تصميم أحمد بلال، المنصة
لا يجد السودانيون ملاذًا من ارتفاع الأسعار في مصر سوى العودة لبلادهم تحت نيران الحرب

من الكميتية إلى النازية.. اللاجئون وسؤال الوطنية

منشور الاثنين 4 أيار/مايو 2026

عودٌ على بدء، أدخل معركة جديدة مع جماعة "لما أمك تعمل لك نازية في البيت" الشهيرة بالقوميين المصريين، أو بالكميتية.

بعد موجات من الدعاية الفيسبوكية حول النقاء العرقي وتحليل الحمض النووي. اندلعت حملات عنصرية ممنهجة، تستعير الكثير من مفردات الخطاب النازي، في مواجهة اللاجئين والوافدين السوريين والسودانيين على الأخص. 

لا جرم أن الخطاب العنصري ضد الوافدين على مصر من لاجئين، سواء حملوا الصفة الرسمية أو لا، تزايد مع انتعاش التيار الكميتي، تزامنًا مع الهجوم على فلسطين.

لكن ما يجري الآن هو حملة تكرس لخطاب كراهية، بل وتهدد الأمن القومي. مع انتشار هاشتاج ترحيل اللاجئين مطلب شعبي، تحدث أصحاب الهاشتاج والمشاركين فيه عن كل شيء، إلا السبب الحقيقي خلف هذه الحملة، التي لا تبدو عفوية. 

المصريون والهجرة

هل من المؤسف أم من سخرية القدر أن ينبس أبناء مصر الطيبة، المهاجرة دومًا، بألفاظ لا تشبه قسمات الوجه المصري؟ ما موقع عبارات مثل "اللاجئون تهديد للطبيعة الديموغرافية" أو "السودانيون أفروسنترك وسوف يستولون على حضارة مصر القديمة" أو "ما يحدث يذكرنا بالهكسوس وتجنيس اللاجئين يهدد الحمض النووي المصري"، من مجتمع مثل مجتمعنا؟

لا يتسق أن ينتشر هذا الخطاب بالمرة في مجتمع يعاني من تجار الهجرة غير النظامية إلى الجانب الآخر من البحر، ورغم الجهود التي تبذلها الدولة التزامًا بالمعاهدات التي وقعتها؛ ما زالت مصر تُلقي بالمهاجرين غير النظاميين على شواطئ أوروبا.

الحديث عن الطبيعة الديموجرافية، والصفات الجينية التي سوف "يلوثها" اللاجئون لا محل له من الإعراب

وبالإضافة للسفر لدول الخليج بدافع العمل، والسفر للدراسة، والهجرة لافتتاح مطاعم بيتزا في ميلانو؛ زادت وتيرة طلب اللجوء إلى الدول الأوروبية بعد عام 2013، نظرًا للأحوال الاقتصادية والسياسية التي لا تخفى على أحد. بناء عليه، فالحديث عن الطبيعة الديموجرافية، والصفات الجينية التي يهدد اللاجئون بـ"تلويثها"، لا محل له من الإعراب. 

تاريخ مصر في استقبال الهجرات

على مر العصور، استقبلت مصر هجرات جماعية كثيرة، إثر حروب أو مذابح أو نزاعات. وفي آخر مئتي عام فقط؛ جاءت موجة كثيفة عقب فتنة الشام عام 1860، تبعتها موجات أخرى عقب الحروب بجبل الدروز، وموجات هجرة إبان حروب الدولة الوهابية، وهجرات من الجنوب في عصر الخديو إسماعيل وما قبله وما بعده. بخلاف هجرات يهودية عقب تصاعد العنف ضد اليهود في أوروبا.

أضف إلى ذلك، الامتيازات الأجنبية التي منحها محمد علي للأوروبيين، وأخذت في التصاعد حتى بات "الخواجة ياني" علمًا في الإسكندرية، ومعها هجرات الجراكسة، والمغاربة، بل والصينيين، وكل وافد سواء لعمل، أو دراسة في الأزهر الشريف، أو استثمار، أو عائذٍ باستقرار مصر وأمانها من عواصف الحروب والمذابح والخوف.

