"التطعيمات الإضافية" للأطفال.. الحماية لمن يملك الثمن
"يونس"، "عبد الرحمن"، "مصطفى"، "لين"؛ أطفالٌ تتراوح أعمارهم بين ثمانية أشهر وأربعة أعوام يفرض قانون الطفل المصري الصادر عام 1996 أن يتساووا في الرعاية الصحية التي يتلقونها، وتضمن وزارة الصحة حصولهم على التطيعمات التي تبدأ من عمر يوم حتى عمر عام ونصف العام، إلا أنه إلى جوار هذا الجدول الإجباري يُوجد جدولُ تطعيمات إضافية غير مدعومة تضمن تجربةً صحيةً أفضلَ لا يحصل عليها إلا من يملك ثمنها.
يشمل جدول التطعيمات الإضافية سبعة تطعيمات، بينها تطعيم الروتاريكس الذي يحمي الأطفال من النزلات المعوية والجفاف، وتطعيم المكورات الرئوية والكبدي (أ) والورم الحليمي الذي يعطى للمراهقين، ويحمي من بعض أنواع السرطانات، وكلها توصي بها منظمة الصحة العالمية للأطفال ووزارة الصحة المصرية، وتدرجها غالبية الدول العربية على جداول تطعيماتها الإلزامية، كما تتوسع فيها غالبية الدول الإفريقية ذات الدخل المنخفض بدعم من التحالف العالمي للقاحات والتحصين/ GAVI.
ورغم أن هذه التطعيمات تُتاح في مصر عبر مراكز المصل واللقاح "فاكسيرا" والصيدليات الكبرى أو عيادات الأطباء، فإنها بعيدة عن متناول أغلب الأسر، إذ تتراوح أسعار الجرعة الواحدة التي ارتفعت العام الماضي بنسبة 40% بين 700 و3700 جنيه، ويحتاج اللقاح من جرعتين إلى ثلاث جرعات حسب التوصيات الصحية، ما يعني مضاعفة هذه الأرقام مرتين أو ثلاث مرات، لتتراوح التكلفة بين 18 ألفًا حال اختيار التطعيمات الأقل سعرًا، و21 ألف للتطعيمات الأعلى سعرًا.
لا يشير تفاوت السعر هنا إلى جودة المنتج، بل إلى تنوع الخيارات المتاحة للتطعيم الواحد بين نوعين أو ثلاثة، تختلف فيما بينها في طريقة العمل أو عدد السلالات التي تقي منها.
وقاية صحية بدرجتين
لم تتأثر ريهام محمد (28 عامًا وأم لطفلين) بحديث الطبيب الذي تتابع معه حالة طفلها الأصغر عبد الرحمن (8 أشهر) عن أهمية هذه التطعيمات، إذ حسمت أمرها بعدم إعطائها لطفلها.
"ماحدش من اللي حولينا اداها لعياله، كمان أنا ما ادتهاش لابني الأول يبقى ما ادهاش للتاني.. وإللي حسم القرار خالص كان سعر التطعيمات قولت للدكتور 700 جنيه في الحقنة الواحدة!"؛ تشرح لـ المنصة أسباب إحجامها عن إعطاء طفلها هذه الجرعات الإضافية.
يختلف مستوى الوقاية الصحية التي يحصل عليها طفلا ريهام عن تلك المتوفرة ليونس ذي العام ونصف العام، إذ تتعامل أسرة الأخير معه بـ"الشوكة والسكينة"، حسب وصف والدته سلمى بدر لـ المنصة.
تفسر بأن "يونس هو الطفل التاني. كان في ولد قبله مات وهو عنده 15 يوم"؛ لذلك قررت منح طفلها الوحيد كل التطعيمات الإضافية.
تلحظ سلمى أثر التطعيمات الإضافية على طفلها؛ "حالته أحسن من أطفال كتير حولينا. مرة جاله دور برد شديد واضطرينا نعمل جلسات بخار، الدكاترة الثلاثة اللي متابعين معاهم أكدوا لنا أنه لولا تطعيم المكورات الرئوية اللي خده كنا ممكن ندخل في التهاب رئوي".
والتطعيم ضد المكورات الرئوية هو أحد التطعيمات الإضافية، يبلغ سعر الجرعة الواحدة منه نحو 700 جنيه، ويقي الأطفال من الالتهاب الرئوي، والتهاب السحايا، وتسمم الدم، والأذن الوسطى، وأُدخل في 163 دولة حتى نهاية 2024، حسب منظمة الصحة العالمية.
