شبكات مشبوهة.. ملاذ حميدتي الآمن تحت سماء دبي المشمسة
"مكان مشمس للأشخاص المشبوهين"؛ هذا وصفُ مدينة دبي الإماراتية عند نيك دونوفان، الصحفي الأمريكي الذي نشرت له منظمة ذا سنتري/The Sentry الأمريكية غير الربحية تقريرًا، أمس الثلاثاء، يوثق امتلاكَ شبكة من الأفراد المرتبطين بقائد قوات الدعم السريع السودانية محمد حمدان دقلو "حميدتي"، محفظةً عقاريةً تُقدَّر قيمتها بنحو 24 مليون دولار في الإمارات.
تغضُّ دبي البصر عن الجرائم التي ترتكب خارج حدودها ما يجعلها تكتسب سمعتها بوصفها المكان الذي يقصده "الأشخاص الفاسدون الذين جمعوا أموالًا من بيع مكونات أسلحة نووية أو كيميائية"، كما يقول دونوفان في تصريحات خاصة إلى المنصة، لافتًا لما تتيحه من بنية مصرفية لجمع الأموال، و"توفير الدعم السياسي والمكان الآمن الذي يمكن لعائلات القادة الإقامة والاحتماء فيه".
يشير الصحفي الأمريكي إلى أن الإمارات تتعامل مع ميليشيا الدعم السريع كحالة خاصة من المجرمين؛ إذ "توفر دعمًا ماديًا مباشرًا للميليشيا، وتسمح لها بتأسيس شركات في البلاد، واستخدام نظامها البنكي والقانوني لجمع الأموال وبيع وشراء الذهب"، وهو ما انتهت إليه سلسلة التحقيقات التي عمل عليها على مدار العام الماضي بهدف كشف شبكة العلاقات المشبوهة بين الدولة الخليجية وقوات حميدتي المتهمة بارتكاب إبادة جماعية وأعمال وحشية في حرب السودان.
شبكة وشركة وعقارات
بدأ دونوفان عمله بدافع فضول شخصي حول الطريقة التي تجمع بها هذه الميليشيا المال وتشتري الأسلحة والمركبات المستخدمة في الحرب، ما قاده إلى مجموعة من الشركات المسجلة في دبي والتي تعمل كواجهة لها.
يقول لـ المنصة إنه كان يحاول معرفة كيف تدعم الإمارات ميليشيا الدعم السريع، عبر عدد من المهام، حيث "توفر بنية تحتية قانونية وشركاتية تتيح لها العمل وجمع الأموال واستخدام النظام المصرفي، كما توفر دعمًا سياسيًا ومكانًا آمنًا يمكن لعائلات القادة الإقامة والاحتماء فيه".
يوضح دونوفان أكثر أن الشركات المسجلة في دبي هي من يشتري سيارات تويوتا 4x4 المُستخدمة في الصحارى، كما تشتري الذهب المهرب من السودان إلى الإمارات، لافتًا بالأخص إلى شركة Prodigious Real Estate Management Supervision Services، التي سبق وكشفت المنظمة امتلاكها ثلاث شقق في دبي كانت مسجلة باسم حميدتي نفسه قبل بيعها للشركة في 2022.
وفقًا لتقرير "ذا سنتري"، المنظمة المعنية بتتبع شبكات الفساد والتمويل غير المشروع المرتبطة بالنزاعات والانتهاكات الجسيمة حول العالم، تضم شبكة العلاقات المشبوهة أفرادًا من عائلة دقلو، إلى جانب أشخاص خاضعين لعقوبات دولية بسبب صلاتهم بقوات الدعم السريع، وشركات أخرى مرتبطة بها، تجمعهم المحفظة العقارية المقدرة بـ24 مليون دولار الموزَّعة على أكثر من 20 عقارًا في دبي، يقع عدد منها داخل مُجمَّعٍ سكنيٍّ مغلقٍ، بالإضافة إلى بعض العقارات المستأجرة، ما يعزز صورة الإمارة كملاذ لعائلة قيادة قوات الدعم السريع وثرواتها.
ويتهم السودانُ الإماراتَ بتقديم دعم عسكري وتسليح قوات الدعم السريع، ورفع العام الماضي دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية التي أخذت بالنفي الإماراتي ورفضت الدعوى السودانية بتورط أبوظبي في ارتكاب إبادة جماعية.
يرصد التقرير أن أفرادًا من عائلة دقلو اشتروا واستأجروا بنمطٍ متكرر عقارات داخل المجمّع السكني نفسه
ويقود الدعم السريع الإخوة الثلاثة: حميدتي، وعبد الرحيم، والقوني دقلو، وجميعهم خاضعون لعقوبات أمريكية أو أوروبية أو أممية. وتشكلت في عام 2013 من ميليشيات "الجنجويد" التي قاتلت في دارفور إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وشاركت في ارتكاب الإبادة الجماعية ضد سكان القرى غير العربية، بين سبتمبر/أيلول 2003 وأواخر فبراير/شباط 2004.
