تصميم: سيف الدين أحمد
استطاع الطبيب الراحل ضياء العوضي أن يؤثر في قطاعات واسعة من المتبعين لنظامه الغذائي المثير للجدل

الفتنة الغذائية الكبرى| لماذا يصدقون العوضي؟

منشور الأربعاء 22 تموز/يوليو 2026

"على مدار 5 سنوات ذهبتُ لأكثر من 15 طبيبًا استشاريًّا في خمسة تخصصات مختلفة، ودفعت ما يتخطى 600 ألف جنيه، ولم تتحسن الحالة بل زادت الأدوية من الأعراض. بعد الطيبات كل الأعراض اختفت".

العبارة السابقة التي كتبها أحد المشاركين في استبيان إلكتروني أجراه صحيح مصر عن تجربته مع نظام الطيبات، قد تفيد في فهم أسباب الانتشار الجماهيري الحالي لـ"نظام الطيبات" على الرغم من تضاربه مع أبسط قواعد الطب كما شرحنا في المقال السابق.

النظام الذي وضعه الراحل ضياء العوضي ليس مجرد قائمة طعام، لكنه قدمه بوصفه "علاجًا" لمشكلات صحية بدون الحاجة إلى أدوية أو زيارة طبيب. لذا علينا ألا نستهن بقدرة هذه التركيبة على الإقناع في بلد يعاني فيه الملايين من غياب الحق في الصحة في ظل تدني الإنفاق الحكومي، والارتفاعات المستمرة لأسعار الأدوية بسبب تغير سعر الصرف، ناهيك عن الاستشارات الطبية التي باتت باهظة الثمن.

التقاء كل من الخطاب الجذاب للعوضي مع الحاجة القوية لدى الملايين من المرضى لعلاج متاح وممكن، خلق هذه الكاريزما التي تعدت حدود الانجذاب ودخلت منطقة الخطر، مع ظهور العديد من الحالات التي اتبعت النظام ووصلت إلى كوارث صحية بسبب نصائحه.

لماذا يصدّق من يصدّق؟

 كيف استطاع طبيب تخدير واحد، عبر يوتيوب وفيسبوك وغيرهما من أدوات السوشيال ميديا، ملء مكان في نفوس مئات الآلاف لم تستطع منظومة صحية كاملة أن تملأه؟

ربما يقدم الاستبيان الإلكتروني، الذي أجرته غرفة أخبار صحيح مصر بعد وفاة العوضي، وشارك فيه 205 شخص، خريطةً مفيدةً لفهم هذا الانجذاب.

حين سُئل المشاركون في الاستبيان عما جذبهم تحديدًا للعوضي، توزعت إجاباتهم على مستويات متراكبة لا متنافسة؛ الأقوى بينها كان "تفسير المرض بطريقة مفهومة"، تلاها التأثر بشهادات أشخاص شعروا بتحسن فعلي بعد اتباع النظام، وهي شهادات غير موثقة طبيًّا.

العوضي لم يملأ فراغًا معرفيًّا فقط بل ملأ فراغًا اقتصاديًّا ومؤسسيًّا تركته منظومة صحية مثقلة بالتقشف

تأتي بعد ذلك أسبابٌ أخرى مثل الاعتقاد في وجود مؤامرة من شركات الأدوية ضده، علاوة على الجانب الديني في خطابه، الذي منحه قدرًا من الشرعية من وجهة نظرهم.

هذه التفسيرات ليست وحدها ما يفسر الانتشار، فالفتنة الغذائية هي ابنة شرعية للحالة المرتبطة بالذيوع والاعتماد على السوشيال ميديا مصدرًا للمعلومات والمعارف.

ما يغذي من هوس السير وراء "الريلز" هو الإيمان المطلق بأن ما يحقق أعلى مشاهدات هو بالضرورة الأفضل. هذه القناعة خلقت منظومة موازية يبحث فيها المستهلكون عن خلاص في فيديوهات "أعلى مشاهدة"، ويلهث أيضًا النجوم والباحثون عن الشهرة لتقديم أنفسهم من خلالها.