السبب الرئيسي خلف تلك الحملات اقتصادي بالأساس

عندما قررت إنجلترا احتلال مصر، تذرعت بحماية "الأجانب" المقيمين فيها، بعد تدبير فتنة الإسكندرية التي بدأت بشجار بين عربجي ورجل مالطي. كانت تلك فتنة لخلع عرابي، وشهد الكثير من الأجانب عقب تلك الفتنة وفي أثناء المحاكمة، بأنهم لم يلقوا من المصريين سوى الكرم وحسن الوفادة، وأنهم يتشككون في تلك الفتنة، التي لم يكن لها مقدمات ولا مبررات.

وورد في المدونات التاريخية أن بكى بعضهم معلنًا انتماءه لمصر، رافضًا أن يُتَخَذ ذريعة لاحتلال البلد التي أحبها وأحب أهلها. لاحقًا علمنا من التاريخ أن تلك الفتنة لم تكن إلا من تدبير الباب العالي بالتضافر مع جهود الخديو توفيق للتخلص من عرابي وأصحابه.

ولو أنك قلت لأحد "القوميين" مدعي الوطنية، أن مصر في يوم من الأيام كانت "كوزموبوليتان" وكانت تستقبل الجميع بصدر رحب، لتباهى بإقامة اليونايين والأرمن فيها. ولم يحدث أن ضاقت مصر بوافدين، ولم يسترع الأمر سوى بضع سنوات ليندمج الوافدون ويحملون الانتماء غير المشروط لمصر.

سجل أغلب الوافدين أنفسهم "تبعية عثمانية"، ومع صدور قانون الجنسية، انتقل أصحاب "التبعية العثمانية" إلى الجنسية المصرية في عام 1926. أي أن كل أولئك الوافدين، المسجلين بأوراق "التبعية العثمانية" حصلوا على الجنسية المصرية في ذلك الحين، ولم يذكر أحد وقتها "الطبيعة الديموغرافية".

لماذا هذه الحملة؟

السبب الرئيسي خلف هذه الحملات اقتصادي بالأساس. ولو أن هناك رجلٌ رشيدٌ، لتحدث عن الظلم الذي وقع على مصر، تمامًا كما ظُلم اللاجئون.

تُعد مصر من أكبر الدول التي تستضيف المنكوبين القادمين من بؤر الصراع في المنطقة، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود مليون ونصف طالب للجوء، هذا بخلاف ما يربو عن 15 مليون وافد من غير اللاجئين، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن العدد يفوق ذلك بكثير. مع ما تعانيه مصر من تضخم، وأزمة الدين، وأزمة العملة؛ فإن ذلك قد يشكل ضغطًا على الاقتصاد المصري.

أزمة الإيجارات لا يلام فيها إلا الملاك الذين استغلوا حاجة منكوب إلى سكن

الحقيقة أن للصورة وجهان. الأول هو الضغط الاقتصادي الذي يتسبب فيه وجود عدد كبير من الوافدين، ما تسبب في ارتفاع أسعار الإيجارات، والضغط على الخدمات الصحية والتعليمية، والتزاحم على سوق العمل غير الرسمية. وبذلك، يكون المواطن المصري أمام مشكلة ارتفاع سعر إيجار الشقق، وانخفاض سعر قوة عمله.

لكن وجه الصورة الآخر، أن كثيرًا من هؤلاء يوفرون عملة صعبة داخل البلاد وهم يستقبلون التحويلات من ذويهم، ويؤسسون مشروعات توفر فرص عمل، سواء لمصريين أو غير مصريين. 

أما عن أزمة الإيجارات، فلا يُلام فيها إلا الملاك الذين استغلوا حاجة منكوب إلى سكن، وضاعفوا قيمة الإيجار أضعافا مضاعفة، في غياب التنظيم القانوني الجاد. 

المفوضية والاتحاد الأوروبي

تعتمد مصر في استقبال الوافدين على سياسة إدماجية، حيث لا تعزل اللاجئين وغيرهم في مخيمات أو مناطق مخصصة لهم، كما تمنحهم تصاريح للعمل وتستقبل أبناءهم في المدارس ومرضاهم في المستشفيات العامة. 

هذه السياسة التي تُعدُّ إيجابيةً، وسابقةً في المفاهيم الإنسانية، يبدو أنها جاءت وبالًا على مصر. فالسياسة الإدماجية أدت إلى "توفير" التمويلات المخصصة لبرامج الإدماج، وحدت بالمنظمة ألا تقبل عددًا كبيرًا من طلبات اللجوء، حيث أن أوضاعهم في مصر "طبيعية". 

