المرض ولا "العيب".. ترسيخ الأعراف على أجساد العازبات
تحمّلت زينب مصطفى(*) آلامًا شهرية شديدة امتدت سنوات طويلة من عمرها الذي لا يتجاوز 27 عامًا، لم يمنعها عن كشف أسبابها، إلا كلمة "عيب" التي قيلت لها في الصغر، وظلّت حياتها تدفع ثمن ذلك الـ"عيب" من صحتها.
"ماينفعش بنت مش متجوزة تروح لدكتور نسا. أنا كنت زيك. ولما تتجوزي وتخلفي هتبقي أحسن". تقف هذه المقولات الكلاسيكية مانعًا في وجه الفتيات اللاتي يعانين من أمراض رحم منذ صغرهن. مثلما حدث مع زينب، التي عانت من دورة شهرية غير منتظمة منذ كانت في الـ13 من عمرها.
وفي ظل حرمانها من الرعاية الصحية، والوصاية على جسدها مع تشدد عائلتها في الذهاب إلى طبيب النساء، فقط لكونها عزباء، أصيبت الفتاة من صغرها بـ متلازمة تكيس المبايض.
عفريت النِّسا
تقول زينب لـ المنصة "إحنا من طبقة متوسطة، وأهلي متعلمين ومتخرجين من كليات، وعندهم قدر من الوعي يعني هما ضد الختان مثلًا، ومش متشددين دينيًا، وبيعاملونا زي بعض". لكنَّ هذا الوعي لم يمتد إلى صحة الجسد؛ ليظل كل ما يتعلق بالدورة الشهرية وأمراض النساء "تابوه" كبيرًا داخل الأسرة، إلى درجة أن والدتها نفسها كانت تهمل صحتها، رغم إصابتها بالمرض ذاته.
ما واجهته زينب من ضغوط اجتماعية وثقافية حرمتها من الرعاية الصحية حتى الزواج؛ وثّقت دراسة لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة أن أغلب المصريات يتعرضن له. هذه الضغوط لا تأتي فقط من الأسرة، بل من المجتمع وحتى الأطباء. وفي كثير من الحالات، يؤدي هذا التأجيل إلى تفاقم الحالة الصحية، كما حدث مع زينب.
تكرار الرفض لم يكن تأثيره صحيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. بمرور الوقت، بدأت تصدق أن طلب المساعدة خطأ
ووفق الدراسة، يُنظر إلى ذهاب غير المتزوجات لطبيب نساء باعتباره سلوكًا غير لائق، ما يخلق حواجز نفسيةً واجتماعيةً تحرمهن من الرعاية الصحية.
عانت زينب من ألم شديد وصل إلى حدِّ منْعِها من الحركة، بالإضافة إلى عدم انتظام الدورة، وشعر زائد، وبثور لا تختفي. وفي كل مرة تطلب فيها الذهاب لطبيبة، يأتيها الرد نفسه من والدتها "مينفعش بنت مش متجوزة تروح لدكتورة نِسا وأنا كنت زيك ولما تتجوزي وتخلفي هتبقي أحسن".
تكرار الرفض ترك أثرًا نفسيًا أيضًا. بمرور الوقت، بدأتْ تصدق أن طلب المساعدة خطأ. لم يتغير شيء إلا حين انتقلت إلى ألمانيا وهي في الثانية والعشرين. هناك، فقط، بدأت تفهم ما يحدث لجسدها.
انقطعت دورتها لعام كامل وتدهورت حالتها النفسية والجسدية وزاد وزنها. وعندما ذهبت أخيرًا إلى الطبيب، اكتشفت إصابتها بمتلازمة تكيس المبايض، إضافة إلى مرحلة ما قبل السكري نتيجة اضطراب الهرمونات.
منذ ذلك، أصبحت زيارة طبيب النساء بندًا دوريًا على جدول مواعيد زينب، مع علاج دوائي ونظام غذائي ورياضي يستلزم استقرار حالتها الصحية الالتزام به؛ فقد أصبح مرضها مُزمنًا تزورها أعراضه من حين إلى آخر.
