صندوق النقد بين حمار الأزمة وبردعة البلدان المأزومة
تسبب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في أزمات كثيرة؛ بدءًا من ارتفاع أسعار الطاقة إلى تعطل حركة الملاحة وارتباك تدفق الاستثمارات وتضرُّر الرحلات السياحية. كان رد فعل صندوق النقد الدولي تجاه ذلك مطالبةَ مصر بتسريع وتيرة الخصخصة لضمان تدفقات مالية تغطي تداعيات الحرب.
تعكس توصيات الصندوق الميلَ المستمرَ للنظام المالي العالمي إلى تحميل بلدان الجنوب أعباء التكيف مع الصدمات الخارجية، رغم أنها تنشأ من اضطرابات عالمية لا دخل لنا بها، فنحن غير مسؤولين عن قرارات الحرب، ولا عن قرارات الدول المصدرة للنفط برفع أسعار الطاقة أو قرارات الاحتياطي الفيدرالي بزيادة الفائدة، التي ترفع من تكاليف التمويل في العالم كله.
يُجادل هذا المقال بأن تجربة مصر مثالٌ على نمط متكرر يؤثر على الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل المدينة والمستوردة للنفط منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث يتم إجبار هذه الاقتصادات مرارًا على تقديم تضحيات- مثل رفع أسعار الفائدة والتقشف فضلًا عن خفض قيمة العملة والخصخصة- ويسوق الصندوق هذه الإجراءات على أنها الحل الأوحد لأزمات لم تكن مسؤولة عن صناعتها.
الأزمات خارجية والتكيف داخلي
إذا راقبنا الحالة المصرية خلال العقد الأخير سنجد أن كل الأزمات التي دفعتنا لطلب مساعدة الصندوق كانت خارجةً عن إرادتنا، مثل جائحة كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على أسعار الغذاء، ثم التشديد النقدي الأمريكي.
كبلد متوسط الدخل يميل للانخفاض، ومستورد للنفط وكثيف استهلاك الطاقة الأحفورية، خاصةً فيما يخص صادراتها، فإن اقتصاد مصر بطبيعة الحال حساسٌ تجاه تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
يمكن تتبع هذا النمط تاريخيًا عبر محطات مفصلية، إذ شهد العالم خلال حظر النفط عام 1973 انفجارًا في أسعار النفط، ما أدى إلى قفزة مفاجئة في فاتورة واردات الدول المستوردة للنفط، وخلق ضغوطًا حادةً على موازين مدفوعاتها. ثم جاءت أزمة النفط 1979 المرتبطة بالثورة الإيرانية لتضاعف هذه الضغوط، إذ ارتفعت الأسعار مجددًا، ما عمّق الاختلالات الخارجية وأدى إلى موجة تضخم عالمية.
الحلول التي كان يقترحها الصندوق لمواجهة هذه الأزمات تخلق بالتبعية أزمات أخرى
تفاقمت هذه الديناميكية في أوائل الثمانينيات مع صدمة فولكر، حين رفعت الولايات المتحدة أسعار الفائدة بشكل حاد لتصل إلى 20% في الاقتصاد الأكبر والأغنى في العالم، بهدف كبح التضخم الزائد وقتها نتيجة أزمة الطاقة، وواجهت الدول المستوردة للنفط، التي أصبحت الآن مدينةً بعد أزمة 1973، صدمةً مزدوجةً تمثلت في ارتفاع جنوني بأسعار الطاقة وتكلفة خدمة الدين في الوقت نفسه.
نتج عن هذه السلسلة من الأزمات ما يُسمى بأزمة ديون أمريكا اللاتينية في الثمانينيات (التي كانت فعليًا أزمة ديون في الجنوب العالمي كله)، واستُحدثت برامج التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي وقتها لمواجهة هذه الأزمة العالمية الطاحنة.
