فيلم Michael.. فلسطين والشيطان والطفل والوحش
يعيد فيلم Michael بطولة جعفر مايكل (ابن شقيق ملك البوب) فتح النقاش حول صورة مايكل جاكسون وسيرته، ويركز على سنوات التكوين والصعود حتى منتصف الثمانينيات، ويجعل علاقة مايكل المتوترة بوالده جوزيف خطه الدرامي الأبرز.
هذه الزاوية ليستْ تفصيلًا عابرًا، لأن فهمها يعد مدخلًا أساسيًّا لقراءة ما تلا بعد ذلك من سنوات مجد كاسح، واتهامات، وانهيار جسدي، وارتباط بالقضايا الإنسانية، على رأسها فلسطين، إلى جانب أسئلة أخرى بقيت مفتوحة بعد رحيله.
طفولة جريحة
وُلد مايكل سنة 1958 في جاري بولاية إنديانا، وهو الثامن بين عشرة أبناء في عائلة فقيرة. وحين اكتشف جوزيف جاكسون موهبة أولاده، اختار خمسة منهم وشكل فرقة The Jackson 5. ورغم أن مايكل كان الأصغر، أصبح المغني الرئيسي في الثامنة، وصار نجمًا معروفًا في العاشرة.
لكن البيت الذي صنع النجاح كان أيضًا مصنعًا للخوف؛ فالتدريب صارم، والعقاب ضربًا بالحزام حاضر، واسم "جوزيف" يُفرض بدلًا من "بابا"، والسخرية من شكل مايكل، خصوصًا أنفه، جزء من المشهد اليومي. كل ذلك ساهم في تكوين حساسية شديدة تجاه الجسد والصورة.
ثم أضيفت روايات لاحقة عن حقنه بهرمونات تؤخر البلوغ حتى يحافظ على صوته الناعم أطول وقت ممكن، وعن أساليب ترهيب داخل البيت، مثل اقتحام الأب غرف النوم من النوافذ بقناع مخيف، كي يعلمهم درسًا في الأمان وغلق النوافذ. سواء اختُلفت التفاصيل أو اتفقت، فإن الثابت أن مايكل نفسه تحدث مرارًا عن خوف عميق من أبيه وعن طفولة مسروقة.
كان جوزيف يرى في الفرقة بطاقة الخروج من الفقر، فكرس حياته لتدريب أولاده، لكن الثمن النفسي كان باهظًا، وأصبح الصراع مع الأب بنية نفسية سترافق مايكل في نظرته إلى الجسد، وإلى الشهرة، وإلى الحب المشروط بالإنجاز.
الطفولة هي مفتاح فهم شخصية مايكل، حين كان الأطفال يلعبون، كان هو يعمل، وحين غنى To Make My Father Proud وهو مراهق، بدا وكأنه يطلب اعترافًا عاطفيًا لم ينله قط. من هنا يمكن فهم تعلقه الدائم بعالم البراءة واللعب، وحبه للأطفال، ومشروعاته الخيرية الكثيرة؛ فقد تبرع بمبالغ ضخمة، وأسس Heal the World، ودعم مستشفيات ومنظمات عدة، وتحدث مرارًا عن رغبته في ألا يتألم أي طفل كما تألم هو.
في أغنية Childhood، التي وصف كلماتها بأنها الأصدق تعبيرًا عنه، قال: هل رأيتم طفولتي؟ إنني أبحث عن عالمي حيث أتيت، أفتش في زوايا قلبي، بين الضائع والموجود، فلا يفهمني أحد، يرونها غرابة لا تُحتمل، لأنني ما زلت ألهو كطفل، فاعذروني. يقولون إنني لست سويًا، وإنني أبدو غريبًا في وضعي هذا، أن أحب الأشياء البسيطة الفطرية. لكنه كان مقدرًا لي أن أعوض نفسي عن طفولة لم أعرفها قط. هل رأيتم طفولتي؟ إنني أبحث عن دهشة شبابي، كقراصنة في أحلام مغامرة، عن فتوحات وملوك فوق العروش، كحكايات أسطورية تُروى، وأحلام جريئة عشتها، فراقبوني وأنا أطير. وقبل أن تحكموا عليَّ، حاولوا جاهدين أن تحبوني، فقد كانت نشأتي مؤلمة، وانظروا داخل قلوبكم، ثم اسألوا: هل رأيتم طفولتي؟
ظهرت فلسطين لدى مايكل بوصفها مأساة تخص أطفالًا محرومين أكثر مما ظهرت ملفًا سياسيًا
وفي سياق نشاطه الخيري لم يكتف بالتبرعات المالية، بل ارتبط اسمه أيضًا بمبادرات مثل Heal the Kids، وبزيارات متكررة لمستشفيات الأطفال. تلك الصورة المثالية لم تكن منفصلة عن صورته الفنية؛ فقد رأى جمهور واسع في براءته الطفولية مصدرًا للتعاطف معه، بينما رأى آخرون فيها ملمحًا مربكًا سهل على الشائعات التي تطعن فيه أن تجد طريقها إليه. ومن هنا اكتسبت شخصيته العامة منذ وقت مبكر هذا التوتر المستمر بين النية المعلنة وسوء التأويل.
