تصميم: أحمد بلال
يجتذب النشاط العقاري تمويلات البنوك بسبب فرصه الكبيرة في النمو

مزايا ومخاطر اقتراب البنك الأهلي من "طلعت مصطفى"

منشور الاثنين 4 أيار/مايو 2026

الشهر الماضي، أطلقت مجموعة طلعت مصطفى أحد أهم مشروعاتها العقارية الضخمة، "ذا سباين"؛ بشراكةٍ مع البنك الأهلي؛ الذي ساهم بنسبة 24.5% من المشروع، ولم يكتفِ بأن يكون جهة إقراض، كما جرت العادة في استثمارات القطاع المصرفي العقارية. 

حجم مساهمة البنك في المشروع، والمقدرة بنحو 17 مليار جنيه، لفتت الأنظار، بعد تأكيدات مسؤولي البنك المتكررة على التوجه إلى الشراكات المرتبطة بالقطاع المالي، باعتباره الأقرب لنشاطه كبنك تجاري. 

وهذه ليست أول شراكة للبنك الأهلي في مشروع عقاري؛ فهناك سابقة شهيرة في التسعينيات مع المطور العقاري حسين صبور؛ نتج عنها "الأهلي صبور" صاحبة المشروعات الكبيرة مثل مستقبل سيتي. ولكن رغم ذلك تظل شراكات البنك في القطاع العقاري متباعدة.

ومع تجددها اليوم مستهدفةً بناء سلسلة من الأبراج الفارهة، أثارت الشراكة الجديدة الجدل حول أولويات القطاع المصرفي، وما إذا كان على البنوك أن توجه تمويلاتها لأنشطة ذات عائد على القطاع الأكبر من المجتمع، بدلًا من أن تخص شريحة صغيرة على قمة هرم الدخل والثروة.

تجارة رابحة؟

قال محللون إن توجّه البنك الأهلي إلى الشراكات العقارية يرجع إما إلى توقعات عوائدها المرتفعة مقارنة بعوائد الاستثمارات المالية المتراجعة، أو إلى توجهات لدى الدولة نحو هذا النموذج من الشراكات، وتكراره في مشروعات أخرى.

"دخول البنك الأهلي شريكًا في مشروع عقاري يعكس تحوّلًا واضحًا في طريقة توظيف السيولة لدى البنوك الكبرى"، كما يفسِّر لـ المنصة إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال للاستثمارات المالية.

وحسب القوائم المالية للبنك الأهلي، فإن أصول البنك تتركز في القروض التي يمنحها للشركات والأفراد، والتي تتجاوز أربعة تريليونات جنيه، تليها استثمارات البنك المالية، وأغلبها من الأذون والسندات الحكومية، ما يجعلُ الأنشطةَ الماليةَ مصدرَ إيراداته الرئيسي.

لكنَّ اللافت بالنسبة لسلمى عاطف، محللة القطاع العقاري في شركة نعيم لتداول الأوراق المالية، كان حجم مساهمة البنك في الصفقة "ليست أول مرة يدخل بنك في مشروع عقاري، لكن اللافت حجم المشاركة".

وتشرح لـ المنصة أن الأنماط المعتادة لاستثمارات البنوك في العقارات، قبل هذه الصفقة، كانت أن يمنح قروضًا للمطور العقاري، أو تمويلًا عقاريًا للمشترين، أو أن يستثمر في صندوق عقاري.

لكن في حالة ذا سباين، وفق علي الدجوي، محلل القطاع المالي بشركة أسطول لتداول الأوراق المالية، "يبدو أن البنك لا يكتفي بدور الممول أو المستثمر المالي، بل أقرب إلى شريك استراتيجي، يمتلك تأثيرًا في توجيه القرار الاستثماري ومسار المشروع، وهو تطور لافت في طبيعة العلاقة بين البنوك والقطاع العقاري في مصر".

ولا يلفت وجود البنك الأهلي في الصفقة الأنظار فقط بسبب طبيعته المصرفية، ولكن لأنه أكبر بنك حكومي، ما جدد الجدل حول دعم الدولة لنموذج طلعت مصطفى الاستثماري.

وتثير مشروعات طلعت مصطفى انتقادات واسعة بسبب طبيعتها الفارهة، في بلد يعاني فيه القطاع الأكبر من السكان من عدم ملائمة دخولهم مع أسعار الوحدات المطروحة.

إلى ماذا ينظر البنك الأهلي؟

أما عن أسباب اهتمام البنك الأهلي بالاستثمار في المشروع، فيرجح رشاد أن تكون مدفوعة برغبته في البحث عن استثمارات ذات عائد مرتفع، خاصة مع تراجع عوائد الاستثمار المالي في الوقت الراهن.

ويقول رشاد لـ المنصة "البنوك، وعلى رأسها  الأهلي، باتت تمتلك خلال الفترة الأخيرة سيولة كبيرة تحتاج إلى توظيف أكثر كفاءة، الاعتماد فقط على أدوات الدين الحكومية مثل أذون وسندات الخزانة لم يعد الخيار الأكثر ربحية، خصوصًا مع ترقب خفض أسعار الفائدة".

واتجه البنك المركزي منذ أبريل/نيسان 2025 إلى خفض أسعار فائدة الإقراض بمقدار 8.25% لتصل إلى 19%، بعد عامين من التشديد النقدي، مستفيدًا من تراجع التضخم. وبينما يُشكك الخبراء في قدرته على الاستمرار في تيسير أسعار الفائدة مع موجة التضخم الناتجة عن حرب إيران؛ تظل معدلات الفائدة المتوقعة منخفضة، بالمقارنة بالمستويات غير المسبوقة التي بلغتها في 2024.

