المسيحي الغائب عن الدراما
كعادتها كل عام، امتلأت السوشيال ميديا بمشاهد احتفالات المسيحيين المصريين في أسبوع الآلام، من حمل الصلبان والتيجان في أحد الشعانين الذي يوافق ذكرى دخول المسيح القدس، إلى مراسم دفنه الرمزية يوم الجمعة العظيمة، انتهاءً بأحد القيامة أول من أمس. وكعادته أيضًا كل عام، غاب الإعلام الرسمي عن هذه المشاهد، مكتفيًا بأنباء وكلمات تهنئة المسؤولين السياسيين والدينيين لبعضهم البعض.
ألحظ ذلك من تغطية إذاعة شمال الصعيد التي تغطي محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج، وأُفضِّل الاستماع إليها أثناء سفري في إجازة العيد إلى المنيا. فطوال سنوات؛ ركّزت في تغطيتها على على تهنئة المحافظين للأساقفة وزيارة المطرانيات وبعض الكنائس فقط، دون أي لقاءات مع المواطنين أو تغطية لمظاهر احتفالهم، وأماكنها وسماتها، رغم الوجود المسيحي الملحوظ في هذه المحافظات.
تدعونا هذه المفارقة إلى التساؤل عن ظاهرة أعم ترتبط بغياب هذه الاحتفالات، ضمن غياب الحياة الاجتماعية للمسيحيين بشكل عام، عن الدراما المصرية. ففي شهر رمضان الذي انتهى للتو؛ عُرض ما يزيد على أربعين مسلسلًا ناقشت أوجه حياة المصريين كافة، وظهرت بها مئات الشخصيات، لم يكن بينهم مسيحي أو مسيحية واحدة، حتى كشخصية ثانوية.
هل من المنطقي تهميش قطاع من المصريين كبرت أو صغرت نسبته بهذه الطريقة؟! هل يُعقل، بعد قرابة قرنٍ على انطلاق السينما المصرية وستة عقود من الإنتاج التليفزيوني؛ ألَّا تُشكل الأعمال التي تناولت الشخصية المسيحية إلا نسبة هامشية؟ وهل يصح تكون غالبية تلك القلة من الأعمال، مثيرةً للجدل في مضمونها وأهدافها وتداعياتها؟
عملية التغييب هذه صنعت، ولا تزال، صورةً غامضةً للمسيحي لدى أقرانه في المجتمع، بشأن حياته وتعاملاته وسلوكياته ومشاكله وطبيعة العلاقات داخل أسرته وكنيسته.
أثر التغييب
يمكن القول إن حادثَ التنمر الطائفي الذي واجهته امرأة مسيحية في الدقهلية الشهر الماضي، عندما قالت لها امرأة أخرى في الميكروباص "إنتي ريحتك وحشة يا صليبة"؛ واحدٌ من نتائج هذا التغييب.
في هذا الحادث مؤشرٌ على تنميط شركاء الوطن والجهل بهم، وهو ما يستدعي تعاملًا يتجاوز مجرد القبض على من ارتكبته، ليمتد إلى التدخل لعلاج الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى مثل هذا النوع من الممارسات.
تلعب الدراما دورًا محوريًا في تشكيل الوعي المجتمعي بما تملكه من تأثير على الجمهور وإمكانية تقديم القضايا الشائكة في قالب إبداعي يتيح للمشاهد أن يفكر ويعيد النظر في أفكاره وسلوكياته بشكل غير مباشر، بعيدًا عن الوعظ والتوجيه المباشر.
لكن الأعمال الدرامية التي تناولت الشخصية المسيحية، اتسمت على ندرتها بالتنميط والتبسيط ووضعها في قوالب شبه ثابتة، تراوحت ما بين الطيب (الكيوت) لدرجة السذاجة، أو المهني التابع والشاطر (خصوصًا المحاسب أو موظف الخزينة)، أو المتزمت لدرجة تدعو للسخرية. وهناك شخصية نجدها في الدراما ولا وجود لها في الواقع؛ من يتحدث لغة مختلفة، ويبالغ في إظهار تدينه، ويكرر بمناسبة وبدون مناسبة عبارات من قبيل "باسم الرب" أو يرسم الصليب بطريقة هزلية.
بطبيعة الحال، هناك استثناءات خصوصًا في السينما، التي تناولت الشخصية المسيحية بمزيد من التعقيد والتفصيل، كما جاء في فيلم بحب السيما (2004) رغم الانتقادات التي وُجّهت له وبعض الأخطاء في التناول. لكنه في النهاية قدم أسرة مسيحية طبيعية بمشاكلها ومخاوفها. شخصياتها تجارب حية من الواقع، وليست نماذج مصطنعة تصلح لكتاب عن الأخلاق. شخصيات رمادية تجمع بين الصفات الإيجابية والسلبية. تشتم وتكذب، وتخاطب الله بضعفها. كما قدم فيلم التحويلة (1996)، معالجة مختلفة عن عامل التحويلة البسيط الذي زُج به في السجن بديلًا عن معتقل سياسي هارب لسد عجز إدارة المعتقل، حيث التعاطف مع العامل وهمومه كإنسان قبل التعرف على هويته الدينية. وبالمثل فيلم فيلم هندي (2003) الذي تناول صعوبات الزواج المسيحي.
