فقط، بل لأن أزمة عميقة في بنية الدولة والسلطة والمجتمع انفجرت أولًا في انتفاضة شعبية، ثم في ثورة مضادة، قبل أن تتحول إلى حرب مدوّلة شاركت فيها قوى إقليمية ودولية متعددة. ومن ثم فإن الاستشهاد بأعداد ضحايا المأساة السورية في سياق تحميل إيران وحدها مسؤولية هذا الانهيار يمثل مغالطة تحليلية واضحة، لأنه ينقل الكارثة من مستوى تفسيرها البنيوي المعقد إلى متغير واحد يُحمَّل وحده مسؤولية انهيار دولة كاملة.
واليمن، بدوره، ليس مجرد بلد ملحق بطهران كما توحي بعض القراءات، بل دولة تعيش أزمة بنيوية ممتدة
سبقت التدخلات الإقليمية كلها، قبل أن تتحول إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة. أما لبنان، فلم يبدأ استنزافه مع صعود حزب الله، بل يحمل في بنيته الطائفية والريعية عناصر أزمته منذ نشأته. بل إن من العوامل الرئيسية في إنهاك الدولة اللبنانية تاريخيًا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وهي اعتداءات سبقت نشأة حزب الله نفسه، بل وسبقت الثورة الإسلامية في إيران.
المقصود هنا نقد الميل إلى التحليل التبسيطي الذي يحاول تفسير انهيارات معقدة في دول كاملة عبر عامل واحد فقط. فالدول لا تنهار بهذه البساطة، والصراعات التي تشهدها المنطقة ليست نتاج فاعل واحد، بل نتيجة تداخل أزمات داخلية عميقة مع تدخلات إقليمية ودولية متعددة. والدولة والأزمة ليستا مجرد نتيجة لمؤامرة خارجية أو لتدخل طرف واحد، بل نتاج تركزات معقدة لعلاقات القوة، والطبقات، والتحالفات، والارتهانات الداخلية والخارجية.
إيران لم تصنع كل هذه الأزمات من الصفر، لكنها دخلت إلى فراغات وانكسارات وتصدعات قائمة، ثم أعادت استثمارها وتشكيلها بما يخدم مصالحها. وهي لم تكن عنصرًا عابرًا فيها أيضًا، بل تحولت في أكثر من ساحة إلى فاعل قادر على إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يخدم مصالحه الإقليمية الخاصة. وهذا فارق مهم، لأنه يسمح بالنقد من دون اختزال، ويفتح التحليل بدلًا من أن يغلقه داخل سردية جاهزة ومريحة.
البحث عن الدولة الوطنية
هنا لا يعود السؤال متعلقًا بإيران وحدها، بل بطبيعة الدولة العربية نفسها، وحدودها التاريخية، والشروط التي جعلتها قابلة لهذا القدر من الاختراق والتفكك.
أما الدعوة المتكررة إلى "بناء الدولة الوطنية العربية" بديلًا عن المحاور، وهي الخلاصة التي يلوّح بها دكتور عبد ربه، فهي تبدو صحيحة أخلاقيًا بقدر ما تبدو ناقصة تحليليًا. فمن يعارض وجود دول مستقرة، وجيوش وطنية محترفة، واقتصادات منتجة، ومجتمعات أقل تمزقًا؟ لكن السؤال الجدي لا يبدأ من التمنّي، بل من شروط الإمكان: من سيبني هذه الدولة؟ وبأي كتلة اجتماعية؟ وتحت أي شروط اقتصادية وسياسية؟ وكيف تُبنى السيادة داخل بنى من التبعية والريع والديون والاختراق الأمني والتحالفات الزبائنية والارتهان الخارجي؟
هنا تحديدًا تصبح بلاغة الحديث عن الدولة الوطنية غير كافية. فالمشكلة ليست فقط في هشاشة هذه الدول، بل في أن أشكال بنائها نفسها كانت، منذ البداية، مشبعة بالتبعية والريع والتمثيل الطائفي أو الزبائني، بما يجعل الحديث عن "استعادة الدولة" أكثر تعقيدًا من مجرد استدعاء نموذج مفقود.
يمكن بل ينبغي أن نرفض العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران من دون أن نمجّد الدولة الإيرانية
والدولة العربية التي تُستدعى هنا بوصفها البديل الناجي لم تكن، في كثير من الحالات، دولة مستقلة ومتجانسة جرى تخريبها فقط من الخارج، بل كانت هي نفسها موقعًا لإعادة إنتاج التبعية والقمع والاختلال. ولهذا فإن نقد إيران لا ينبغي أن يتحول إلى حنين سياسي لدولة وطنية متخيّلة، كما أن رفض منطق المحاور لا يكفي وحده لإنتاج مشروع سيادي بديل.
ما نحتاجه إذن ليس الدفاع عن أسطورة، ولا صناعة أسطورة مضادة، بل فهم طبيعة التوازن الممكن أصلًا داخل منطقة تتحرك في قلب بنية هيمنة إمبريالية، وتعيش دولها الوطنية أزمات عميقة في السيادة والتمثيل والقدرة المؤسسية، وتتنازعها قوى إقليمية تسعى إلى إدارة عجزها البنيوي بأدوات شديدة الكلفة والتناقض.
يمكن، بل ينبغي، أن نرفض العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران من دون أن نمجّد الدولة الإيرانية. ويمكن أيضًا أن ننتقد الطابع الطائفي المسلح والسلطوي لبعض سياسات طهران من دون أن نتبنى، في المقابل، قراءة عربية محافظة تختزل كل الصراعات في ثنائية مبسطة: دولة خيّرة في مواجهة ميليشيات شريرة. فالتقييم السياسي لطبيعة النظام الإيراني شيء، وتحليل موقعه في الصراع الإقليمي شيء آخر. وكون إيران لا تمثل مشروعًا تحرريًا لا ينفي أن وجودها في هذا الصراع يترك أثرًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله.
في النهاية، ليست القضية أن نمنح إيران شهادة حسن سير وسلوك تاريخية، ولا أن نعيد إنتاج خطاب محور المقاومة في نسخة أكاديمية. القضية أن نتحرر من اللغة التي تخلط بين الوصف والرغبة، وبين الإدانة الأخلاقية والتحليل الرصين. فالتوازن الاستراتيجي لا يساوي التكافؤ الاستراتيجي، وغياب التكافؤ لا يعني غياب كل أشكال الردع أو التعطيل أو المقاومة. كما أن نقد إيران لا يكتسب عمقًا حين يتحول إلى تبسيط يعفي البنية الإقليمية والدولية كلها من المساءلة.
إذا أردنا نقاشًا عربيًا أكثر جدية، فعلينا البداية من الاعتراف بأن الشرق الأوسط لا تحكمه معادلة بسيطة بين دول مستقلة ومتجاورة، بل بنية هيمنة متشابكة، ودول مأزومة، وكتل حاكمة تابعة أو منقسمة، وصراعات غير متكافئة بطبيعتها. داخل هذا الإطار فقط يصبح السؤال عن التوازن سؤالًا حقيقيًا، لا مجرد مقارنة عددية بين ترسانتين أو بين أعداد الضحايا على الجانبين. ويصبح الحديث عن البديل العربي الجدي مشروطًا، لا بالحنين البلاغي إلى الدولة الوطنية التي لم تكن، بل بتفكيك الشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تجعل هذه الدولة ممكنة أو مستحيلة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