وتُرجح المُحللة العقارية سلمى عاطف أن تكون شراكة البنك الأهلي مدفوعة أيضًا بتوجه الدولة إلى تعزيز نموذج التحالفات الاستثمارية المباشرة في شراكة مؤسسات القطاع العام مع القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الكبرى، بدلًا من الاكتفاء بالتمويل التقليدي.

هل تحب البنوكُ العقارات؟ 

قد يكون تنفيذ هذه الشراكة اتجاهًا جديدًا في القطاع المصرفي، لكنَّ رغبة البنوك في تمويل العقارات كانت لها  مؤشرات قوية سابقة على مشروع "ذا سباين". فبحسب بيانات البنك المركزي؛ يستحوذ نشاط التطوير العقاري على 10.3% من التسهيلات الائتمانية المقدمة لأكبر 100 عميل للبنوك، وإذا أضفنا إليه الإنشاءات؛ تصل لأكثر من ثلث ائتمان البنوك.

ويفسّر الدجوي إقبال البنوك على تمويل القطاع العقاري والإنشاءات، برؤيتها أن هذا القطاع قادرٌ على تأمين تدفقات نقدية أكثر انتظامًا من قطاعات أخرى.

"تعتمد مشروعات عقارية مثل ذا سباين على الإيجار، ما يوفر دخلًا دوريًا ثابتًا. ويسمح القطاع العقاري بشكل عام بإعادة تسعير الوحدات مع تغير السوق، كما يتطلب تكاليف تشغيل وصيانة أقل نسبيًا مقارنة ببعض الأنشطة الأخرى"، كما يقول الدجوي.

ويقارن الدجوي العقارات بالصناعة التي "قد تتأثر إيراداتها بعوامل تشغيلية أو بتعطل سلاسل الإمداد. وبصفة عامة فإن مستوى المخاطر التشغيلية لديها أعلى".

وعانى القطاع الصناعي من التشديد النقدي خلال الفترة الماضية. ورغم إطلاق الدولة مبادرة للتمويل الصناعي بفائدة ميسرة؛ كانت التمويلات المقدمة محدودة القيمة، وأُعلن عن أكثر من عملية إعادة هيكلة لديون شركات صناعية كبرى خلال الفترة الأخيرة.

حتى الآن؛ فإن القطاع العقاري حصان رابح في جذب تمويلات البنوك، لكن ألا ينطوي الأمر على مخاطرة؟

منافسة صعبة ولكن؟

يُعد "ذا سباين" امتدادًا لمشروع مدينتي، الذي آثار جدلًا واسعًا قبل عقدين بسبب تخصيص الأرض مجانًا لطلعت مصطفى مقابل حصة للدولة في المشروع السكني المقام عليها، ما دعا حقوقيين للطعن على عقد الأرض.

وتُسوِّق "طلعت مصطفى" ذا سباين باعتباره "وسط البلد" بالنسبة للمشروع السكني القديم؛ تضم عددًا ضخمًا من الأبراج الإدارية الشاهقة وأشكالًا متنوعة من الترفيه، تجعل منها مساحة إدارية وتجارية ضخمة في شرق القاهرة بتكلفة تقرب من 27 مليار دولار.

"رغم جاذبية المشروع، فهو يواجه تحديات لتحقيق نسب إشغال مرتفعة للعدد الكبير الذي يطرحه من الأبراج والتي تصل إلى 165 برجًا" كما يقول الدجوي.

وتشير تحليلات إلى تباطؤ المبيعات العقارية خلال الفترة الأخيرة، بما فيها مبيعات شركة طلعت مصطفى، إذ ساهم هدوء التضخم واستقرار سعر الدولار في جعل أصحاب المدخرات أقل حماسًا لحفظ أموالهم في العقارات. 

"حين يضم مشروع ما، مثلًا، 165 برجًا، وكل برج مكوّن من 30 طابقًا، يصبح السؤال الأساسي: كم طابقًا من هذه المساحات يمكن تأجيره بالفعل؟ هل يمكن أن تصل نسبة التشغيل إلى 70% من إجمالي المباني، أم ستقف عند 30% أو 20% فقط؟" كما يتساءل الدجوي.

من جانبه، يُحذر مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول، لـ المنصة من المنافسة التي سيواجهها مشروع "ذا سباين"  مع المناطق العمرانية المحيطة "خاصة مع قربها من العاصمة الإدارية الجديدة ومستقبل سيتي، وهو ما يخلق منافسة واضحة على شريحة محددة من العملاء، خصوصًا أصحاب الدخول المرتفعة الباحثين عن وحدات سكنية أو استثمارية في شرق القاهرة".

وقبل نحو عقد أطلقت الدولة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي لاقى انتقادات بسبب التوسع الكبير في إنشاء وحدات عقارية وخدمية تستهدف فقط الشريحة العليا في هرم الدخل والثروة، وتدخل "ذا سباين" في منافسة على هذه الشريحة المحدودة من المستهلكين.

لكنَّ شفيع يلفت إلى أنها "استطاعت أن تحافظ على مبيعات قوية في مشروعاتها مثل مدينتي والرحاب، إلى جانب توسعها الخارجي مؤخرًا في أسواق عربية".

يراهن المحللون على نموذج طلعت مصطفى المعتمد على جذب مدخرات المصريين المغتربين والأجانب من الخارج، خاصة مع إثبات قدرته على جمع إيرادات ضخمة خلال السنوات الماضية، وهو توجه واضح في الحملات الإعلانية للمجموعة، التي أصبحت تُقدَّم أيضًا بالإنجليزية.

لكن رغم ذلك؛ تظل الأسئلة التي طرحوها بشأن تحديات المشروع بلا إجابات حتى الآن.