تصميم: أحمد بلال، المنصة 2025
اتفاقات الغاز

الخلاصة| لماذا نُصدّر الغاز المصري رغم حاجتنا إليه؟

منشور الاثنين 12 كانون الثاني/يناير 2026

خلال الأسابيع الأخيرة أُعلن عن اتفاقين تتولى مصر بموجبهما تصدير الغاز لكل من سوريا ولبنان، وذلك بعد فترة قصيرة من العودة لتصدير الغاز لأوروبا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وفي نفس الوقت تتوالى أخبار عن ارتفاع قياسي في وارداتنا البترولية، فلماذا نصدر الغاز ونحن في حاجة شديدة، لدرجة تضطرنا لعقد اتفاق استيراد طويل المدى مع إسرائيل؟

عادة ما يرتبط التصدير في أذهاننا بإرسال الإنتاج الفائض للخارج بعد اكتفاء السوق المحلية، على اعتبار أن "اللي يعوزه البيت يحرم عَ الجامع"، لكن في حالة الغاز المصري كانت البلاد تتحمل عبء استيراد الغاز طوال العقد الماضي، وفي نفس الوقت تبحث عن كل السبل للتوسع في تصديره.

أصل الحكاية.. مُصدرون أم مستوردون؟

تُصنف مصر كمستورد صاف للغاز منذ 2015، أي أن قيمة وارداتها تفوق قيمة الصادرات، ولم تخرج عن هذا التصنيف إلا خلال السنوات التالية لاكتشاف حقل ظهر الضخم عام 2018، قبل أن ترتد إلى حالة الاستيراد الصافي مجددًا منذ 2023.

ساهم انقطاع الغاز الإسرائيلي عن مصر خلال فترات متكررة من العدوان على غزة في خلق احتياج شديد للغاز محليًا، خاصة مع تكرار انقطاع التيار الكهربائي وتعطل ضخ الغاز للصناعات كثيفة الاستهلاك، وتحت ضغط تزايد الاحتياج محليًا، توقفت مصر عن التصدير.

ورغم أن فترات انقطاع الغاز الإسرائيلي عن مصر لم تكن طويلة، بسبب التزام الأخيرة باتفاق للتصدير طويل المدى منذ 2019؛ أرادت الحكومة تأمين مصدر مستقر للطاقة، فلجأت لاستيراد الغاز المسال من الخارج، والذي لا يمكننا استهلاكه إلا من خلال سفن تقوم بإعادته للحالة الغازية، ولذلك بدأنا استئجار سفن "التغويز" منذ 2024.

ولأن تكلفة الغاز المسال مرتفعة للغاية مقارنة بالغاز المستخرج من أراضينا أو المستورد عبر الأنابيب الأرضية، ارتفعت تكاليف وارداتنا البترولية خلال السنة المالية 2024-2025 إلى مستوى قياسي، لتبلغ نحو 19.5 مليار دولار.

لماذا عدنا للتصدير؟

والوضع الراهن، أننا بجانب هذه الفاتورة المرتفعة، لدينا فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، فمصر تحتاج لتوفير نحو ملياري قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا من خلال الاستيراد، لتلبية احتياجات السوق المحلية، حيث نستهلك نحو 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما يقتصر إنتاجنا على نحو 4.2 مليارات قدم مكعب يوميًا.

رغم ذلك، أعلنت وزارة البترول في أكتوبر الماضي عن تصدير الغاز لإيطاليا، لتستأنف البلاد نشاطها التصديري لأوروبا بعد توقفه لسنوات، وبعد فترة قصيرة من هذه الصفقة قالت وزارة البترول إنها تتطلع لفتح أسواق جديدة للتصدير في كل من سوريا ولبنان.

ولا ينكر مصدر مطلع على ملف الغاز في وزارة البترول تحدثت إليه المنصة، أن اتفاقيات التصدير الجديدة تمثل رقمًا محدودًا أمام تكلفة استيراد الغاز المسال، والتي تقدر بـ أكثر من 6.8 مليار دولار في عام 2025 فقط، بحسب قوله.