وفي السياق المعاصر، أعادت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وحرب إيران إنتاج الآلية نفسها، إذ تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا واضطرابات سلاسل الإمداد وتشديد الأوضاع المالية الدولية، ما أدى مرة أخرى إلى زيادة فاتورة الواردات وتآكل الاحتياطات الأجنبية والضغط على سعر الصرف. بهذه الطريقة، يتكرر النمط نفسه عبر الزمن، حيث تتحول الصدمات الخارجية المرتبطة بالطاقة إلى أزمات داخلية في ميزان المدفوعات دون أن تكون هذه الاقتصادات مسؤولة عن أسبابها.
المفارقة أن الحلول التي اقترحها الصندوق لمواجهة هذه الأزمات كانت تخلق بالتبعية أزمات أخرى، فهو يشترط مرونة سعر الصرف ما ينتج ضغوطًا تضخمية بالغة، وللحد من التضخم يقترح رفع أسعار الفائدة ما يتسبب في ارتفاع تكلفة الدين العام، ولا تنجح أدوات الفائدة في الحد من التضخم لأنه ناتج بالأساس عن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
تسقط كل تصورات الصندوق عن إمكانية الحد من التضخم عبر أدوات السياسة النقدية أمام ديناميكيات الاقتصاد في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يمثل استهلاك الأساسيات النسبة الأكبر من الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن رفع أسعار الفائدة لن يخفض الطلب على تلك السلع ومن ثم ارتفاع أسعارها.
لذلك تتكرر الأزمات
تعود جذور توصيات الصندوق إلى ما يعرف بسياسات التكيف الهيكلي Structural Adjustment programs، التي عممتها المؤسسة الدولية في البلدان النامية خلال السبعينيات والثمانينيات عبر برامج قروض مشروطة بتطبيقها.
تطورت وتعددت بعد ذلك أنواع قروض الصندوق، بين قروض مشروطة ببرامج هيكلية، وأخرى مرتبطة بإجراءات سريعة لمواجهة أزمات طارئة، وفي الحالتين ظلت سياسات التكيف تحمل التصورات نفسها التي نشأت قبل أكثر من أربعة عقود، والتب حذر كثيرون من تبعاتتها التوزيعية والهيكلية شديدة الاختلال، إذ تعيد توزيع الثروة إلى أعلى من خلال خفض الإنفاق الاجتماعي، وتتسبب في تسليع الخدمات العامة وخفض قيمة الأجور وغيرها من الإجراءات. لكن ما أغفلته هذه التحليلات هو أن برنامج التكيف الهيكلي كان مصممًا منذ نشأته على افتراض أن المشكلات التي يواجهها الاقتصاد المأزوم نابعة من قرارات داخلية خاطئة وليس من صدمات خارجة عن إرادته.
صندوق النقد 1974: بما أن مشكلة التضخم عالمية فمن المتوقع أن تسهم جميع الدول في حلها
من المحاولات النادرة لإلقاء الضوء على هذا التناقض مساهمة الاقتصاديّ في الأمم المتحدة، سيدني ديل، في بداية الثمانينيات مع بدء برامج التكيف الهيكلي، الذي انتقد تحميل الدول المدينة مسؤولية تطبيق إجراءات مؤلمة لاحتواء مشكلات مثل ارتفاع أسعار الطاقة وصدمات الأسعار الخارجية، بينما دول الفائض (أي المراكز الكبرى في الاقتصاد العالمي) هي المسؤول عن صناعة الأزمات ولا يطالبها الصندوق بـ"التكيف".
يؤكد ديل كذلك على أن معظم آليات التكيف المتاحة للدول المدينة تُفاقم أوضاعها التجارية، فقد يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى زيادة حجم الصادرات، لكن قد يفوق انخفاض قيمة وحدة الصادرات الزيادة في حجم الصادرات الكلي، ما يحد من أي أثر إيجابي على ميزان المدفوعات، فضلًا عن استنزاف الصادرات الزائدة للموارد الطبيعية.
وتعكس تجربة مصر مع الصندوق خلال العقد الأخير تزامن "إصلاحاته" مع انهيار شروط التبادل التجاري لمصر، حيث كانت الأزمات تبدأ من ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، إلى تعويم الجنيه، وتنتهي إلى انخفاض أسعار الصادرات وارتفاع أسعار الواردات، ما يقود في النهاية إلى المزيد من الخلل في ميزان المدفوعات.
