عتمة الترشيد تنهي "وردية ليل" المطاعم
يقف المهندس محمد عادل في مدينة الشروق على أعتاب مطعمه مازنجر، الذي تتسرب زبائنه تباعًا، يراقبهم بعينين حائرتين وهم يذوبون في زحام المارة مع اقتراب الساعة من التاسعة مساء، حتى يسود الهدوءُ مجمع المطاعم، فيجلس أمام طاولة خالية، مُمسكًا بدفتر إيرادات يوم آخر لم يكتمل، وضجيج الأسئلة حول تأثير خطة ترشيد الكهرباء على نجاح مشروعه لا يهدأ في رأسه.
فمنذ بدء تطبيق قرار غلق المطاعم والمحال التجارية في التاسعة مساءً من أجل تخفيف استهلاك الطاقة مع تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار بسبب إغلاق مضيق هرمز؛ يتعامل أصحاب هذه الأعمال والعاملون فيها مع أزمتين؛ الغلق المبكر لتوفير الكهرباء، وزيادة أسعار الخامات.
خياران أحلاهما مر
وجد عادل نفسه أمام تحدٍّ أصعب؛ فمشروعه الموجود في مجمع مطاعم يعتمد بالأساس على المبيعات المسائية مع رواج الأنشطة المجاورة كمنطقة الألعاب والمقاهي، ما يعني أن "الساعة 9 الزبون بياخد ولاده ويمشي.. صالة المطعم مبقالهاش قيمة".
يواجه صاحب مطعمي "مازنجر" و"نينجا" المُتخصصيَن في الدجاج المقلي والبيتزا والفطائر بمدينة الشروق، ضغوطًا مركبة نتيجة ارتفاع أسعار الخامات وتكاليف التشغيل مع تراجع المبيعات والإغلاق المبكر.
البداية كانت مع ارتفاع أسعار الوقود، التي انعكست على تكاليف النقل، إذ رفع الموردون تكلفة مدخلات الإنتاج بنسب تراوحت بين 15% و20% "كل حاجة زادت، الفراخ واللحوم والدقيق والتوابل، ومواد التغليف"، يقول عادل لـ المنصة.
وفي 10 مارس/آذار الماضي، رفعت وزارة البترول أسعار البنزين، بواقع 3 جنيهات، وأسطوانات البوتاجاز بنحو 20%. وخلال نفس الشهر فرضت الحكومة الغلق المبكر على المحال لتوفير الكهرباء، مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا لمستويات قياسية بسبب غلق إيران لمضيق هرمز منذ بدء الحرب.
ويرى عادل أن "غياب الرقابة" كان سببًا في زيادات مبالغ فيها في تكلفة مدخلات الإنتاج التي يتعامل بها "البنزين زاد 3 جنيه، ألاقي المورد زود عليا في الحاجة 40 و50 جنيه! كله بيحط السعر اللي هو عايزه".
هذا الوضع أجبر عادل على خصم هذه الزيادات من هامش أرباحه الذي تآكل حتى تلاشى "كنت قبل القرار بكسب بين 15% لـ 20% من إجمالي المصاريف كل شهر، دلوقتي صفر". يحاول تجنّب رفع الأسعار على الزبائن، لكنه لا يرى أن هذه المعادلة يمكن أن تستمر طويلًا.
ولا تعوّض خدمة توصيل الطلبات للمنازل، المستثناة من قرار الغلق المبكر، إيرادات صالة المطعم، بحسب عادل.
ولم تتوقف تبعات قرارات الترشيد الحكومية عند هذا الحد، إذ يترقب عادل ارتفاعًا جديدًا في تكاليف التشغيل مع قرار رفع أسعار الكهرباء للنشاط التجاري، بعدما أعلنت وزارة الكهرباء قبل أيام عن زيادتها بمتوسط 20%.
توفير وهمي
المفارقة أن قرار إغلاق الصالة مبكرًا لم يحقق لعادل وفرًا يذكر في استهلاك الكهرباء؛ فطبيعة العمل تفرض تشغيل المعدات بشكل مستمر.
يوضح عادل "لو قفلت القلاية الزيت هيتجمد، وعشان أسخنه تاني محتاج ساعة ونص.. مفيش زبون هيستناني والثلاجات بتحفظ الأكل.. وبالتالي لازم الكهربا تفضل شغالة طول الوقت".
قصة محمد عادل ليست استثناءً إنما مرآة لتأثير القرارات "الاستثنائية" على آلاف المشروعات الصغيرة
وأمام ارتفاع الأسعار، يضع عادل في خطته رفع رواتب العاملين "هم بني آدمين، وعندهم التزامات، وزادت عليهم برضه المصاريف.. لو ما راعيتش دا هيشوفوا مكان تاني". يعمل في مطعمي عادل عشرة عمال، ما زال قادرًا على تأمين وظائفهم حتى الآن حتى عمال الوردية المسائية الذين يغطون الوردية الليلية المقتصرة على توصيل الطلبات.