لكن المصدر الذي رفض نشر اسمه يقول إن السببَ الرئيسي خلف التوسع في التصدير هو توفير صفقات مربحة للشركات الأجنبية التي تستخرج النفط من أراضينا وتحفيزها على زيادة الإنتاج، خاصة في حالة التصدير إلى أوروبا.

وعانت البلاد، خاصة مع تفاقم أزمة الدولار، من تراكم مستحقات شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر، ما دفع إنتاجها للتباطؤ. وفي 2024، قدَّر صندوق النقد الدولي المتأخرات القائمة على الحكومة المصرية لقطاع البترول بما يتراوح بين 4 و5 مليارات دولار. 

بجانب تحفيز الشركاء الأجانب، يشير المصدر أيضًا إلى أن مصر ترغب في مساندة سوريا ولبنان من خلال توفير الغاز لهما عبر خط الغاز العربي، الأقل تكلفة من الغاز المسال.

وكشف تقرير لموقع سي إن إن عربية قبل أيام عن أن سوريا ستحصل على غاز مصري مقابل التنازل عن رسوم مرور الغاز إلى لبنان عبر أراضيها، كما ستتولى مصر تغويز شحنات من الغاز المسال وإرسالها لسوريا عبر الأنابيب.

من جهة أخرى، يقول المصدر إن مصر لا تتمتع ببنية أساسية قوية لتخزين الغاز، لذا فسيكون من الصعب الاستفادة محليًا من الغاز المتوفر حاليًا بسبب انخفاض الاستهلاك في الشتاء، عند ارتفاع الاستهلاك في الصيف.

"قدرة مصر تقتصر على التخزين السطحي بكميات محدودة، وتتراوح تكلفة تخزين الغاز المسال بين دولار إلى دولارين لكل مليون وحدة حرارية وبالتالي لا يمكن تحمل تكلفة التخزين سوى لمدة 3 إلى 5 أشهر فقط على الأكثر"، كما يضيف المصدر.

وكان إنشاء محطتين لإسالة الغاز في إدكو ودمياط، عامي 2003 و2006 أحد أبرز التحولات في البنية الأساسية للطاقة في مصر، حيث وضعت البلاد فيهما استثمارات ضخمة بهدف التحول لمركز إقليمي لتصدير الغاز المنتج من أراضينا وغاز الدول المجاورة وعلى الأخص الإسرائيلي.

هذه البنية الأساسية لم تضع في حساباتها احتياجنا لتخزين الغاز في فترات يصعب فيها توفيره، كما يضيف المصدر "خزانات محطات الإسالة في إدكو ودمياط صُممت أساسًا لأغراض التشغيل والتصدير، وتكفي عادة لتغطية احتياجات لا تتجاوز عدة أيام إلى أسبوعين، وليس أشهر الصيف كاملة".

مستقبل الاستيراد.. قطر أم إسرائيل؟

اللافت أننا نتوسع في استيراد الغاز أيضًا، فخلال الفترة الأخيرة عدَّلنا اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، بحيث يمتد تنفيذه إلى 2030، وفي نفس الوقت بدأنا مفاوضات جدية على استيراد الغاز القطري.

ويشرح المصدر أن الغاز الإسرائيلي هو الأفضل سعرًا لمصر في الوقت الحالي، لذلك ترغب مصر في التوسع في استيراده، لكن في نفس الوقت لا تضع كل رهاناتها على إسرائيل، لهذا تعمد إلى تنويع مصادر الغاز باللجوء إلى قطر.

ويشرح المصدر "تستورد مصر مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الإسرائيلي عبر خطوط أنابيب بتسعيرة مناسبة للغاية، قد تكون نصف سعر استيراد الغاز المسال من دول أخرى مثل قطر وغيرها".

و أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول الماضي المصادقة على تعديل صفقة الغاز مع مصر بعد أربعة أشهر من توقيع اتفاق تمديدها، لكن موقع "mees" الإخباري قال في 9 يناير إن الاتفاق الجديد  غير مطبق حتى الآن بسبب الخلاف بين الجانبين على بعض شروطه.