تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
كانت حركة 6 أبريل كالدينامو قبل وبعد ثورة يناير

6 أبريل بعد 18 عامًا.. مراجعة هادئة لتجربة جيل كسر القواعد

منشور الاثنين 6 نيسان/أبريل 2026

بين الحلم بالتغيير وتعقيدات الواقع في ذكرى مرور 18 عامًا على تأسيس حركة 6 أبريل؛ نعود اليوم لقراءة تجربة جيلٍ اختار أن يخوض مغامرة التغيير خارج الأطر التقليدية، معتمدًا على أدوات بسيطة وإيمان كبير بإمكانية الفعل.

بين لحظة الميلاد ودعم إضراب المحلة، وذروة الحضور في يناير 2011، وما تلاها من اختبارات قاسية وتحولات معقدة، نحاول فهم ما جرى، وما يمكن استخلاصه من دروس، بعيدًا عن الرثاء أو التبرير، وبنظرة تتجه نحو المستقبل بقدر ما تتأمل الماضي.

ومع مرور الذكرى، تعود إلى الأذهان تلك اللحظة الفارقة من عمر الوطن، حين قررت مجموعة من الشباب كسر القواعد المتبعة في العمل السياسي التقليدي، فلم يكن خطابهم أو مبادرتهم قائمة على أيديولوجيا بعينها، كما لم يملكوا وقتها أي مقرات أو قدرة مالية أو تنظيم محكم، فقط كمبيوتر أو لابتوب واتصال متذبذب بالإنترنت، وإيمان مطلق بأن التغيير ممكن.

سفر التكوين والخروج

من حملة شباب 6 أبريل في جامعة القاهرة 2008                                                                                      

في 2008 كان العالم الافتراضي بالنسبة للمصريين مجرد موقع أزرق لطيف يسمى فيسبوك؛ لنشر الصور الشخصية والبحث عن أصدقاء الدراسة القدامى. لم يتخيل أحد أن هذا الفضاء الأزرق سيتحول إلى غرفة عمليات سياسية.

كنا وقتها نشبه جيل زد الحالي في شغفنا بالتكنولوجيا وبحثنا عن التميز، وقررنا خوض مغامرة: هل يمكن لهذا الموقع أن يكون بديلًا عن المنشورات الورقية المحفوفة بالمخاطر والاجتماعات السرية التي تلاحقها أعين المراقبة؟

الشرارة جاءت من خارج القاهرة، من القلعة العمالية في المحلة الكبرى. حين دعا عمال غزل المحلة لإضراب من أجل حقوقهم، وتضامنت حركة كفاية مع المطالب الاجتماعية وكذلك العديد من المجموعات التي تعمل على دعم المطالب الاجتماعية كحركة " تضامن" وغيرها من مجموعات، قررنا "تلقف" الفكرة. قلنا لأنفسنا "لنجرب، فلتكن دعوة للإضراب العام في كل مصر".

لم يكن هدفنا مجرد دعم العمال، بل تحويل المعاناة من الفساد وغلاء الأسعار إلى فعل إيجابي "سهل"، مثل شعار "خليك في البيت" كنوع من أنواع الاحتجاج، أو أي صورة من أشكال التضامن مع مطالب المحلة، أو شكل مبتكر للاعتراض الرمزي البسيط على الفساد والغلاء الذي كان يميز عهد مبارك، وهكذا ولدت حركة 6 أبريل.

تحولت بعد ذلك إلى "شبه تنظيم" أفقي بدون تعقيدات كثيرة، وانتشرت في العديد من الجامعات، عبر هيكل شبكي بسيط غير معقد، بعيدٍ عن البيروقراطية الحزبية، تتبنى خطابًا شبابيًا بسيطًا ومباشرًا، يخاطب أحلام الناس اليومية، ليثبت أنه مهما أغلقت السبل وأُمم المجال العام وحوصر أشخاص بعينهم، فقد تكون المفاجأة غير متوقعة تمامًا.

أتذكر وقتها سخرية بعض السياسيين المخضرمين من خطاب الشباب ووسائلهم غير التقليدية، فقيل "دول شوية عيال لاسعين"، وقيل أيضًا "مفيش حاجة اسمها ثورة بدعوة من فيسبوك". لكن لم نكتفِ بالعالم الافتراضي، بل نزلنا إلى الجامعات والشوارع، وكلما زاد القمع الأمني، كانت الصفوف تخضع لعملية "فلترة" طبيعية.

توالت المحطات، من إضراب 2008 إلى صدمة مقتل الشاب خالد سعيد في 2010، وصولًا إلى زخم عودة الدكتور محمد البرادعي، وتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وبدء حملات التوقيعات لتعديل الدستور واجراء انتخابات حرة ونزيهة، كل هذه الأحداث كانت روافد تصب في نهر واحد، حتى انفجر المشهد في 25 يناير 2011. كانت الحركة حينها وقبلها كالدينامو، تساهم في كسر حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة من الشعب.

عند افتراق الطريق

أحمد ماهر في سيارة الترحيلات في يوليو 2008 بعض القبض عليه على خلفية مظاهرات لحركة شباب 6 أبريل.