فلسطين.. انظر إلى الأطفال الباكين
هذه الخلفية تساعد على فهم تعاطف مايكل مع الأطفال الفلسطينيين من غير حاجة إلى بناء استنتاجات حاسمة. الأرجح أن فلسطين بالنسبة إليه ظهرت أولًا بوصفها مأساة بشرية تخص أطفالًا محرومين من الأمان واللعب، أكثر مما ظهرت لديه بوصفها ملفًا سياسيًا مجردًا. وهذا ما يجعل مرور إشاراتها لاحقًا في Earth Song لافتًا، إذ يسأل: Did you ever stop to notice all the children dead from war؟/ هل توقفت يومًا لتلاحظ كل الأطفال الذين يموتون بسبب الحروب؟ حتى يصل إلى What about the holy land؟/ ماذا عن الأرض المقدسة؟ Torn apart by creed/ مزقتها العقائد والصراعات الدينية.
مرت فلسطين كذلك في Earth Song، حين قدمها على المسرح في ميونخ سنة 1997، وفي سنة 1999 دخلت دبابة يسبقها جندي يحمل سلاحًا في مواجهة طفل يحمل زهرة، بدا المشهد تعبيرًا بصريًا عن الفكرة نفسها: نقد للعنف، وتفضيل للبراءة على السلاح.
لكن الحضور الأبرز لفلسطين لدى مايكل تمثل في خطورةٍ لم تكتمل لكنها شديدة الدلالة، بالأخص وأنه تأخر الكشف عنها حتى الرابع والعشرين من يونيو/حزيران سنة 2010، ففي مزاد Music Icons التابع لمزادات جوليان بيعت ورقة أثارت جدلًا واسعًا ضمن قسم خُصص لمقتنياته؛ مسودة أغنية بخط يده عن فلسطين بعنوان Palastine, don't cry كُتبت على ورقة ملاحظات رسمية لشركة الخطوط الجوية البريطانية، من طائرة الكونكورد التي كان يستخدمها خلال جولة Dangerous، وهي من أضخم جولاته بين يونيو 1992 ونوفمبر/تشرين الثاني 1993 في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
تقول كلمات الأغنية: انظر إلى السهول، في غابر الزمان، منذ قرن واحد فقط، حين كانت تُروى حكايات السلام، عن الجليل، وكيف كان يمتد عبر نهر الأردن. أما الآن، فلم يتبق سوى حكايات باردة، عن الحرب، عن الموت والنزاعات، قذائف تتطاير، وجثث تتراكم... انظر إلى الأطفال الباكين، لأجل ماذا يتقاتلون؟ سأصلي من أجلك يا فلسطين، وسأحملك في وجداني. سأحبك دومًا، تعالي إلى أعماق قلبي، ولا تبكي يا فلسطين، فإن لله مقامًا لك. إنني أؤمن بك، وسأضحي بحياتي لأجلك.
قضية إنسانية وتحرش
خرجت هذه المسودة في سياق ملتبس بدأ في سبتمبر/أيلول 1993 حين ذهب إلى تل أبيب بعد معاهدة أوسلو، واستُقبل بحفاوة، لكنه حين زار مستشفيات، وقضى وقتًا مع أطفال عرب مرضى، وتوجه إلى بيت لحم، واقترب من حائط البراق في القدس الشرقية، مُنع من الوصول بحجة عدم ارتداء لباس محتشم، وتعرض على حد قوله إلى أن يكون "dogged and pestered at every step".
لم يكد يغادر جولته حتى واجه أزمة اتهام جوردون تشاندلر، البالغ 13 عامًا، له بالتحرش الجنسي، وما تبعه من تحقيقات موسعة، واقتحام نيفرلاند، وتفتيش جسدي مهين.