لم تنتهِ خسائر المطاعم عند مصاريف التشغيل، إذ قلص ارتفاع تكاليف المعيشة جانبَ الطلبِ كذلك. يرى عادل أن الوجبات الجاهزة أصبحت بندًا ترفيهيًا بالنسبة لكثيرٍ من زبائنه، يمكن الاستغناء عنه لمواجهة ارتفاع فواتير البنود الأساسية الأخرى "اللي كان بيطلب مرة أو مرتين في الشهر ما بقاش يطلب".
ويستحوذ الطعام والشراب على 31.1% من متوسط إنفاق الأسرة المصرية، متصدرًا جميع بنود الإنفاق الأخرى. وفي ظل ارتفاع أسعار الغذاء لجأت العديد من الأسر إلى التركيز على الأغذية الضرورية بشكل أساسي.
قصة محمد عادل ليست استثناءً إنما مرآة لتأثير القرارات "الاستثنائية" على آلاف المشروعات الصغيرة.
اختلال المعادلة
يرى رئيس الغرفة التجارية بالجيزة وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات أسامة الشاهد، أن قرار الإغلاق المبكر لم يراعِ طبيعة الأنشطة المختلفة، معتبرًا أن "الأمر كان بحاجة إلى مزيد من الدراسة".
ويضرب الشاهد مثلًا بالمطاعم والكافيهات قائلًا إنها تعتمد على جني الإيرادات من فترتين أساسيتين: الأولى من الصباح حتى التاسعة مساءً وتمثل نحو 50% من الإيرادات، والثانية من التاسعة حتى ما بعد منتصف الليل وتمثل النسبة المتبقية، مضيفًا لـ المنصة "ومع إلغاء الفترة المسائية، تختل المعادلة".
ويعتقد أن القرار سيدفع هذه الأنشطة إلى مد العمل بالفترة الصباحية قليلًا وإلغاء المسائية، "والنتيجة تسريح عمالة". ولا يتوقف الأثر عند فقدان الوظائف، بل يمتد إلى انخفاض دخول العاملين، خاصة من يعتمدون على الإكراميات المرتبطة بحجم المبيعات "لما المبيعات تقل، دخل العامل نفسه بيتأثر"، وفقًا لرئيس غرفة الجيزة التجارية.
وفي عام 2020، قدَّر رئيس شعبة أصحاب المطاعم والفنادق والمنشآت السياحية بغرفة الجيزة التجارية محمد إمبابى، أن عدد العاملين بالمطاعم والمقاهي يبلغ نحو 3.5 مليون مواطن.
فلسفة الترشيد
ينتقد الشاهد فلسفة الترشيد الحالية، لافتًا أن استهلاك المنشآت التجارية من محال وكافيهات ومقاهٍ وغيرها من المنشآت الخاضعة لقرار الإغلاق المبكر، لا يتجاوز 5.4% من إجمالي استهلاك البلاد من الكهرباء في 2023-2024، وفق التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر، مقابل 37.2% للاستهلاك المنزلي. ويوضح أن التركيز على النشاط التجاري قد لا يحقق وفورات كبيرة، خاصة إذا صاحبه ارتفاع في الاستهلاك المنزلي نتيجة بقاء المواطنين في منازلهم لفترات أطول.
كما يلفت إلى أن إجراءات أخرى، مثل خفض الإضاءة في الشوارع، قد تحمل آثارًا جانبية خطيرة، موضحًا "لما بتزيد البطالة، بيزيد معدل الجريمة، ولما الطرق تبقى مظلمة دا بيرفع أعداد الحوادث".
وفي محاولة للتعامل مع الموقف، قدم اتحاد الغرف التجارية مقترحات إلى مجلس الوزراء، تضمنت السماح بمد ساعات العمل لبعض الأنشطة مقابل تطبيق تعريفة أكبر خلال الفترات المتأخرة، وفق الشاهد الذي يوضح "اقترحنا نخلي بعض الأنشطة تشتغل بعد 9 بسعر كهربا أعلى شوية.. بدل ما نقفل خالص"، لكننا فوجئنا بتطبيق الزيادة بشكل عام على الجميع.
ويبرر الشاهد ارتفاع أسعار المواد الخام بعدة عوامل بينها ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع قيمة العملة المحلية، فضلًا عن اضطرابات سلاسل الإمداد.
ويوضح الشاهد "عندك ارتفاع في أسعار البترول والغاز، وزيادة في الشحن والتأمين، وانخفاض في الجنيه.. كل ده بيزود تكلفة المواد الخام ومستلزمات الإنتاج". وتابع "بخلاف الزيادات المحلية في الكهرباء أو الوقود التي تنعكس في النهاية على المستهلك".
في نهاية اليوم، يعود محمد عادل إلى دفتره مرة أخرى، يدرك المهندس الشاب أن كل زيادة في "المنيو" قد تعني خسارة أفراد جدد على قائمة زبائنه، الآخذة في التراجع.

