ما بين أكاذيب الشطارة والتباهي بالرجولة
في منتصف فيلم ناجي العلي (1991) لعاطف الطيب، يبدأ الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان 1982. يغادر ناجي/نور الشريف بيروت متجهًا نحو الجنوب، عكس حركة النزوح، ليبقى مع عائلته في صيدا. في الملجأ، وخلال القصف، يتبادل جملًا قصيرةً مع جاره أبو وليد/محمود مبسوط، الذي يبوح له بقلقه على ابنه الذي التحق بالمقاومة الفلسطينية/اللبنانية ولم يتجاوزه سنه الـ16.
يطمئن ناجي، أبو وليد، وبينما يدخنان سويًا يسمعان إعلان عربات الجيش الإسرائيلي، التي احتلت شوارع مدينتهما، أن المخربين/المقاومة انهزموا وانسحبوا. يخرج أبو وليد من الملجأ ببيجامته سابًا الإسرائيليين، مؤكدًا أن المقاومة باقية، لا تُهزم، فيطلقون عليه الرصاص. يسقط أبو وليد مقتولًا على أسفلت الشارع، تتساقط حوله منشورات ملقاة من طائرات الهيلوكوبتر، داعية سكان المدينة للاستسلام.
مبالغات الشطار
أكتب هذا المقال بعد ساعات من الإعلان عن فشل جولة المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في باكستان، واستمرار الهدنة، التي تبدو مشهدًا مجمدًا بين مشاهد مكدسة بالأفعال والتطورات، يسمح للاعبين الأساسيين بالتقاط الأنفاس وإشهار انتصاراتهم. هذا التجميد ذاته يدعو لترك لبنان 1982 مؤقتًا، وتجاهل اللحظة الحالية، لنستعيد سريعًا بداية العدوان الإسرائيلي/الأمريكي على إيران يوم 28 فبراير/شباط الماضي.
نُشر الكثير في الصحافة الأوروبية والأمريكية عن تلك العملية الأولى الخاطفة، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. تتعدد الروايات دون أن يخلو كثير منها من المبالغة المتعمدة التي تستهدف إحباط الطرف الآخر؛ الإيرانيين وكل الحالمين بإنهاء الهيمنة الأمريكية/الإسرائيلية على المنطقة، وإيقاعهم أكثر فأكثر في دوامة اليأس.
اغتيال رؤساء الدول في عمليات خاطفة من هذا النوع وبقرار من رئيس دولة عضوة بالأمم المتحدة كان ضمن الخطوط الحمراء
لم تختلف كثيرًا هذه الروايات في جوهرها عن التسريبات الأقدم، المتعلقة بعملية البيجر الشهيرة ضد حزب الله، سبتمبر/أيلول 2024، في تركيزها على قدرة الموساد على إعداد العمليات المعقدة بدقة وتأنٍ وصبر، والوصول لأي مكان وأي شخص. بدليل مقتل حسن نصر الله بعد عملية البيجر بأيام. وإن افتقدت عملية اغتياله كل هذا التعقيد المخابراتي المذهل المطلوب منا تصديقه. فمكان الأمين العام للحزب لم يكن سرًا، وقُتل بإلقاء كمية هائلة من القنابل والصواريخ. أي باستخدام العضلات المفرطة، دون ذكاء أو شطارة استثنائيتين.
في حالة اغتيال خامنئي استندت الحكايات المختلفة على الأساس نفسه؛ اختراقات شديدة التعقيد للدولة الإيرانية، وصولًا لأعلى مستوياتها، بدليل سلسلة الاغتيالات التي طالت عددًا من قياداتها، ولم ينجُ منها علي لاريجاني وغيره.
لا نملك أمام هذه الحكايات، كمواطنين "عاديين"، سوى الشعور بالضعف، واليأس؛ لن نصل أبدًا لهذا المستوى من الحرفية والتقدم، كتب علينا للأبد الهزيمة والموت. لكن خارج إطار هذه الصورة ذكرنا البعض بأن مكان خامنئي لم يكن سرًا بالأساس، بل معروف، مثلما كان مكان نصر الله معروفًا. لتنحصر الدهشة في تفصيلة محددة، وجوده بالمجمع الرئاسي وقت بداية الحرب، وليس في الملجأ المحصن.