ذُكرت في التحقيق أوصاف جسدية، منها الختان وأماكن لبقع البهاق، لكن الصور لم تطابق ما قيل. ومع ذلك لم تتوقف الصحافة عن ملاحقته، ورغم إصراره على اللجوء إلى المحاكمة لنفي الاتهامات، فإنه قبل بتسوية خارج المحكمة، بناءً على نصيحة فريقه القانوني، لتجنب تعقيدات قضائية وضغط إعلامي متصاعد، وقد بلغت التسوية مع إيفان تشاندلر نحو 23 مليون دولار.
هذه الواقعة لم تكن نهاية الأزمة بل بدايتها؛ فقد لاحقته اتهامات وشائعات، أرهقته نفسيًا ودفعته إلى الاعتماد على المهدئات، وبدَّلت مسار فنه من رومانسية أكثر صفاء إلى صوت أشد غضبًا ودفاعًا عن النفس.
سأله طفل بحماس: "من علمك الرقص هكذا؟!" فاطمأن واستعاد ثقته بنفسه
هنا تبقى ورقة فلسطين لافتة؛ لا بوصفها دليلًا على علاقة سببية بين الأحداث، بل بوصفها جزءًا من لحظة كان فيها مايكل يتفاعل مع قضية إنسانية وسياسية شديدة الحساسية، قبل أن يدخل واحدة من أعنف مراحله الشخصية والإعلامية.
لا تكشف المسودة الفلسطينة عن موقف عابر، بل عن لغة وجدانية ستتكرر في أغنياته: لغة تبدأ بالأطفال وتنتهي بسؤال أخلاقي عن معنى العالم. ولهذا يصعب قراءة النص بوصفه مجرد انفعال سياسي لحظي؛ فهو أقرب إلى امتداد لنبرة تتكرر خلال مسيرته في We are the world وJam وHeal the World وEarth Song وCry وغيرها، حيث يتحول الحديث عن الحرب والضحايا إلى نداء كوني.
صناعة الأسطورة ومعادة السامية بـkike
جاءت النقلة الحاسمة لمايكل في Motown 25 سنة 1983. هناك قدَّم Billie Jean وأدى الـMoonwalk للمرة الأولى على النحو الذي التصق باسمه رغم أن الحركة لم تكن من اختراعه.
كانت تلك اللحظة إعلانًا عالميًا لميلاد "ملك البوب"، لم يكن هذا الصعود الفني منفصلًا عن تشكل صورة أخرى أكثر قتامة، في ذلك الوقت بدأ البهاق يغير بشرته، بينما راحت الصحافة الصفراء تبني شخصية هجينة له Wacko Jacko؛ الرجل الغريب الذي ينام في صندوق أكسجين، ويريد شراء عظام "الرجل الفيل"، وصبغ جلده. ولم يكن الهدف من هذه الروايات مجرد التسلية، بل إعادة تأطير صورته أمام الجمهور، حتى بدا للرأي العام، بالتدريج، كائنًا غريبًا لا فنانًا يعيش مرضًا معقدًا تحت ضوء دائم.
ثم جاء ألبوم HIStory سنة 1995 ليعلن هذه المواجهة بصراحة غير مسبوقة، ولم يتأخر ظهور التزواج بين الهم الشخصي والرسالته الإنسانية، واتسعت أغنية They Don’t Care About Us لتعبر من الألم الشخصي إلى خطابٍ صريحٍ عن الظلم العنصري والاجتماعي، إذ سعى إلى وضع نفسه في موضع كل المضطهدين، وكأنه يصرخ بلسانهم: "أهينوني بكل ما يمكن من ألفاظ الإقصاء". وقد استخدم بعض العبارات التي كانت تُستعمل تاريخيًا في الخطاب العنصري، مثل:
Jew me, sue me
Everybody do me
Kick me, kike me
Don’t you black or white me.
هذه الكلمات استُقبلت بجدل واسع واتهامات بمعاداة السامية، رغم تأكيده أن هدفه كان فضح اللغة العنصرية لا تكرارها أو تبنيها. وتحديدًا كلمة kike، فهي لفظة مهينة لليهود، تعود جذورها إلى بدايات هجرة اليهود الأشكناز إلى الولايات المتحدة، وتطورت مع الزمن لتأخذ طابعًا تحقيريًا في الخطاب العنصري ضد اليهود.