بعد تنحي مبارك، دخلت الحركة في اختبارات قاسية. المجال العام كان مفتوحًا لكن الخيارات كانت صعبة؛ وكانت التحالفات والانقسامات بين المجموعات السياسية تتشكل وتتبدل سربعًا، وساد الخطاب العاطفي بشكل رئيسي، وكل رأي أو قرار يقابله تشكيك أو تخوين.

اختارت 6 أبريل لعب دور "جماعة الضغط" وعدم التحول لحزب سياسي أو المشاركة في الانتخابات البرلمانية، اعتبرنا السياسة والاحزاب والبرلمان وقتها من أشكال الصراع المبكر على السلطة، وفضلنا البقاء في الشارع لمراقبة المسار الثوري، واعتقدنا أن ممارسة السياسة من خلال ضغط الشارع فقط ممكنة، دون باقي الوسائل التي اعتبرناها تقليدية أو أقل نقاءً، وهو موقف كلَّفنا الكثير من الهجوم والأذى من عدة أطراف، ليس فقط من قبل السلطة، بل أيضًا من بعض شركاء الميدان.

واليوم، ونحن نتأمل هذا المسار، لا يمكننا إغفال جيل زد الذي كان طفلًا يراقب شاشات التليفزيون قبل 15 عامًا، ليجد نفسه الآن شابًا في واقع أكثر انغلاقًا وضيقًا مما كان عليه الحال قبل 2011. يواجه هذا الجيل حالة من التعجب والارتباك؛ البعض وجه اللوم لجيلنا -جيل الثورة- محملًا إيانا مسؤولية المآلات الحالية، ومنهم من يطالب جيل يناير بـ"التنحي" وترك الساحة.

أحد بوسترات دعوة إضراب 6 أبريل                             

والحقيقة التي قد يتجاهلها البعض هي أن جيلنا تنحى إجباريًا، إذ توارى خلف القضبان أو في المنافي أو تحت وطأة التضييق أو الانزواء الاختياري أو فقدان الأمل، لا أحد يملك دورًا حقيقيًا في المشهد الحالي الذي صُبغ بلون واحد. إن العتب المتبادل قد يكون مفهومًا في لحظات الإحباط، لكن الدرس الأهم هو إدراك أن الانغلاق الحالي ليس نتيجة "فشل الثورة" بقدر ما هو نتاج شراسة الثورة المضادة التي استهدفت الجميع، كبارًا وصغارًا.

منذ سنوات، يلحّ سؤالٌ دائم في النقاش والمراجعات بين الأصدقاء؛ هل كان قرار رفض تأسيس حزب سياسي في ذروة الزخم السياسي وقت كانت الأعداد في الميدان لا حصر لها. خطأً تاريخيًا وإضاعة لفرصة لن تتكرر؟ وهل كان "التعفف" عن الانخراط في العملية السياسية الرسمية آنذاك انسحابًا مبكرًا من معركة كان يجب خوضها من الداخل؟

في المقابل، يتساءل البعض ساخرًا: وهل كانت هناك "فرصة" حقيقية في ظل مسارٍ كان يتجه سريعًا نحو الصدام؟ وهل أصبحت الأحزاب التي تشكلت وقتها أفضل حالًا اليوم، أم مجرد كيانات محجمة ومُلجمة لا تقوى على شيء؟

ربما لا نحتاج لرثاء الماضي بقدر ما نحتاج لفهمه، فالعشرات من أبناء تجربة "أبريل" المنتشرين اليوم في عدة أحزاب، ومنظمات حقوقية، وصحافة، ومبادرات أهلية، هم الدليل الأكبر على أن الحركة لم تكن مجرد "تنظيم" ظرفي بل "هوية مشتركة"، أو مدرسة تخرجت منها كوادر فعالة، يجمعها الإيمان بالعمل الإيجابي ورفض الظلم والاستبداد، وربما يكون الدرس أن السياسة تحتاج للنَفَس الطويل، وأن العمل الهادئ، ومساعي الحلول الوسط والممكنة، والمساحات الصغيرة، لا يقل أهمية عن ضغط الشارع وحشد الميدان في 2011 و2012، فكل منهما وجه لعملة واحدة.

وفي ذكرى التأسيس، لا ننظر للوراء لنبكي على الأطلال، بل لنستلهم من ذكريات البدايات قوةً لمواجهة تعقيدات الحاضر، وأتذكر مقولة اعتبرناها شعارًا في 2008، وهي أن (من حق جيلنا أن يجرب فإما أن ينجح أو يقدم تجربة تستفيد منها الأجيال القادمة)، ولذلك فإن التجربة الشبابية التي انطلقت مع نضال أهالي المحلة في 2008 لتضيء ميدان التحرير في 2011 لم تنتهِ، بل ما زالت حاضرة في وعي جيل يحاول رفض الاستسلام والهزيمة. واليوم نضع خلاصة هذه التجربة، بحلوها ومرها، أمام الأجيال الجديدة، والتي ربما يكون لها رأي مختلف، وتجارب تختلف تمامًا عن اخفاقات واختيارات الماضي. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.