في سؤال التنظيم| حيوية الحركات الشبابية وأزماتها البنيوية
في مطلع 2008، حضر أحمد ماهر، أحد أبرز وجوه مجموعة شباب من أجل التغيير، وإسراء عبد الفتاح عضوة حزب الغد، اجتماعًا في حزب التجمع ضم ممثلين عن عمال غزل المحلة، أعلنوا خلاله نيتهم الإضراب يوم 6 أبريل، وطالبوا القوى السياسية بالتضامن مع مطالبهم.
في لحظة تجريب، قرر ماهر -الذي اقترب من أيمن نور خلال انتخابات الرئاسة في 2005- وإسراء، استخدام تلك المنصة الجديدة المُسمَّاه فيسبوك لإنشاء مجموعة بسيطة لدعم عمال المحلة، أضافا إليها معارفهما من النشطاء. وسرعان ما اتسع النقاش داخل المجموعة، من التضامن مع عمال مصنع واحد إلى نقاش أوسع حول الأزمة الاقتصادية التي كانت تطحن قطاعات واسعة من المجتمع.
من هنا وُلدت فكرةُ الدعوة إلى إضرابٍ عامٍّ متزامنٍ مع إضراب العمال، وفُتِح الجروب للجمهور العام. كانت هذه محطةً فارقةً في مسار الاحتجاج، إذ استُخدم كلٌّ من فيسبوك والجرافيتي للمرة الأولى كأدوات للتعبئة.
الصدفة التي أنجبت 6 أبريل
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار حركة شباب 6 أبريل، إلى حدٍّ كبير، نتاجَ صدفة، أو فكرةً نشأت من استثمار لحظة عابرة، تمثَّلت في تجمع عدد كبير من الشباب المطالب بالتغيير داخل جروب على فيسبوك، منصة السوشيال ميديا الجديدة وقتها، استجابةً لدعوةٍ رعناء للإضراب العام.
لم تكن الدعوة منفصلة عن سياق سياسيٍّ واجتماعيٍّ أوسع؛ فأحدثت أثرًا مزدوجًا: جذبت أعدادًا كبيرةً من الشباب من مختلف المحافظات إلى السياسة للمرة الأولى، وأثارت حفيظةَ قوىً يساريةٍ وعماليةٍ رأت في الخطوة قفزًا على الحركة العمالية وتجاوزًا لمستوى مطالبها. فموجة الاحتجاجات العمالية بين 2006 و2008 كانت واسعة وغير مسبوقة، لكنها احتفظت بطابعها المطلبي المُجزّأ، ولم يتوحد العمال حتى حول مطلب الحد الأدنى للأجور، فضلًا عن تبنّي مطالبَ سياسيةٍ صريحةٍ.
حاول المعارضون توضيح أن الإضرابات العامة تُنظّمها اتحادات تضم مئات آلاف العمال، لا دعوات شبابية على الإنترنت، محذرين من الانعكاسات السلبية لهذه المغامرة غير المدروسة على الحركة العمالية. وطبعًا لم يحدث إضراب عام. وقُمعت محاولات التظاهر في ميدان التحرير بعنف بالغ، واعتُقل ماهر وإسراء، وفي المحلة تحوّل المصنع والمدينة إلى ثكنة أمنية، واعتُقلت قيادات العمال.
ومع ذلك، انطلقت الشرارة واندلعت انتفاضة شعبية في المدينة استمرت يومين. وفي لحظةٍ فارقةٍ؛ سقطت صورة حسني مبارك تحت أقدام المتظاهرين، في كسر جديد لهيبة السلطة. لكن الانتفاضة قُمِعت بقوةٍ غاشمةٍ استمرت على شكل حملة اعتقالات واسعة، ثم موجة فصلٍ وتنكيلٍ بالقيادات العمالية في كل المواقع التي شهدت احتجاجات سابقة.
بعد أحداث المحلة، ظلَّ جروب فيسبوك مفتوحًا، واستمرت النقاشات حول استثمار الطاقة التي تجمعت فيه، وتحويلها إلى فعلٍ مستمر. ومع تطور النقاشات، أخذت فكرة تكوين تنظيم شبابي مستقل تتبلور تدريجيًا.