الناس ليسوا قطيعًا

صورة نشرها ضياء العوضي على حسابه على فيسبوك، 31 يوليو 2023

هنا يأتي الجزء الذي تغفله غالبًا القراءات السريعة لهذه الظاهرة، والتي تميل إما لتصوير متبعي النظام ضحايا سذّجًا منقادين بلا تفكير، أو مؤمنين بنظرية مؤامرة شاملة ضد الطب الحديث. كلا التوصيفين لا يعكس بدقة ما يحدث فعليًّا على أرض الواقع، هذا ما استنتجته من المقابلات التي أجريتها مع متبعي النظام.

الملاحظة المتكررة كانت أن المتبعين، رغم دفاعهم القوي عن العوضي ووصفه بـ"الشهيد"، لم يطبّقوا النظام كما وُصف حرفيًّا. التركيز كان غالبًا على الامتناع عن البيض والدجاج تحديدًا، وتفضيل خبز القمح الكامل، وهي عناصر يسهل تبنّيها لأنها تتقاطع مع حسّ غذائي "صحي" سائد أصلًا خارج نظام العوضي نفسه. في المقابل، استمر كثير منهم في تناول بقوليات وخضروات وفاكهة "إن استطاعوا"، وهي عناصر يمنعها النظام صراحة أو يقيّدها بشدة.

أما على صعيد الأدوية، فالخط الأحمر بدا أكثر ثباتًا؛ لم يتوقف هؤلاء الذين تحدثت معهم عن تناول أدوية أمراضهم المزمنة. وإن كان بعضهم توقف عن تناولها بشكل متقطع، فقد انتهى غالبًا بالعودة للدواء.

عادت إحدى الحالات التي التقيت بها للدواء بعد التوقف عنه لفترة خوفًا من تفاقم الأعراض، وفي حالة أخرى كانت العودة بسبب ضغط الأبناء. هذا التراجع مدفوع جزئيًّا بعدم اقتناع كامل بكل تفاصيل خطاب العوضي، وجزئيًّا بدفع من الأسرة والمقربين الذين عبّروا عن توجس حقيقي وفطري من فكرة ترك دواء مرض مزمن دون استشارة طبيب.

كثير من متبعي النظام مارسوا عملية فرز واعية أبقت أكثر توصياته خطورةً "وقف دواء مرض مزمن بشكل تام" خارج دائرة التطبيق

هذا النمط ليس استثناءً معزولًا، بل تؤكده أرقام استبيان "صحيح مصر"، التي تعكس أن الأغلبية الساحقة لم تطبّق التوصية الأكثر تطرفًا للعوضي، وهي وقف الدواء كليًّا ونهائيًّا كما نصح بها هو حرفيًّا، حتى وإن كانت نسبة معتبرة قد جازفت بتعديلات خطيرة دون إشراف طبي، أو حتى بالتوقف التام.

ما تكشفه هذه التفاصيل مجتمعة هو نمط من الفاعلية الانتقائية: كثيرون صدّقوا الخطاب العاطفي والسردي للعوضي، تعاطفوا معه، دافعوا عنه، اعتبروه شهيدًا، لكن كثيرًا منهم مارسوا في الوقت نفسه عملية فرز واعية، أبقت أكثر توصياته خطورة (وقف دواء مرض مزمن بشكل تام) خارج دائرة التطبيق الفعلي لدى الغالبية، فيما تبنّوا العناصر الأقل خطورة والأكثر توافقًا مع حسهم الغذائي المسبق.

هذا لا ينفي وجود حالات تطبيق حرفي كامل انتهت بمآسٍ موثقة فعلًا. لكن هذا لا يعني أننا أمام "جمهور مخدوع بالكامل"، إنما الصورة تبدوا أقرب لمن يستمع لخطاب يلامس جرحًا حقيقيًّا، دون أن يسلّم له بشكل كامل وأعمى زمام قراراته الصحية.

امش ع الطيبات بس خد الدوا

من المفارقات اللافتة أيضًا أن خط الدفاع الفعلي ضد التوصيات الأكثر خطورةً لم يأتِ غالبًا من المؤسسات الرسمية رغم محاولاتها الحثيثة إنتاج خطاب مضاد، بل تشكّل من الشبكة الاجتماعية المباشرة للمريض؛ حالات تدخّل فيها أقارب أو معارف بفاعلية لإقناع مرضى يتبعون النظام بضرورة الاستمرار في متابعة تحاليل السكر والضغط وعدم التوقف عن الدواء، في خط دفاع موازٍ، ربما أكثر فاعلية في بعض الحالات من البيانات الرسمية والتحذيرات الإعلامية.