تحديات حساسية التناول
لم يقتصر التناول الدرامي على تنميط الشخصية فقط، بل ساهمت نوعية القضايا التي تضمنها في خلق حساسية خاصة لدى الكنيسة والمسيحيين، لا سيما مع التركيز على قضايا الزواج المختلط وتغيير الدين إلى الإسلام والعلاقات الأسرية المتشابكة والمعقدة. لذا تعرضت أعمال مثل مسلسل أوان الورد وفيلم واحد صفر وغيرهما لانتقادات شديدة، باعتبارها تقدم صورة سلبية أو تُعلي من شأن طرف على حساب آخر.
الكنيسة بطبيعتها مؤسسة محافظة، وترسم صورة مثالية لما يجب أن يكون عليه أتباعها، وبالتالي لا ترتاح لتقديم النماذج السلبية، وتراها لا تعكس الواقع، خصوصًا مع ندرة الأعمال المقدمة، وغياب الحياة والمعاناة اليومية للمسيحيين عن الدراما.
أما المسيحيون، بحكم ثقافة الأقلية ومخاوفهم من تأثير هذه الأعمال على وضعهم وعلاقاتهم في المجتمع، يتساءلون لماذا هذه الموضوعات والقضايا بالذات ما تتناوله الدراما. فإذا كانت هناك ممنوعات ومحاذير من تناول المشاكل الناتجة عن بناء الكنائس أو أوجه التمييز على أساس الدين، فلماذا هذا الاستبعاد وما الذي يمنع وجودهم بشكل طبيعي، ولمصلحة مَن الإصرار على إظهار المجتمع بلون وسمت واحد.
مع تعدد الأعمال التي تتناول الشخصية المسيحية ستتراجع الحساسية والتوجس
تناول الناقد الفني طارق الشناوي هذه القضية، مشيرًا إلى أن فرط الحساسية تتحمل وزره الحياة الفنية والثقافية المصرية، بسبب غياب الشخصية القبطية عن الدراما طوال التاريخ، وكلما طال الاستبعاد والغياب زادت الحساسية، حيث لم يألف المتفرج رؤية شخصيات قبطية تمارس أي قدر من الانحراف في أي عمل درامي، ولهذا تنتقل الحساسية التي نراها في الشارع إلى دار العرض.
قد يجادل البعض أن المشكلة ناتجة عن نقص الإبداع في الكتابة عن الشخصية المسيحية، أو صعوبة الحصول على نماذج يمكن معالجتها دراميًا بشكل جذاب، وهو أمر يجافي الحقيقة لا سيما عقب ثورة 25 يناير، حيث تعددت الكتابات التي تناولت الحياة اليومية للأسر المسيحية، كيف تعيش، وكيف تحتفل، وما المشكلات التي تواجهها داخل دوائرها وفي المجتمع بشكل عام. وتوجد عشرات القصص الثرية في تفاصيلها التي نشرتها وسائل الإعلام ويمكن الاستفادة منها في الدراما.
تجدر الإشارة إلى الثراء الأدبي، والذي تناولته الدكتورة نيفين مسعد في كتابها الشيق الشخصية القبطية في الأدب المصري حيث تنوعت الشخصيات القبطية في الأدب الروائي والقصصي المصري على مر تاريخه، من نجيب محفوظ وبهاء طاهر وإدوار الخراط وسلوى بكر وأشرف عشماوي إلى كتابات شباب ما بعد ثورة 25 يناير 2011 منهم روبير الفارس وكارولين كامل وشادي لويس ومارك أمجد. تناولت هذه الأعمال بجرأة العلاقة بين مسلمي مصر ومسيحييها بشكل لم يسبق تناوله، كاشفةً عن مأساة بعض الشخصيات القبطية وخاصة الفقيرة.
وكما لا توجد أزمة كتابة، يفترض ألَّا توجد أزمة إنتاج، في ظل سيطرة مؤسسات الدولة على جهات الإنتاج والتسويق، وبالتالي تستطيع بسهولة ودون حسابات المكسب والخسارة المالية المعقدة أن تضع على قمة توجهاتها السنوية تضمين الأعمال الفنية نماذج حقيقية معبرة عن تنوع المجتمع، ما يعكس همومه واحتياجاته. علمًا بأن هذا التوجه ليس مطلوبًا لإرضاء المسيحيين، لكنه مهم جدًا لتصبح الدراما مرآة حقيقية للمجتمع، تساعد في رسم صورة علاقات البشر وإلقاء الضوء على مشاكلهم، وتساهم في حلها ومحاربة التطرف والجهل بالآخر.
ومع تعدد الأعمال التي تتناول الشخصية المسيحية ستتراجع الحساسية والتوجس والتعامل بريبة وشك معها، فالأصل في الإبداع هو الحرية، وأن الفن والعمل الإبداعي بوجه عام يحاول مناقشة المسكوت عنه والممنوعات ومن ثم تكسير التابوهات.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