لم تكن الفكرة محلَّ توافق كامل. حتى إسراء عبد الفتاح، التي شاركت في المبادرة الأولى، لم تكن ترى ضرورةَ تأسيس تنظيم مستقل. حضرَتَ الاجتماع التأسيسي في نقابة الصحفيين، وأعلنت رفضها استخدام اسم "6 أبريل" للحركة الجديدة، معتبرةً أنه ملك للجميع وليس حكرًا على أي مجموعة، وأكدت أنها ليست جزءًا من الكيان الجاري تأسيسه.
تناقضات بنوية
مع ذلك، كان القطار قد انطلق بالفعل، وبدأت 6 أبريل تتشكل كأول كيان شبابي سياسي مستقل واسع التأثير في تلك المرحلة.
تبنّت الحركة مبادئ النضال اللا عنفي ونظريات جين شارب، كما روِّج لها عبر "أكاديمية التغيير"، مُركّزةً على التكتيكات السريعة والضغط الرمزي. واستلهمت تجربة "أوتبور" الصربية، وهي حركة شبابية اعتمدت على نفس المبادئ في إسقاط نظام ميلوشيفيتش، واعتمدت بعض رموزها، وعلى رأسها شعار القبضة.
قدّمت 6 أبريل مقاربة تقنية للإصلاح أقرب إلى التنمية البشرية منها إلى السياسة
كانت 6 أبريل مفتوحة لكل من يشارك في فعلٍ أو يحمل مطلبًا؛ ما أكسبها جاذبيةً فوريةً لدى قطاعٍ واسعٍ من الشباب، أُعجب بسرعة استجابتها واستخدامها الفعّال للشبكات الاجتماعية، وتركيزها على المظاهرات والتحركات داخل الجامعات.
ورثت عن كفاية نموذج المنسّق العام والقيادة غير المنتخبة، لكنها، على عكس "كفاية"، بنت جسمًا تنظيميًا مرنًا يعمل تحت توجيهات المجموعة القيادية. غير أن خروجها الكامل إلى فضائها المستقل عزلها عن جسم الحركة الأكبر، وحال دون احتكاكها بالأجيال الأقدم وتبادل الخبرة والمعرفة معها.
كما حملت الحركة تناقضًا بنيويًا واضحًا. فهي، رغم تصورها عن نفسها كعنوان للانفتاح، كانت تنظيمًا إقصائيًا على أساس العمر. لم تكن كلمة "شباب" توصيفًا عابرًا، بل قيدًا فعليًا.
رفعت الحركة شعار تجاوز الأيديولوجيات، لا بمعنى الانفتاح على مختلف التيارات، وإنما باعتبار الأيديولوجيا نفسها شيئًا قديمًا تجاوزه الزمن، غير مدركةٍ أن كل إنسان يحمل حزمةَ أفكارٍ وانحيازاتٍ، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، وسواء سمّاها أيديولوجيا أم لا. هذا الفهم المحدود ولَّد شعورًا بالتوجس والعداء تجاه كل من يعلن انحيازًا سياسيًا.
لكن مع توسّع الحركة، تشكّل داخل قيادتها تيار بتصور ليبرالي للتغيير، يرى أن جوهر الأزمة يكمن في إقصاء الأكفأ عن إدارة الدولة. فاقتربت الحركة من مقاربة تقنية للإصلاح السياسي، أقرب إلى التنمية البشرية وريادة الأعمال منها إلى السياسة بوصفها صراعًا اجتماعيًا حول المصالح.
مع الوقت، هيمن هذا التيار بالكامل على الحركة. لم يحدث ذلك عبر إعلان صريح أو حسم فكري معلن، بل عبر مسار تراكمي، بدأ باستبعاد الإسلاميين والقوميين، ثم انشقاق يسار الحركة على مرحلتين.