وقُنِّنتْ أوضاع قوات الجنجويد رسميًا في 2017 لتتبع القوات المسلحة السودانية، لكنها ظلت تعمل قوةً مستقلةً وشبه عسكرية. وفي 2023 اشتعلت مواجهة مفتوحة بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية أدت للحرب الأهلية السودانية التي ما زالت مستمرة.
مجمعُ عقاراتٍ عائليٌّ
تثبت السجلات التي بحوزة نيك دونوفان أن شركة Prodigious llg المملوكة لأبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، الخاضع لعقوبات أمريكية منذ يناير/كانون الثاني 2025 بصفته مالكًا لشركات أخرى موّلت الدعم السريع وزودته بمعدات عسكرية، اشترت في عام 2022 فيلتين فاخرتين من 6 غرف نوم في مجمّع مغلق قرب مضمار ميدان في دبي مقابل أكثر من خمسة ملايين دولار.
إلى جانب الممارسات العقارية من جانب Prodigious llg، يرصد التقرير شراء أفراد من عائلة دقلو، واستئجارهم بنمطٍ متكررٍ عقارات داخل المجمّع السكني نفسه أو على مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام من العقارات المرتبطة بالشركة.
ويشير إلى أن القوني دقلو استأجر فيلا مشابهة في المنطقة نفسها في أكتوبر/تشرين الأول 2022، مقابل 144 ألف دولار سنويًا. وبعده بعام، استأجرت فاطمة آدم عيسى حمدان، التي تُرجِّح المنظمة ارتباطها بعبد الرحيم دقلو، فيلا أخرى في الشارع نفسه.
أيضًا استأجرت رقية يعقوب إسماعيل علي، التي تبدو مرتبطة بالقوني، فيلا مشابهة في الجوار في أكتوبر/تشرين الأول 2024. كما اشترت زهراء عبد الرحيم حمدان دقلو، وهي شابة في العشرينيات تبدو جزءًا من عائلة دقلو الممتدة شقة بقيمة 1.2 مليون دولار داخل المجمّع ذاته في فبراير/شباط 2023.
كذلك اشترت زوجة حميدتي، آمنة موسى عيسى يوسف، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قطعة أرض داخل مشروع فاخر قيد الإنشاء قرب Trump International Golf Club مقابل 850 ألف دولار. كما يملك موسى حمدان دقلو، وهو شقيق آخر لحميدتي غير خاضع للعقوبات، شقة في منطقة Jumeirah Village Circle تقدر قيمتها بنحو 1.2 مليون دولار.
يفسر دونوفان السلوك الرامي لحشد أغلب العقارات، سواء الملوكة أو المستأجرة، في منطقة واحدة، بأنه "قد يشير إلى احتمال أن تكون القيادة الإماراتية فضّلت تجميعهم في مكان واحد لتوفير مستوى إضافي من الحماية لهم".
ويوضح لـ المنصة أنه فضل استخدام صيغة "يبدو مرتبطًا بعائلة دقلو"، لمزيد من الدقة، رغم استناد التقرير للمعلومات المعتمدة على أكثر من قرينة والمجمّعة من مصادر بيانات مختلفة، ورغم أن العائلة نفسها لم تنفِ هذه الصلات عند مواجهتها بالمعلومات قبل النشر، وإن أكدت أنها حصلت على أي مساكن أو أصول خاصة "بصورة مشروعة"، وأن أفرادها منخرطون منذ أجيال في أنشطة تجارية خاصة مثل تجارة الماشية.
لكن ربط العائلة ثرواتها بتاريخها الطويل في التجارة لا يُبدد أسئلة الصحفي الأمريكي حول مصادر هذه الأموال، فالعائلة استفادت من سيطرتها الأمنية واحتكار القوة في دارفور لتعزيز نشاطها التجاري هذا تاريخيًا، كما تمكّنت من الاستفادة من نشاط التعدين الأهلي للذهب، وفرض ضرائب ورسوم حماية على العاملين فيه.
مستشارون معاقبون
يعود جزء كبير من المحفظة، تُقدِّره المنظمة بنحو 14 مليون دولار، لأشخاص خاضعين لعقوبات غربية بسبب صلاتهم بالدعم السريع، من بينهم مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، المعاقب أوروبيًا بوصفه "مستشارًا ماليًا للدعم السريع وعائلة دقلو"، إذ يملك شقة بقيمة 700 ألف دولار في برج خليفة.