إذا ما عقدنا مقارنة بسيطة مع تمويل المفوضية ومن خلفها الاتحاد الأوروبي للاجئ الأوكراني والدول المستقبلة له، فإن القسمة حتما ستكون جائرة. فبينما أنفقت المفوضية، بدعم أوروبي، على اللاجئ الأوكراني مليارات اليوروهات، لم تجد مصر ذات الدعم، والذي طالبت به مرارًا، لتتمكن من خدمة اللاجئين كما يجب، بل إن حملات مضادة شُنت على مصر من مجموعات فيسبوكية أخرى، تدعي نية مصر الاتجار بقضايا اللاجئين! وهو خطاب أقل ما يقال عنه أنه عنصري.

لا تفسير للتباين بين حماسة الاتحاد الأوروبي لدعم اللاجئ الأوكراني، وحرارة الإغاثات الخليجية للداخل الأوكراني، والفتور الواضح في دعم مصر لاستقبال اللاجئين أو الدعم الإغاثي للداخل السوداني على سبيل المثال، سوى أن الدول الفاعلة لا تتحرك في إغاثاتها الإنسانية سوى من واقع المصالح السياسية وحسب. 

يُترك الداخل السوداني وحده لا تصله إلا فتات الإغاثات، وتُترك مصر تستقبل هذه الأعداد وحدها لا تنال إلا شذرات من الدعم، على عكس الاهتمام غير المحدود باللاجئ الأوكراني، في تناقض يكشف مدى نفاق المجتمع الدولي وازدواجيته.

ما العمل؟

مفوض شؤون اللاجئين يلتقي عددًا من السودانيين في مصر

لفتني تسجيل مصور لأحد "قادة" الحملات العنصرية ضد اللاجئين في مصر، وهو يسير في شوارع المعادي ويردد "شوف شوف السودانيين.. ماشيين في الشارع ولا كأن فيه حاجة، إحنا في خطر يا جماعة، الوضع خطر في المعادي".

لم أفهم شكوى المواطن من سير المارة "ولا كأن فيه حاجة"! ما هي "الحاجة" التي يرغب ذلك المواطن من الوافدين واللاجئين أن ينتهبوا إليها أثناء سيرهم في الطريق؟

بعد ذلك، سار بكاميرا موبايله يصور المارة، والباعة، والمحال، حتى استوقفه أحد السودانيين طالبًا منه بتهذيب ألَّا يصوره دون إذنه، ليصيح المواطن: بيمنعوني أصور في بلدي.

هذا السلوك العشوائي، البدائي، في التعامل مع قضية عادلة مثل دعم اللاجئين ودعم دولة نامية تقوم بواجبها في استقبالهم، لا ينبت سوى حنظل، ولا يجعلنا نصل إلى مبتغانا في مواجهة الدول الفاعلة التي تتجاهل احتياجاتنا واحتياجات من يلوذ بنا.

في الواقع، إن هذه الحملات الممنهجة، التي تهدد بخطر انفجار الوضع على إثر تحريض سافر على المقيمين في مصر، تفتح بابًا لتهرب المجتمع الدولي من مسؤوليته، بذريعة أن مصر تشن حملات عنصرية ضد اللاجئين، وهي تذكرني بتلك الفتنة التي دبرت بليل لخلع عرابي.

ما الذي يهدف إليه ذاك المواطن الذي يشكو من نعمة أن الناس يسيرون في شوارعنا آمنين "ولا كأن فيه حاجة"؟ من هو الجمهور المستقبل لرسالته؟ وماذا عسانا أن نفعل استجابة لتلك الرسالة؟ هل يرغب ذاك الرجل ومن معه في تلك الحملة أن يحدثوا فتنة ينجم عنها، لا قدر الله، مواجهات تعرضنا لإدانات دولية؟ إذا كنا نرغب حقًا في أن نتلقى الدعم اللازم من المجتمع الدولي، علينا أن نلجأ لخطاب ملتزم بالقواعد الإنسانية. 

هناك مثل مصري شهير يقول "أخد الحق صنعة". ولا أرى في الخطابات العنصرية التحريضية أي صنعة متقنة لتحرز مصر أهدافها.

علينا أن نضع خطة واضحة تضع المجتمع الدولي أمام مرآته وتجبره على تحمل نصيبه من المسؤولية حيال كارثة هو أحد أسبابها بشكل أو بآخر، دون إحداث فتنة، أو تهديد أمن، أو ترويج لخطاب نكون نحن أول من ندان به. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.