ومع أن ملك البوب اضطر إلى تشويش بعض الكلمات في النسخ اللاحقة من الأغنية، فإنها كشفت الجدل الذي أثارته مدى الحساسية المتزايدة التي أصبحت تحيط بأي رسالة فنية تحمل طابعًا سياسيًا أو اجتماعيًا، ففي الألبوم نفسه تتجاور العزلة في Stranger in Moscow، والتحدي في This Time Around، والهجوم المباشر على المدعي العام في D.S، والنقد الأخلاقي للمال والسلطة في Money التي يهمس قرب نهايتها بأسماء أساطين المال وأباطرة الرأسمالية الذين صاغوا وجه العالم المادي، مثل: روكفلر، كارنيجي، مورجان، فاندربلت، غيتي، ترامب... ثم النبرة الملحمية في HIStory: في كل يوم يمضي، أنت تصنع تاريخك. وفي كل درب تسلكه، تترك وراءك إرثًا. فالجندي لا يموت إلا وهو ملتحف بمجده. والأساطير لا تُحكى إلا عن النصر والحرية.
لذلك لا يمكن فهم HIStory من دون وضعه داخل هذا الشعور بالملاحقة، وتبدو الأغنيات حلقات في سيرة دفاعية طويلة، يتجاور فيها الخاص مع العام، والسياسي مع النفسي، والمرارة الشخصية مع الغضب على عالم أوسع.
Invincible والسنوات الأخيرة
مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بدا مايكل يحمل إرثين متناقضين في آن واحد؛ إرث الفنان الذي غير الموسيقى الجماهيرية، وإرث الشخصية التي لا تتوقف عن اجتذاب الجدل، بالأخص حين دخلت القصة مرحلتها الأشد قتامة؛ سواء في عام 2001 وصدور Invincible وانفجار الغضب مع سوني، ووصف رئيسها تومي موتولا بأنه "شيطان"، أو في عام 2003 حين بدأت قضية الثانية مع جافين أرفيزو.
كانت المحاكمة استعراضًا عالميًا طويلًا انتهى في يونيو 2005 ببراءته من التهم العشر كلها. لكن البراءة القانونية لم تُنه الضرر الرمزي، إذ خرج مايكل أكثر هشاشة، فاقد الثقة، مثقلًا بالمسكنات، بينما بقيت صورة الاتهام عالقة في المخيلة العامة.
في سنواته الأخيرة كثرت الروايات عن خوفه، ومنها مكالمة منسوبة إليه مع مستشاره ديتر ويزنر قال فيها: "هناك أناس يريدون التخلص مني... لم يعودوا يريدونني هنا. هؤلاء أكبر من الحكومة... يمكنهم قتلي بأي طريقة، أو يفعلوا فعلتهم ويقولوا إنني مت بجرعة مخدرات زائدة!". بصرف النظر عن توثيق هذه المكالمة من عدمه، فإنها تعكس مناخ الارتياب والضغط الذي أحاط به، لتأتي النهاية المفجعة بموته فجأة في عام 2009 أثناء البروفات قبل انطلاق حفلات This Is It بأسابيع.
أظهرت التحقيقات أن الوفاة حدثت نتيجة جرعة زائدة من البروبوفول، وهو مخدر لا يُستخدم عادة إلا في غرف العمليات، وأدين طبيبه كونراد موراي بالقتل غير العمد. ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف الجدل؛ بين من رأى في ما جرى خطأ طبيًا كارثيًا، ومن رأى أن الملابسات والأسئلة التي أحاطت بالليلة الأخيرة تبرر بقاء الشك مفتوحًا.
في هذا التناقض تحديدًا يكمن ثقل الإرث؛ إذ لم يكن ملك البوب مجرد ظاهرة موسيقية أو آلة رقص، بل رمز إنساني بالغ التأثير وفنان صاغ مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا واسعًا ضد اختزال الإنسان في لونه، مع دعوة إلى السلام وإصلاح الذات، وضد العنف، وكشف العنف المستتر ضد المرأة، ورثاء الرحيل، والتشبث بالأمل، وتصور البطولة الأخلاقية، وفي مساءلة ضمير العالم.
في المقابل، لم يُخف أيضًا انكساره الداخلي، فنجد مرارة الخيانة، والخوف من الهجر، والألم الجسدي والإدمان، والتمرد على صورة الوحش، والشكوى من مطاردة المجتمع والإعلام.