لكن أكثر ما صدمها لم يكن التشخيص، بل ما بعده. تقول "الدكتور قالي لما تحبي تخلفي، صعب أوي يحصل طبيعي من غير حقن مجهري. وده بيخليني دايمًا أتمنى لو كنت كشفت بدري ولحقت نفسي". ورغم كل ذلك لا تزال والدتها تتعامل مع الأمر باستهانة حتى اليوم.
معلومات غير متاحة
تندُر المبادرات التوعوية الموجهة للطفلات والأُسر بشأن الثقافة الجنسية في سن البلوغ. المؤسسات الرسمية مثل المجلس القومي للطفولة والأمومة يركز في حملاته وحتى عبر موقعه الرسمي على قضايا مثل ختان الإناث، والزواج المبكر، وحماية الأطفال المعرضين للخطر، بينما تغيب التوعية بالصحة الجنسية والإنجابية للفتيات في هذه المرحلة الحساسة.
في غياب هذا الدور، تُترك المساحة لمصادر غير موثوقة، فوفقًا لمسح أجرته مؤسسة الحب ثقافة عام 2018، يحصل 88% من الأبناء على معلوماتهم الجنسية من الإنترنت -بما في ذلك المواقع الإباحية- أو من الأصدقاء. وفي دراسة أخرى تعود لعام 2014، أفاد 41.1% من الشباب أنهم تلقوا معلومات عن البلوغ من الأصدقاء والجيران والأقارب، مقابل 26.5% فقط كانت الأسرة مصدرها الرئيس.
تجربة آية أحمد لا تختلف كثيرًا. فبين السادسة عشرة والسابعة عشرة، جاءت دورتها الشهرية الأولى، متأخرةً عن صديقاتها. لكن الألم بدأ قبل ذلك بسنوات، آلام حوض منتظمة تشبه الدورة دون دم.
ومع استمرار الآلام التي لم تجد لها تفسيرًا وقتها، رفضت والدتها الذهاب لطبيب لأنها "لسه صغيرة". وعندما اقترح طبيب باطنة زيارة أخصائي نساء، لم يتغير شيء ولم تقتنع الأم. وعندما خضعت للكشف لاحقًا بصحبة خالتها، جاءها الرد المعتاد من الطبيب "ده طبيعي، ولما تتجوزي كل ده هيروح".
كانت آية، وقد بلغت الثانية والثلاثين من عمرها الآن، تسمع حججًا مختلفة من والدتها مثل "إنتي بيتهيألك، إنتي أكيد مش تعبانة. الموضوع مش مستاهل. لما تتجوزي نبقى نشوف".
تضيف لـ المنصة "آخر ما زهقت قالتلي مفيش مرواح لدكاترة نِسا إنتي لسه صغيرة لما تتجوزي نبقى نشوف وحتى المسكنات رفضت آخدها عشان ده مش صح وهيأثر على الخلفة كعادة الأسطورة يعني بس أنا كنت باخدها وباخد أدوية للتلقصات سرقة أو بالخناق".
تصف الألم الذي أعجزها عن الحركة بأنه "لم يكن طبيعيًا"، مع دورة تتكرر ثلاث أو أربع مرات سنويًا، وبثور فى مناطق متفرقة بجسدها، وتساقط كثيف للشعر، وفقدان شهية ووزن؛ لكن التحول الحقيقي جاء في القاهرة، بعد أن استقلت في سن العشرين. وقتها أصبح بإمكانها توفير الرعاية الصحية لجسدها دون وصاية؛ فكان أول ما فعلته الذهاب لطبيب نساء، لتكتشف إصابتها بتكيس المبايض، إلى جانب مقاومة الإنسولين ومشكلات صحية أخرى، كلها نتيجة سنوات من الإهمال.