لا مبرر أو محل لهذه الدهشة إن انتبهنا لعاملين أساسيين؛ أولهما أن اغتيال رؤساء الدول في عمليات خاطفة من هذا النوع، وبقرار من رئيس دولة عضوة بالأمم المتحدة، كان ضمن الخطوط الحمراء، التي لم يتجاوزها خلال الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية السابقة. فهل كان الأمريكيون يجهلون مثلًا مكان صدام حسين في بدايات حربي 1991 و2003؟ أما العامل الثاني، الأهم، فهو المتعلق بقدرة إيران على التوصل لاتفاقات مع الإدارة الأمريكية، على غرار اتفاقيتها السابقة مع إدارة أوباما، التي ألغاها ترامب في بداية ولايته الأولى.
بل إن جولة المفاوضات الأخيرة قبل بداية الحرب، بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، كانت مستمرة وبسلاسة لما قبل بداية الحرب بساعات. فُضت الاجتماعات مساء الخميس 26 فبراير بتصريحات للوسيط العماني بأنها تتقدم، وتُستأنف بعد عطلة نهاية الأسبوع. من الطبيعي أن يكون خامنئي خارج الملجأ المحصن، طالما أن أحدًا لا يتوقع بداية الحرب وعملية التفاوض جارية بين الطرفين ولم تصل بعد لطريقٍ مسدود.
ليست مسألة ذكاء استثنائي، أو شطارة، أو قدرات خارقة يحتكرها الإسرائيليون والأمريكيون. إنها غشومية القوة المفرطة، لدرجة أنها أودت بحياة من كان يراهم الإسرائيليون والأمريكان بدائل محتملة لتيار التشدد الذي يرمز خامنئي له. وهو ما تأكد من التسريبات اللاحقة عن تلك المكالمة التي أجراها نتنياهو بترامب لإخباره بأنه يعرف مكان خامنئي، وإقناعه بضرورة انتهاز الفرصة وقتله مع كبار رجال دولته، وبأن هذه العملية الخاطفة ستؤدي، مع ضربات محدودة لانهيار النظام. وهو ما تكفلت الأسابيع الماضية ببيان عدم صحته.
لم يُجِب نتنياهو على سؤال توريط الولايات المتحدة في الحرب حين طُرح عليه. اكتفى بابتسامة "الماتشو" الماهر، القادر على جر الدولة الكبرى لحرب كبرى. أما ترامب، بعقلية الطفل الذي يتصور نفسه سوبرمان، فتجاهل الأسئلة المتعلقة بهذه المسألة، بوجه عابس وغاضب. فمن المستحيل أن يعترف الماتشو الأكبر بأن الماتشو الأصغر يحركه.
دموع اليائسين
قتل خامنئي كان المشهد الأول من فيلم طويل يكتمل أمامنا تدريجيًا. فيلم يحوي مشاهد كثيرة تفتقد لهذا الإبهار الزائف للمشهد الأول، جوهرها فضيحة إدارة ترامب المرتبكة لهذه الحرب، بصحبة جهلة وتافهين يفتقدون للمعرفة والخبرة في شؤون الحرب والسياسة الدولية وإيران. بدأوا حربًا دون خطط أو سيناريوهات محتملة لمسارها، وكيفية إدارتها، وإلى أين ستقود. مكتفين، إسرائيليًا وأمريكيًا، بمجرد الثقة في امتلاك أكبر قوة تدميرية في تاريخ البشرية، وبالقدرة على الارتجال.
لكن، ماذا عنا؟ نحن المتفرجين المنحازين للشعب الإيراني ولبقاء دولته وثرواته بعد هذه الحرب، والمرعوبين من احتمالية هزيمته أمام ماكينة القتل والتدمير الأمريكية/الإسرائيلية؟
على اختلاف درجات إدراكنا لمعنى وتبعات الانتصار الأمريكي/الإسرائيلي في هذه المعركة، وتصوراتنا عن سيناريوهات ما يسمونه باليوم التالي، لم يجد بعضنا ما يشهره لتفسير المشهد الأول لفيلم لم يكتمل بعد، مشهد وجود المرشد الأعلى خارج المخبأ، سوى تمجيد رجولته، وأنه ليس خائفًا. رجولة تفسر مشاهد تالية، من بينها مبادرة حزب الله بالضربة الأولى، قبل أن تبدأ إسرائيل الحرب التي كانت متوقعة ضد لبنان. ورجولة يتمنون رؤيتها مجسدة في رد إيران الجميل للحزب، وألا تترك لبنان خارج حدود الهدنة.