إقرار بلا أفعال
تاريخيًا، أقرت تقارير صندوق النقد الدولي نفسها بالطبيعة الخارجية لأزمات الجنوب، فقد أشار التقرير السنوي لصندوق النقد الدولي لعام 1979 إلى أن الزيادة في عجز ميزان المدفوعات في البلدان التي يُطلق عليها "الدول النامية غير النفطية" تعود إلى عوامل خارجية خارجة عن سيطرتها، تحديدًا شروط التبادل التجاري وزيادة أسعار الفائدة، يقول التقرير نصًا في صفحة 22:
إن طبيعة الزيادات الفعلية والمتوقعة في عجز الحساب الجاري المجمع للدول النامية غير النفطية من عام 1977 إلى عام 1979 تثير قلقًا بالغًا. فمن بين الزيادة البالغة 22 مليار دولار، يُعزى حوالي 16 مليار دولار إلى تدهور شروط التبادل التجاري لهذه الدول، التي لم تواكب أسعار صادراتها أسعار وارداتها في عام 1978، ومن المتوقع أن تتخلف عنها مجددًا في عام 1979، بينما من المرجح أن يعكس حوالي 6 مليارات دولار زيادة صافي المدفوعات من الفوائد وغيرها من أشكال دخل الاستثمار. ويُعد بروز تكاليف الفائدة وتدهور شروط التبادل التجاري المتمثل في ارتفاع عجز الدول الأقل نموًا غير النفطية منذ عام 1977 سببًا للقلق، إذ إن هذه العوامل تستنزف الأموال المقترضة دون زيادة التدفق الحقيقي للموارد الخارجية المخصصة للتنمية.
يؤدي تخفيض العملة إلى تدهور شروط التبادل التجاري فيجعل صادراتنا تشتري كميات أقل من وارداتنا
وذهب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 1974 إلى أن علاج أزمة التضخم وقتها يجب أن يقع على كاهل الدول الأعلى دخلًا، فيقول في صفحة 9: "بما أن مشكلة التضخم عالمية، فمن المتوقع أن تساهم جميع الدول في حلها. لكن نظرًا لثقلها الكبير في الاقتصاد العالمي، تقع المسؤولية الرئيسية في هذا الصدد على عاتق الدول الصناعية".
يستخدم التقرير في صفحة 29 مصطلح "التكيف الخارجي"، أي أن الأزمة يجب أن تُحل على مستوى دولي وليس وطنيًّا، ويحذر من المخاطر الجمة التي قد تنتج عن أي عملية تكيف تقتصر على مستوى البلدان المستوردة للنفط، وجاء في التقرير نصًا:
من الضروري تسوية مختلف القضايا المتعلقة بالتكيف الخارجي والتمويل وحلها ضمن إطار دولي. وقد وُجّهت المناقشات في الصندوق وغيره من المنظمات الدولية، على مدى عدة أشهر، نحو هذا الهدف. ومع ذلك، ليس من الواضح أن الدول متفقة على السياسات التي تُعتبر مناسبة لنجاح عملية التكيف الدولي في الفترة المقبلة، أو على حجم وسرعة تعديل أوضاع كل دولة على حدة. وربما لا يكون هذا الوضع مفاجئًا. ففي الماضي، كان من الصعب بطبيعة الحال على الدول ذات الفائض والدول ذات العجز الاتفاق على مسؤولياتها في عملية التكيف؛ وهذه المرة، فإن نطاق القضايا ذات الصلة التي تواجه مجموعات الدول المستوردة للنفط، الأقوى والأضعف، أكثر تعقيدًا وتنوعًا وصعوبةً في التشخيص. ولكن هذه المرة أيضًا، فإن المخاطر المترتبة على تحقيق تكيف ناجح عالية بشكل غير عادي.
ماذا لو كان الصندوق عامل استقرار حقًا؟
يُقدّم صندوق النقد الدولي برامجه باعتبارها مسارًا نحو الاستقرار والمرونة والاستدامة على المدى الطويل، حتى وإن كان الثمن الاجتماعي مرتفعًا في الأجل القصير، إلا أن التجربة المتكررة تشير إلى أنه بدلًا من تقليل هشاشة الاقتصادات، كثيرًا ما تؤدي هذه السياسات إلى تعميق تعرضها للصدمات الخارجية.