أعلى وقاية بأقل تكلفة
في توقيت كل جرعة، تدخل دعاء محمد والدة التوأم لين ومصطفى (ثلاث سنوات) معضلة كيفية تدبير تكلفة التطعيمات الإضافية؛ "الشهر اللي بيكون فيه تطعيم بيكون ضاغط مع تكلفة حفاضات ولبن صناعي لطفلين"، تقول لـ المنصة.
يجعل امتلاك أطفال الأسرة تاريخًا مرضيًّا مع الحساسية، التطعيمات الإضافية "ضرورة مش رفاهية" بالنسبة لطفليّ دعاء، وهو ما يضطرها لضغط مصروفاتها لتوفيرها لهما "حتى لو هقصّر في أكلي".
قبل الولادة جمعت دعاء المعلومات عن كل تطعيم؛ سعره وفائدته وموعده، وعقب الولادة تابعت مع طبيب "كنا بنتناقش إزاي نوفر أعلى وقاية بأقل تكلفة".
تحت هذا المبدأ اتخذت الأم الثلاثينية بعض القرارات؛ "مثلًا اخترنا نوع تطعيم الروتاريكس اللي جرعتين مش الثلاث جرعات، ومرة فوتنا جرعة التسعة أشهر من تطعيم الكبدي (أ) وخدنا جرعة السنة الدكتور قال مش هتأثر أوي".
تخوض دعاء، التي تعمل صحفية حرة، حاليًا صراعًا مع الزمن لتوفير سعر تطعيم الجديري المائي قبل دخول الصيف؛ "دا الوقت إللي بينشط فيه الفيروس وبيبهدل العيال، كمان هبقى في وقت محتاجة أنزلهم حضانة.. عندي تحدي أوفر سعر التطعيم اللي في أقل تقدير هيكون 1500 للجرعة الواحدة للطفل الواحد، يعني عايزة 3000 جنيه على الأقل قبل الصيف، وزيهم كمان ثلاثة شهور للجرعة الثانية"
الأقاليم.. وجود محدود
إن كانت ريهام وسلمى ودعاء غير متساويات في قدرتهن على شراء التطعيمات الإضافية، فجميعهن متساويات في توافر هذه التطعيمات في محيطهن، سواء كان عيادات الأطباء أو مراكز المصل واللقاح (فاكسيرا).
ففي حين تحظى القاهرة وحدها بـ18 فرعًا لفاكسيرا و4 في الجيزة وواحد في الإسكندرية، يخدم فرع واحد في كفر الشيخ محافظات الدلتا، فيما يكتفي الصعيد بفرعين في بني سويف وأسيوط افتتحا حديثًا خلال العامين الماضيين. على ذلك يمكن فهم اندهاش شيماء سيد، ذات الثلاثين عامًا من محافظة سوهاج، عندما سمعت للمرة الأولى بوجود التطعيمات الإضافية.
أنجبت شيماء ثلاثة أطفال، وكلما حل موعد تطعيم أحدهم تركب توكتوك من قريتها ونينة الغربية للقرية المجاورة، حيث لا يوجد مكتب الصحة. سارت أمورها بهذا الشكل، حتى أخبرها زوجها بأنهم سينقلون حياتهم إلى شبرا الخيمة، حيث مصدر الرزق الجديد.
عندما أتمت هاجر ابنة شيماء شهرها الثاني، حملتها إلى أقرب مكتب صحة بشبرا الخيمة؛ "هناك لقيت اتنين من الأمهات بيتكلموا عن تطعيمات تانية غير تطعيمات الصحة"؛ تقول لـ المنصة.
حُرمت شيماء، الحاصلة على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية، وكل من في محيطها حتى من الحق في المعرفة؛ "ماحدش من اللي حواليا يعرفوا إن في تطعيمات خارجية، حتى الدكتور اللي بتابع معاه في المركز ماقليش عليها".
حينها تمنت الأم لو كانت تعرف بهذه التطعيمات، فربما حافظ ذلك على طفلها الأوسط "عبد الرحمن" (أربع سنوات) من الإصاية بالالتهاب الرئوي الذي يضطرهم لاحتجازه بالمستشفى كلما أصيب بدور برد.
