تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة
من غير المتوقع أن تكبح السياسات الحالية الديون

الانفجارات في إيران والديون في مصر.. الحرب تأتي بما لا يشتهي الرئيس

منشور الثلاثاء 17 آذار/مارس 2026

في خطاب حفل إفطار الأسرة المصرية، السبت الماضي، حذر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي من الاستمرار في دائرة تراكم الدين الخارجي التي بدأت قبل نحو عقد من الآن، معلقًا بقوله "ليس من المنطقي ولا من العدل أن نستمر في الاقتراض بالعملة الصعبة".

وبينما تعكس بيانات تقرير الحساب الختامي للموازنة العامة لعام 2024-2025، الذي نشرته وزارة المالية مؤخرًا، نجاح الحكومة في الحد من تفاقم الدين الخارجي لأجهزة الدولة، فإن التداعيات الوخيمة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على النظام الإيراني، منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، دفعت خبراء لتوقع عودة ارتفاعه في العام المالي الحالي، بالأخص حال اتساع نطاق الحرب واستمرارها لأمد طويل.

 

العودة إلى دائرة الاقتراض من جديد

تشير العديد من الدلائل إلى أن إطالة أمد الحرب ضد إيران، التي بدأت باغتيال المرشد الأعلى في 28 فبراير/شباط الماضي، تحمل تبعات ستضغط على الموازين الخارجية لمصر، ومن ثم ستدفع الحكومة لزيادة اقتراضها الخارجي من جديد. 

يعدد الخبير المصرفي الدكتور أحمد مجدي لـ المنصة التداعيات الاقتصادية للحرب، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، بجانب تضرر إيرادات قناة السويس وتعطل حركة السياحة الوافدة بسبب الاضطراب في المنطقة.

وعبَر سعر خام برنت في العقود المستقبلية حاجز الـ100 دولار للبرميل أكثر من مرة، بالرغم من وعود الرئيس الأمريكي بسرعة إنهاء الحرب، ويتجاوز ذلك السعر المتوقع للبترول في موازنة العام المالي الجاري بفارق كبير حيث قدرت الموازنة خام برنت بمتوسط 75 دولارًا في 2025-2026.

كما تقع إيرادات قناة السويس تحت ضغوط قوية مع إعلان خطوط ملاحية تعليق العبور من الممر الملاحي بسبب مخاطر الحرب، ما قد يعيدها مرة أخرى للترجع الكبير الذي شهدته خلال سنوات الحرب الإسرائيلية على غزة، من 8.7 مليار دولار في 2023-2024 إلى 3.6 مليار دولار في 2024-2025.

يرى مجدي أن ضغوط الحرب "قد تدفع بعض الاقتصادات، ومنها مصر، إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتعويض تراجع التدفقات الأجنبية".

تتفق مي قابيل، مسؤولة ملف الدين الخارجي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مع هذه التوقعات، "فمصر قد تضطر إلى تدبير موارد أكبر لتغطية احتياجاتها من الطاقة المستوردة. كما أن انخفاض قيمة الجنيه يرفع تلقائيًا فاتورة الواردات، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، حيث تقترب قيمة الواردات من ضعف الصادرات".

وخلال العام المالي 2024-2025 سجلت الواردات البترولية مستوىً قياسيًا عند نحو 19.4 مليار دولار، مع التوسع في الاعتماد على واردات الغاز المسال لسد الطلب المحلي.

ولا تنكر الحكومة تأثير الحرب الحالية على لجوئها للتوسع في الاستدانة، فوفق أحمد كجوك وزير المالية، شرعت الحكومة في مفاوضات مع مؤسسات دولية لتدبير تمويلات خارجية خلال الفترة المقبلة في حال الاحتياج إليها بسبب الحرب، وهو ما تعلق عليه مي قابيل لـ المنصة بأن "مثل هذه التسهيلات قد تعني عمليًا معالجة أزمة الديون عبر اقتراض جديد". 

وشهد العقد الأخير ارتفاعًا متسارعًا في قيمة الدين الخارجي، من 55.7 مليار دولار في 2016 إلى 163.7 مليار دولار في 2025، ويلقى باللوم على الدولة في نمو هذه الديون باعتبارها المقترض الأكبر خارجيًا.

لا مفر من إصلاح الخلل الهيكلي

لا يجد الخبراء طريقًا للخروج من دائرة الاقتراض لحل مشاكل نقص النقد الأجنبي، التي دار فيها الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير، إلا من خلال حل مشكلات هيكلية في الاقتصاد.

في هذا السياق، تصف مي الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، أو ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"، بأنه أحد أبرز مظاهر هذه الهشاشة الحالية للاقتصاد، وهو ما يستلزم إعادة النظر فيه.

ويصل متوسط عمر محفظة الديون الحكومية الممولة من أسواق المال 2.9 سنة في 2025، وهو أقصر من مستواه خلال السنوات الخمس السابقة، ما يعكس سيطرة الديون قصيرة الأجل.

وعكست الصراعات الأخيرة مخاطر الديون قصيرة الأجل مع خروج أكثر من خمسة مليارات دولار في أول أسبوع للحرب من سوق أدوات الدين، لكن السماح بخفض سعر صرف الدولار ساعد على جذب استثمارات جديدة لهذه السوق وإن كان على حساب ضغوط تضخمية سيعكسها سعر الدولار الجديد، فوق 52 جنيهًا، على الاقتصاد بأكمله.

أمام تذبذب أداء الاقتصاد، تشدد إيمان محب، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية البحرية للعلوم والتكنولوجيا، لـ المنصة على أنه "من دون قاعدة إنتاجية تتسم بالكفاءة لن نتمكن من رفع معدلات النمو وحصيلة النقد الأجنبي بشكل مستدام كما أن خدمة الديون تستنزف جزءًا كبيرًا من الإيرادات".

قبل اندلاع الحرب على النظام الإيراني، بدا المشهد الاقتصادي في مصر مستقرًا مع ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي لمستويات غير مسبوقة عند 52.5 مليار دولار، وانخفاض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بدعم من صفقات استثنائية لبيع أراضٍ، على رأسها صفقة رأس الحكمة، لكن خبراء رأوا أن هذا الازدهار كان هشًا ما جعل الحرب الأخيرة تعيد الاقتصاد لدائرة المخاطر.

لا تعتبر إيمان "مبادلة الديون بالأصول استثمارًا، إلا إذا كانت تعمل على زيادة الإنتاج وخلق فرص عمل فعالة".

وترى أن "الحل ليس سهلًا ولكن يجب العمل على وضع استراتيجية لإدارة الإنتاج والتصدير بدلًا من الاقتراض، خاصة بعد الانتهاء من الاتفاق السابق مع صندوق النقد الدولي، على أن يكون هناك دعم فني على أعلى مستوى لبحث آليات سرعة تخارج الدولة من الكثير من الأنشطة وتفعيل دور القطاع الخاص كمحرك للنمو وخلق وظائف مرتفعة الانتاجية في ضوء ما يتطلبه العالم اليوم. وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بعض الأنشطة الحيوية".

تشدد الباحثة الاقتصادية أيضًا على ضرورة العمل على وضع حوافز للصناعات الصغيرة المنتجة لمنتجات تتسم بالكفاءة وتعمل في نطاق القطاع غير الرسمي حتى تندرج ضمن إجمالي الناتج المحلي. ومن الأهمية بمكان تفعيل بيئة أعمال مناسبة وتحرير الاستثمار لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.