تخفيض قيمة العملة، كما ذكرنا أعلاه، قد يعزز القدرة التنافسية للصادرات نظريًا، لكنه في الواقع يجعل مسألة تأمين احتياجاتنا الأساسية، كالغذاء والطاقة، وفرص العمل المحلية، مرهونة بتقلبات الأسعار العالمية. وفي الوقت نفسه يؤدي تخفيض العملة إلى تدهور شروط التبادل التجاري فيجعل صادراتنا تشتري كميات أقل من وارداتنا مع مرور الزمن.
أما الاعتماد على أسعار فائدة مرتفعة كأداة للاستقرار، فيحقق في أفضل الأحوال تهدئةً مؤقتةً لأسواق الصرف، لكنه يأتي على حساب الاستثمار والإنتاج والطلب المحلي، ويزيد من أعباء خدمة الدين. وغالبًا ما يتبع هذه السياسات خروج سريع لرؤوس الأموال عند تغير الظروف المالية العالمية، ما يعيد إنتاج دورة عدم الاستقرار ويجعل الاقتصادات أكثر عرضةً للصدمات بدلًا من تحصينها ضدها.
في المقابل، إذا كان الهدف الحقيقي هو الاستقرار، فإن المقاربة يجب أن تنطلق من منطق مختلف. المطلوب ليس فقط تكيّف الدول مع تقلبات النظام العالمي، بل أيضًا العمل على تقليل حدة ومعدل تواتر هذه التقلبات نفسها. وهذا يقتضي دورًا مختلفًا لصندوق النقد، يركز على دعم التوازن في التجارة العالمية، وتشجيع سياسات صرف عالمية أكثر استقرارًا، كما كان يفعل الصندوق بالفعل في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان يشجع تثبيت أسعار الصرف وسيلةً لتحفيز التجارة العالمية، وكان يقدم حزم الإنقاذ لدعم تثبيت أسعار الصرف، وهي السياسات التي استمرت حتى السبعينيات.
كما يتطلب الأمر تعميق الأسواق المحلية عبر سياسات ترفع الأجور وتعزز الطلب الداخلي، بما يقلل الاعتماد المفرط على القطاعات التصديرية شديدة التقلب. يجب أيضًا عدم مواجهة الأزمة برفع أسعار الفائدة بشكل دائم ومزمن لدعم الاستثمار الإنتاجي وتخفيف أعباء الدين، بدلًا من استخدامها فقط وسيلة جذب تدفقات رأسمالية قصيرة الأجل. كذلك، فإن دعم استقرار العملة في الدول التي تحقق عجزًا في ميزانها التجاري يمكن أن يسهم في كبح تضخم فاتورة الواردات وتحسين شروط التبادل التجاري، حتى وإن جاء ذلك على حساب تراجع محدود في الطلب الخارجي.
لا يقتصر بناء اقتصاد أكثر صلابة ومرونة في مواجهات التقلبات الخارجية على السياسات النقدية والمالية فحسب، بل يمتد إلى إعادة هيكلة نمط النمو نفسه، فخفض كثافة استخدام الطاقة في الإنتاج، من خلال سياسات مثل الاستثمار في النقل العام، وتشجيع القطاعات كثيفة العمل مثل الصحة والتعليم والأعمال اليدوية، بدلًا من كثيفة الطاقة مثل الأسمنت والأسمدة، وتبني سياسات عمرانية تقلل الحاجة إلى التنقل بالسيارة.. إلخ، يمكن أن تقلل من التعرض لصدمات الطاقة العالمية.
في النهاية، يظل تحقيق استقرار طويل المدى مرهونًا بتحول صندوق النقد من نهج "التَشَطُّر" على بردعة البلدان المدينة، التي تعاني من عجوزات تجارية مزمنة لم تكن السبب فيها، إلى القدرة على مواجهة حمار النظام المالي العالمي.