تشير المنظمة إلى أن مصطفى كان شريكَ موسى حمدان دقلو في شركة أمنية امتلكت أسهمًا في بنك الخليج السوداني الخاضع لسيطرة قيادة الدعم السريع، والمشمول أيضًا بالعقوبات الأوروبية كونه "مستشارًا ماليًا للدعم السريع وعائلة دقلو".
يلفت دونوفان إلى غياب الخط الفاصل بين أعمال عائلة دقلو وأعمال "الدعم السريع"
تعود الحصة الأكبر من المحفظة العقارية إلى طه عثمان أحمد الحسين، المسؤول السابق في مكتب عمر البشير، الذي تقول وزارة الخزانة الأمريكية إنه تحوّل إلى إدارة العلاقة بين الدعم السريع و"فاعلين إقليميين" لدعم جهوده الحربية.
ووفق ملف Dubai Unlocked التابع لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، اشترى الحسين عقارات في دبي بقيمة 10.3 مليون دولار بين 2020 و2023. بينما تقدر "ذا سنتري" قيمة محفظته الحالية بنحو 13 مليون دولار. لذا السببب يعتبره دونوفان "حلقة وصل مهمة بين قيادة الإمارات والميليشيا".
يلفت أيضًا إلى تداخل النشاط العائلي مع نشاط المليشيا نفسها. ففي تقديره، لا يوجد فصل واضح بين "أعمال العائلة" و"أعمال الدعم السريع"، إذ إن الشخص الذي يدير الشركة المالكة لبعض هذه العقارات هو نفسه، وفق سلطات العقوبات الأميركية، منخرط في بيع الذهب لصالح قوات الدعم السريع.
ولم تتمكن المنظمة من الوصول إلى شركة Prodigious للتعليق، وإن سبق لمالكها أن رفض الرد على أسئلة مرتبطة بدوره في شركات خاضعة للعقوبات، قائلًا إن المسائل قيد إجراءات قانونية. أما مصطفى إبراهيم عبد النبي فقال إنه ليس مستشارًا ماليًا للدعم السريع، بل "مدير مالي مُعار" للقوات منذ 2017، حين كانت كيانًا منظمًا وفق قوانين السودان، وأضاف أنه لم يشارك منذ اندلاع الحرب في أي نشاط يعرقل السلام والاستقرار في السودان.
بماذا تخبرنا هذه العقارات؟
لا يكتفي التقرير بعرض الأصول، بل يضعها ضمن سلسلة من أربع نشرات أصدرتها المنظمة عن العلاقة بين عائلة دقلو والدعم السريع والإمارات. وتقول إن هذه العقارات "تسلط ضوءًا إضافيًا" على هذه العلاقة.
وتحدثت تحقيقات صحفية سابقة عن تدفق أسلحة وطائرات مسيّرة إلى الدعم السريع من الإمارات، مقابل تدفقات ذهب مهرب في الاتجاه المعاكس، من بينها تحقيق نشرته نيويورك تايمز في ديسمبر/كانون الأول 2024 انتهى إلى أن الذهب أحد مفاتيح فهم الحرب في السودان باعتباره مصدر تمويل مباشر للصراع، لافتًا لنقل كميات كبيرة منه عبر شبكات معقدة تمر بدول مجاورة قبل أن تصل إلى دبي، حيث يعاد إدخالها في السوق العالمية.
وتسيطر قوات الدعم السريع على عدد من مناجم الذهب المهمة، خصوصًا في دارفور، ما يوفر سيولة تمكّنها من شراء السلاح والطائرات المسيرة ودفع رواتب المقاتلين ومواصلة الحرب.
أما تحقيق Global Witness في ديسمبر 2019، فيوثق استخدام قوات الدعم السريع شبكةً من الشركات والبنوك في الإمارات واجهةً لغسل الثروات المنهوبة خلال الحرب لإدارة الأموال والاستثمارات وتحويل العائدات بعيدًا عن الرقابة.
في آخر حديثه مع المنصة لا يعتبر دونوفان النشاط العقاري الذي رصده منفلتًا أو فرديًا، بل هو دعم يُقدَّم لقوات الدعم السريع من أعلى قيادة في الإمارات، لافتًا إلى تقرير آخر أعده مع ذا سنتري في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، معتبرًا إياه "أهم تحقيق"، حيث اكتشفوا بعد بحثهم في خلفية بعض المرتزقة الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان لتدريب جنود الدعم السريع، بما فيهم من أطفال، أن شركة مسجلة في الإمارات باسم Global Security Services Group (GSSG) هي المسؤولة عن تجنيدهم، وعندما بدأ البحث في بيانات هذا الشركة، وجد أن صاحب هذه الشركة هو محمد أحمد الحميري، أمين عام ديوان الرئاسة في الإمارات، وهو ما يعتبره الصحفي الأمريكي دليلًا على الدعم الذي يتلقاه الدعم السريع من أعلى قمة في الإمارات.