في حالات كثيرة ممن التقيت بهم، اتخذ التفاوض العائلي شكلًا عمليًّا وسطيًّا يمكن تلخيصه في عبارة: "امشي ع الطيبات بس خد الدوا". هكذا أوصت إحدى الأمهات ابنها مريض السكري، فجاء رده "حاضر يا أمي، أنا أساسًا ما وقفتش الدوا، ومش بحط سكر في الشاي ولا باكل حلويات، بس بتبع الطيبات وحاسس إن صحتي بقت أحسن". هذا التفاوض، البسيط في ظاهره، يلخّص جوهر ما حدث على أرض الواقع. لسنا هنا أمام استسلام كامل للخطاب، ولا رفض كامل له، بل ثمة مساحة وسطى تفاوضية تُبقي الدواء وتستعير من النظام عناصره الأكثر اتفاقًا مع المنطق السائد أصلًا.

الفجوة التي فتحها تدني الإنفاق الحكومي على الصحة لم تكن خلفية صامتة للظاهرة بل كانت شرطها التأسيسي

يبقى السؤال الأهم مُعلقًا؛  لماذا احتاج مئات الآلاف من المصريين إلى رجل واحد على السوشيال ميديا ليشعروا، ولو للحظة، أن هناك من يسمعهم ويشرح لهم ألمهم، ويمنحهم ما عجزت عنه عيادات ومستشفيات بأكملها: وعد بالتعافي.

العودة إلى نقطة البداية هنا ضرورية. الفجوة التي فتحها تدني الإنفاق الحكومي على الصحة لم تكن خلفية صامتة للظاهرة، بل هي شرطها التأسيسي. حين يتحمّل المواطن أكثر من نصف فاتورة علاجه من جيبه، وحين يعجز أكثر من نصف السكان عن تحمّل تكلفة نظام غذائي كافٍ أصلًا، يصبح أي بديل "مجاني وسحري"، يُشاهَد على الهاتف بدل أن يُدفع له في عيادة، مغريًا بحكم الضرورة الاقتصادية قبل أن يكون مغريًا بحكم الإقناع الفكري.

هذا ما يفسّر، جزئيًّا، لماذا لم تكن الفاعلية الانتقائية التي وثّقناها مجرد ترف نقدي يمارسه متابعون واعون، إنما تحول لاستراتيجية بقاء: أخذ ما يمكن تحمّله من النظام (تغيير نمط الأكل، وهو مجاني) والإبقاء على الدواء (وهو مكلف لكنه ضروري وواضح الخطر إن غاب).

ملأ العوضي ما هو أكثر من الفراغ المعرفي فقط، ملأ فراغًا اقتصاديًّا ومؤسسيًّا تركته منظومة صحية مثقلة بالتقشف، عاجزة عن أن تمنح المريض وقتًا يُسمع فيه، أو علاجًا لا يُفقِره. وطالما بقيت هذه الفجوة المادية والإنسانية مفتوحة، ستظل قابلة لأن يملأها صوت آخر بنظام آخر، ووعد آخر مشابه. قادم آخر، بنظام آخر، بوعد آخر. علميًّا كان أم خرافيًّا أم خلطة غرائبية جديدة.

في ختام حديثي الطويل عن العوضي، أود أن أنبه إلى أن النقاش حول أفكاره لا يقتصر على المستوى النظري، لكنه يعكس واقعًا صحيًا قائمًا، وهذا أخطر ما في الموضوع، إذ وثّقت تقارير صحفية حالات وفاة مرتبطة مباشرة باتباع توصيات النظام، مثل حالة وفاة طفلة وشاب مرضي سكري لتركهم الأنسولين.

هذه الحالات تضع حدًا فاصلًا ضروريًّا لأي نقاش متوازن حول الظاهرة؛ مهما بلغت درجة تفهّمنا للأسباب الاجتماعية والنفسية التي دفعت الناس للانجذاب نحو هذا الخطاب، يبقى الخطر المباشر على الحياة، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشةً كمرضى السكري من النوع الأول والأطفال، حقيقة لا تحتمل التخفيف أو إعادة التأطير. 

ربما تدعونا شهرة العوضي وحالة الهوس بنصائحه المنافية للعلم للتوقف قليلًا أمام حالة المنظومة الصحية في مصر، التي تغتال الآلاف بتجاهلها لهم وتركهم فريسة لتوحش السوق وخرافات السوشيال ميديا.