فلم تعِ 6 أبريل نفسها بوصفها جبهةً تضم أفرادًا ذوي انحيازات مختلفة. من السهل أن يبدو الجسم متجانسًا حين يتركز العمل على التحضير للمظاهرات والفعاليات، لكن عند مواجهة الأسئلة السياسية الأعمق، تظهر التباينات سريعًا.
لهذا لم يكد يمر عام على تأسيس الحركة حتى واجهت أول انفجار داخلي كبير، عقب سفر بعض قياداتها سرًا للمشاركة في برنامج تدريبي تابع لـFreedom House من دون علم كل القيادة. ولم يُكشف الأمر إلا بعد نشر الخبر في الصحف، مصحوبًا بصورتهم مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون.
جاء التعامل مع الأزمة شديد الحدة، حيث سخر أحمد ماهر والمجموعة القريبة منه من المعترضين، وأطلقوا عليهم اسم جماعة "لن تمروا"، قبل أن يُستبعدوا من الحركة. بعض الذين أُقصّوا عادوا لاحقًا للعمل السياسي تحت اسم "شباب كفاية".
لم يحلّ الإقصاء الأزمة، بل تحولت إلى بذرة لانقسامات لاحقة؛ إذ ظلّ الخلل الأساسي قائمًا: اتخاذ قرارات باسم الحركة خارج أطرها الرسمية، في ظل تعتيم شديد. وأبرز هذه الانقسامات اثنان؛ أوّلهما صغير في 2010 وأسفر عن تأسيس حركة شباب من أجل العدالة والحرية. أما الثاني فكان أضخم عام 2013، وأسفر عن تأسيس "6 أبريل – الجبهة الديمقراطية".
تجاذب وتنافر
في ربيع 2010، نظّمت 6 أبريل في ذكرى تأسيسها مسيرةً احتجاجيةً انطلقت من ميدان التحرير باتجاه مجلس الشعب اعتراضًا على تمديد قانون الطوارئ، قُوبلت بقمع عنيف واعتقال عشرات المشاركين، بينهم وجوه بارزة في الحركة.
في الحبس، التقى عدد من أعضاء 6 أبريل الغاضبين من طريقة إدارة الحركة بعدد من طلبة الاشتراكيين الثوريين، الذين دفعتهم الخلافات المحتدمة داخل تنظيمهم للعمل بصورة أقرب إلى الاستقلال، من خلال حركة مقاومة الطلابية بجامعة حلوان.
داخل التخشيبة اختلط هؤلاء بشباب جدد جذبتهم الدعوة على فيسبوك. ومن هذا المزيج، ومن تلك اللحظة تحديدًا، خرجت إلى الوجود "حركة شباب من أجل العدالة والحرية".
امتازت الحركة الجديدة بطاقة مفعمة بالحيوية والإبداع، وبميل يساري واضح في رؤيتها وممارستها، وسعت إلى إعادة ربط الفعل السياسي بسياقه الاجتماعي.
كانت المجموعة الأقرب إلى حركة شباب الأقباط، التي بدأت في الصعود كقوة فاعلة منذ 2010. شاركتهم احتجاجاتهم، واستطاعت ضم قيادات بارزة منهم مثل مينا دانيال. كما كانت من أكثر المجموعات الشبابية اتصالًا بالحركة العمالية، عبر مجموعة تضامن، التي بادر بها عدد من كوادر الاشتراكيين الثوريين لبناء جسر بين الحركة السياسية والحركة الاجتماعية.
جمعت تضامن بين شباب عدالة وحرية، وبعض كوادر الاشتراكيين الثوريين، وعدد من القيادات العمالية. ودارت بينهم نقاشات حول العلاقة بين النضال العمالي وحركة التغيير، وكيف يمكن أن يتقاطعا في مشروع واحد.
وفّرت تضامن قناةً نادرةً للتواصل المباشر بين الشباب والعمال في لحظة كانت العلاقة بين المسارين شبه مقطوعة. ومن خلالها، اشترك الشباب والعمّال في حملة مش هنخاف، ردًا على حملات القمع والتنكيل بالقيادات العمالية وفصلها. وفي مشهد شهري متكرر، كانت هتافات الشباب والعمّال تتعالى داخل مبنى اتحاد العمال، منددين بتخاذله عن أداء دوره في حماية حقوق العمال.