إنه وعي رجولي يستدعي طيف أبو وليد الشجاع، الخارج من الملجأ للصراخ، وتحدي أكبر جيش في المنطقة. تحرك حدث دون تفكير. دفعه اليأس والغضب للخروج بصدره أمام العدو، وتحديه انتحاريًا. لم يكن مقاتلًا أو سياسيًا أو قائد دولة. وفعلًا هُزمت المقاومة في جنوب لبنان في 1982، واضطر أغلب قيادات جناحها الأساسي، الفلسطيني، لمغادرة لبنان كله بمقاتليها بعد أسابيع.
إنها إحدى حلقات تراث الهزائم الطويل الذي لا نملك سوى استدعائه في لحظات الخطر، ولا علاقة له بدرجة الرجولة أو الأنوثة. تراث نستعيده كل مرة نسمع فيها خطابات سياسية بنغمة عنترية قديمة، لا تعتمد على العلم والوقائع والاستعدادات، وتكتفي بأفكار الرجولة التقليدية. من نوعية خطابات أحمد سعيد، مذيع صوت العرب الشهير في الأيام الأولى من حرب 1967، التي كانت ترجمة إعلامية مبالغة لخطابات سابقة لعبد الناصر، وللمشير الخائب الذي قال قبل الحرب بأيام قليلة إنه سيشنق موشى ديان على أقرب شجرة يقابلها في تل أبيب.
عملية إبادة الشعب الفلسطيني بلورت قطاعًا أساسيًّا من الجماهير الصامتة وغير الصامتة في كل أنحاء العالم
نستدعي هذا التراث المر، ونرتعب من إعادة تدويره وإنتاج هزائم جديدة. لكي نراوغ هذا الرعب، نتناسى أعداد الضحايا في فلسطين ولبنان وإيران وحجم الدمار الشامل. نتشبث بالتفاصيل؛ إسقاط طائرتين أمريكيتين، عمليات بطولية في جنوب لبنان، إفشال عمليتي إنزال في البقاع، وضربات صاروخية تبدو موجعة لإسرائيل. نكتفي بالتمني، والارتكان لـ"حقيقة" وحيدة نثق بها ونعرف أنها ليست وهمًا؛ أن تصورات نتنياهو وترامب، الماتشو الصغير والماتشو الكبير، أنهما قادران على تشكيل الشرق الجديد بسهولة بعد انهيار إيران في أيام قليلة، كانت خائبة.
ربما يحققان انتصارًا ما خلال هذه الهدنة أو بعدها، لكنه على الأقل لن يكون الانتصار الخاطف والحاسم الذي حلما به، وكان أقرب للتخاريف التي منعتهما عن رؤية جانب آخر يتشكل في معادلات منطقتنا، وقادر على تخريب بعض من حلاوة الانتصار العسكري إن نالوه؛ أن عملية إبادة الشعب الفلسطيني بلورت قطاعًا أساسيًّا من الجماهير الصامتة وغير الصامتة في كل أنحاء العالم، لا يمكن له أن يصطف خلف إسرائيل والولايات المتحدة، أو خلف أي طرف يتحالف معهما.
مشهد أبو وليد في فيلم ناجي العلي استدعى دموع المشاهدين، وقت عرضه للمرة الأولى، بعد هزيمة العراق وتدميره بشهور، ويستدعي الدموع الآن، فيما نراقب عملية تدمير جديدة، وإبادة غير مسبوقة ومستمرة منذ عامين ونصف العام، واعتداءات ومذابح في أماكن كثيرة من منطقتنا.
للدموع هيبتها واحترامها. لكن تمجيد الانتحارية ودعاوى الرجولة لن يجلب سوى مزيد من الهزائم. في حين أن العامل الغائب عن حسبة الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية مجدٍ أكثر، ويستحق العمل عليه؛ تنامي الحقد والرغبة في الانتقام والمقاومة عند شعوب المنطقة التي تمتلك حضارات تصور ترامب في لحظة قدرته على إزالة إحداها. بشرط تحررها من كذبة تفوق وشطارة الطرف الآخر الأبدية. وتحررها أيضًا من انتحارية أبو وليد، وأي أبو وليد آخر.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