"جاله دور برد تقيل وهو أربع شهور اتطور لالتهاب رئوي"؛ وقتها لم تعرف شيماء بتطعيم المكورات الرئوية؛ "لو كان حد قالي في تطعيم هيغنينا عن الحجز في المستشفيات كنت ادتهوله حتى لو بفلوس".
هذا المنطق في التفكير يتبناه طبيب الأطفال بمحافظة سوهاج محمد إيهاب، ويؤكد لـ المنصة أن تكلفة توفير التطعيمات الإضافية بشكل مجاني من الدولة على المدى البعيد سيكون أوفر من "ترك الأطفال تتعب ويحتاجوا إلى حجوزات وعلاج".
بين سوهاج والتجمع
بحكم وجود عيادتين له، واحدة في سوهاج والأخرى في التجمع بالقاهرة، يقارن إيهاب محمد حالة الوعي وانتشار التطعيمات الإضافية بين المحافظتين؛ "في التجمع الوعي بوجود التطعيمات أكتر والعامل المادي مش أزمة"، أما في سوهاج فيشدد على تأثير العامل المادي؛ "على مدى 20 عام بُذل جهد لتعريف الأهالي بالتطعيمات الإضافية وفيه نتائج جيدة لده، ولكن لسه المجهود أقل من المطلوب لسه في أُسر محتاجة توعية من الصفر".
في ظل غياب مراكز "فاكسيرا" عن غالبية المحافظات تصبح عيادات الأطباء المصدر لهذه التطعيمات
التفاوت الذي يرصده إيهاب بين القاهرة وسوهاج، يظهر بصورة أكبر في القرى البعيدة عن المدن والمراكز، هناك "مافيش تطعيمات إضافية في القرى وفي المدينة موجودة بنسبة 5%"، يقول طبيب الأطفال أسامة جودة لـ المنصة بحسم.
في ظل غياب مراكز فاكسيرا عن غالبية المحافظات، تصبح عيادات الأطباء المصدر لهذه التطعيمات إلى جانب الصيدليات الكبرى، وهنا يرصد إيهاب "مشاكل في التوريدات" يقابلها الأطباء لجلب التطعيمات إلى المحافظة.
"أوقات كمية التطعيمات اللي داخله مصر بتكون قليلة. في ناس بتعرف ده وتبدأ تخزنها وتعرضها في السوق السوداء دا بيحصل في القاهرة برضه، بس أثره مش زي سوهاج بحكم انتشار فروع المصل واللقاح" يقول طبيب الأطفال ويلفت إلى أن أحدث تطعيم حصل فيه نقص وسعره تضاعف كان تطعيم الجديري المائي، "من تلت شهور قبل ما يرجع يتوفر تاني".
لهذا يدعم إيهاب افتتاح فرع للمصل واللقاح في سوهاج لتجاوز نقص التطعيمات، لأن فرع أسيوط "بيخدم من المنيا لأسوان"، كما يؤكد مديره الدكتور محمد محمود لـ المنصة.
لماذا لا تُدرج في جداول الصحة؟
أمام هذا التفاوت في القدرة على الوصول إلى التطعيمات الإضافية لأسباب مادية أو جغرافية، ومع تنامي التوصيات بأهميتها، سواء من أطباء الأطفال أو عبر المنصات الرسمية لوزارة الصحة، يصبح السؤال "لماذا لا تُدرج التطعيمات الإضافية على جداول الصحة لضمان تكافؤ فرص الوصول إليها؟".
في يناير/كانون الثاني، تقدمت النائبة مي كرم جبر بطلب إحاطة موجه إلى وزير الصحة، بشأن عدم إدراج لقاحي الروتاريكس والمكورات الرئوية ضمن منظومة التطعيمات المجانية المقررة للأطفال الرضع حتى سن ستة أشهر.
ويحدد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أسباب عدم حدوث ذلك في "أولويات الصحة العامة"، التي تركز على "الأمراض الأكثر تهديدًا للحياة"، فضلًا عن ضرورة ضمان استدامة الإمداد قبل الإقبال على إدخال هذه التطعيمات في جدول التطعيمات الإلزامية.