من حق الشباب أن يتنظموا بشكل مستقل لكن ضمن شبكة أوسع تضم كل مكوّنات الحركة
في الوقت نفسه، حدث انشقاق داخل الاشتراكيين الثوريين تحت اسم تيار التجديد الاشتراكي، من بين أسبابه الخلاف حول مبادرة "تضامن" نفسها، التي أطلقتها المجموعة المنشقة خلافًا لرؤية القيادة.
فبعد انحسار موجة التغيير السياسي وصعود الحركة الاجتماعية، مال جزء من قيادة الاشتراكيين الثوريين إلى تصور عملاوي واضح، يرى في الحركة الاجتماعية وحدها أفق التغيير، ويعتبر الحركة السياسية نخبويةً وفوقيةً لا أمل فيها.
في المقابل، رأت مجموعة تيار التجديد أن الحركة السياسية والحركة الاجتماعية رافدان متكاملان للتغيير، وأن الدور المطلوب هو ربطهما في مشروع واحد.
أحدث تيار التجديد نقلةً نوعيةً في تنظيم المجموعات الشيوعية. فكان أول تنظيم شيوعي علني في مصر منذ عشرينيات القرن الماضي يفتح عضويته للجمهور عبر ممارسة شفافة، لا من خلال الانتقاء السرّي. مع ذلك، لم يقطع التيار بالكامل مع الإرث المركزي للتنظيمات الشيوعية، إذ ظلّت بعض ملامحه حاضرةً في أسلوب القيادة واتخاذ القرار.
وكانت شباب العدالة والحرية بدورها أكثر ديمقراطيةً من 6 أبريل. صحيح أنها اختارت مُنسقًا عامًا، لكنه كان منصبًا شرفيًا بلا صلاحيات، ولم تكن لها قيادة مركزية، إذ اتّخذت كل القرارات في اجتماعات مفتوحة لجميع الأعضاء، ما جعل الحركة تعتمد على النقاش الجماعي والمبادرة المشتركة. لكنها في الوقت نفسه حملت تناقضات مشابهة لحركة 6 أبريل؛ إذ بقيت إقصائية على أساس العمر، تفتقر إلى قنوات حقيقية لتبادل الخبرات مع الأجيال الأكبر، وتُبدي نفورًا من أصحاب الانحيازات السياسية المعلنة.
لهذا وجد أعضاء تيار التجديد صعوبةً في بناء علاقة مستقرة مع شباب العدالة والحرية، على النحو الذي سبق أن نجحوا فيه مع شباب من أجل التغيير عندما كانوا ضمن الاشتراكيين الثوريين، عبر خلق مساحة للنقاش والمناظرة والتثقيف المتبادل، رغم أن بعض قيادات شباب العدالة والحرية كانوا أعضاءً في تيار التجديد، ورغم أن التيار استضاف اجتماعات الشباب في مقره.
تجارب 6 أبريل وشباب العدالة والحرية، تظهر أن الحركات الشبابية في مصر سارت على طريق مزدوج: ابتكار وقدرة على التنظيم المستقل وخلق أدوات جديدة للتعبئة، وقيود بنيوية في مقدمتها الإقصاء العمري، وصعوبة الانفتاح على أصحاب الانحيازات السياسية المعلنة، والعزلة عن الأطر الأوسع لحركة التغيير.
من حق الشباب أن يتنظموا بشكل مستقل، شأنهم شأن أي فئة اجتماعية، على أن يكون ذلك ضمن شبكة أوسع تضم كل مكوّنات الحركة، ترفع راية مشتركة يلتف حولها طالبو التغيير. أما التنظيمات الشبابية المستقلة، فستظل محدودة الأثر، تُرى من الخارج باعتبارها مجموعات من الشباب المتحمّس، لا عنوانًا جامعًا يمكن أن تلتف حوله قوى التغيير.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