بعض الأسر ترفض الكشف الطبي خوفًا من الوصم، معتبرةً ذلك خروجًا عن الآداب العامة والأخلاق
تُعرِّفُ منظمة العفو الدولية الحقوقَ الجنسية والإنجابية بأنها القدرة على اتخاذ قرارات حرة بشأن أجسادنا وعلاقاتنا وحياتنا، بما يشمل الهوية الجندرية والميول الجنسية، وهي حقوق أساسية ترتبط بالكرامة والاستقلال الجسدي.
وعلى الرغم من أن الواقع في مصر يختلف عن التعريفات والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقَّعت مصر عليها، تشير ورقة بحثية حديثة لمؤسسة إدراك إلى أن بعض الأسر ترفض الكشف الطبي خوفًا من الوصم، معتبرةً ذلك خروجًا عن الآداب العامة والأخلاق. في هذه الحالات، تصبح العادات والتقاليد أولوية على الصحة وما قد يتعرضْنَ له من مخاطر صحية، حيث تتدهور حالتهن بسبب تأخير الذهاب إلى طبيب.
كما تشير نتائج الدراسة إلى أن بعض الأهالي قد يشعرون بالقلق والخوف إذا ما اكتشفوا أن بناتهم ذهبن إلى طبيب نساء، وإذا وافق الأهالي على الكشف، يلجأون إلى التحايل بتغيير الأسماء أو البيانات عند زيارة العيادات كما يرفضون تلقي علاجات قد تؤثر على الإنجاب فيما بعد. الأمر الذي يشير لمحاولة استمرار وإعادة إنتاج القمع الذكوري والوصاية.
خطر الإصابة بالسرطان
يؤدي تأخر التشخيص والعلاج إلى تفاقم الحالة، وقد يصل إلى تكوُّن التهابات مقاومة للعلاج، إلى جانب اضطرابات الدورة الشهرية، من تأخر أو عدم انتظام أو آلام حادة، حسب ياسمين أبو العزم، أخصائية النساء والتوليد ومؤسِّسة مبادرة نسوة.
وتضيف لـ المنصة "عندنا مشكلة مستمرة في مصر، وهي إن الأهالي مش بيودوا بناتهم لدكتور النساء قبل الجواز، أو حتى في بداياته عند ظهور مشكلة، وده بيخليهم عُرضة لأعراض متكررة مثل الحكة، والروائح الكريهة، والإفرازات الكثيفة المسببة لالتهابات في منطقة العانة".
اضطرابات الدورة الشهرية في بداياتها شائعة، وقد تتطور لدى بعض الفتيات إلى نزيف حاد يسبب أنيميا
وتشير أبو العزم إلى أن نسبة كبيرة من الفتيات تعاني مبكرًا من عُسر الطمث الأولي، الذي غالبًا ما تكون أسبابه بسيطة وقابلة للعلاج، فضلًا عن التهابات مجرى البول.
وتلفت مؤسِّسة "نسوة" إلى أن اضطرابات الدورة الشهرية في بداياتها شائعة، وقد تتطور لدى بعض الفتيات إلى نزيف حاد يسبب أنيميا، في حال غياب الاستشارة الطبية والفحوصات اللازمة، ما قد يؤخر تشخيص حالات مثل "تكيس المبايض" وبالتالي يصبح العلاج أكثر تعقيدًا، لما يرتبط به من اضطرابات هرمونية وزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
وتضيف أن بعض الفتيات قد يواجهن نزيفًا مهبليًا نتيجة زيادة سُمك بطانة الرحم، أو تغيرات قد تتطور لاحقًا إلى أورام سرطانية. ورغم ندرة هذه الحالات في بدايات العشرينيات، فإن احتمالها يظل قائمًا.
ربما لم تلتق آية وزينب نهائيًا، تقيم كل منهما في قارة مختلفة؛ لكنهما عاشتا المعاناة نفسها في الصغر وآثارها في الكبر، لتصلا إلى القناعة ذاتها "كان ممكن كل ده ما يحصلش لو اتعالجت بدري. أنا لسه عايشة في نفس الألم.. مع كل دورة ببقى مش قادرة أتحرك".
(*) أسماء مستعارة بناءً على طلب المصادر.