هناك خطة مستقبلية لإدماج هذه التطعيمات في الجداول الإلزامية
وبيّن لـ المنصة أن إدخال أي تطعيم يتم من خلال تقييم علمي تقوم به "اللجنة القومية للتطعيمات وفق معايير دقيقة تشمل العبء المرضي والجدوى الاقتصادية".
يفرّق عبد الغفار بين التطعيمات الإلزامية والإضافية بأن الأولى "تهدف إلى الوقاية من الأمراض ذات العبء الوبائي الأعلى وتأثيرها المباشر على الصحة العامة، مثل شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا، أما ما يُعرف بالتطعيمات الإضافية، فهي لقاحات مهمة أيضًا، لكنها تُدرج وفقًا لأولويات صحية واقتصادية محددة، مثل عبء المرض، وتكلفة اللقاح، وتوصيات منظمة الصحة العالمية، ومدى تأثير إدراجها على استدامة المنظومة".
وشدد على أن "الاختلاف ليس في الأهمية الطبية، بل في أولوية الإدراج ضمن برنامج وطني شامل وممول بالكامل من الدولة". وربط أهمية التطعيمات الإضافية بـ"سياقات وبائية ولفئات معينة". ورغم تأكيده على مساهمتها في "تقليل معدلات الإصابة والاحتجاز بالمستشفيات"، فإنه أوضح أنها "لا تزال تُقيّم بناءً على العبء المرضي المحلي".
وحول ما إذا كانت هناك خطةٌ مستقبليةٌ لإدماج هذه التطعيمات في الجداول الإلزامية، أكد أن جداول التطعيمات "تُراجع بشكل دوري في ضوء التغيرات الوبائية والتوصيات الدولية"، ولم يستبعد أن تساهم زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% في ميزانية 2026/2027، التي أعلن عنها أحمد كجوك، وزير المالية، الأسبوع الماضي، في منح "مرونة أكبر للنظر في إدراج لقاحات جديدة"، مستدركًا "لكن القرار يظل مرتبطًا بالتقييم العلمي وليس التمويل فقط".
واعتبر المتحدث باسم "الصحة" منظومة التطعيمات في مصر "من أنجح برامج الصحة العامة" وأنها "توازن بين حماية صحة المواطنين واستدامة الموارد".
وزارت بعثة من ممثلي التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، وزارة الصحة المصرية، 23 أبريل/نيسان الجاري، "لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك في منظومة التطعيمات"، حسب البيان الرسمي الصادر عن الوزارة.
و"جافي" هو تحالف دولي من منظمات وحكومات يهدف لتحصين الأطفال في الدول النامية، وتختلف سبل الدعم حسب مستوى الدخل للدولة، إذ يقدم التمويل المباشر للدول ذات الدخل المنخفض، فيما يتقلص الدعم المباشر ويقتصر أحيانًا على التعاون الفني ونقل الخبرات للدول ذات الدخل المتوسط مثل مصر.
تواصلت المنصة مع "جافي" عبر البريد الإلكتروني، إذ أكد أن الزيارة الأخيرة تضمنت "مناقشات تتعلق بالإدخال المحتمل للقاح المكورات الرئوية (PCV)"، مبينًا أنها "لا تزال في مرحلة مبكرة".
ولفت إلى أن برنامج "جافي" لدعم الدول ذات الدخل المتوسط، دخل "المرحلة التحفيزية"، وفيها يركز التحالف على مساعدة هذه البلدان "على إدخال اللقاحات ذات الأولوية بشكل مستدام"، محددًا هذه اللقاحات في "اللقاح المتقارن للمكورات الرئوية (PCV)، ولقاح فيروس الروتا، ولقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، مع إمكانية تقديم دعم مستقبلي للقاحات حمى الضنك والسل".
وشارك التحالف مع المنصة قائمة بـ36 دولة، من ضمنها مصر، موجودة في المرحلة التحفيزية، ومؤهلة للحصول على دعم جافي منذ مطلع العام الجاري.
يؤكد الدكتور علاء غنّام، مسؤول برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، على حق الأطفال في توافر هذه التطعيمات، ويقترح لـ المنصة أن يتولى التأمين الصحي تحمل التكلفة "بعد ما تجيب الأسرة شهادة من طبيب باحتياج طفلها للتطعيم". لحين حدوث ذلك، أو مرور دعم جافي، يبقى على الأسر تدبير تكلفة هذه التطعيمات حسب دخلها والأولويات الصحية لطفلها.


