تصوير إيناس مرزوق، المنصة 2026
المخرج والسيناريست محمد دياب في حوار مع المنصة أجراه الزميل حسام الخولي، 20 مايو 2026

حوار| محمد دياب ورهان "أسد".. كيف تصنع فيلمًا "Crowd Pleaser"؟

منشور الاثنين 8 حزيران/يونيو 2026

ما إنْ خرج فيلم "أسد" لدور العرض السينمائي، والجدلُ حولَه لم يتوقف، سواءً تعلق الأمر بموضوعه، أو الحديث عن التضييق عليه وسحبه من السينمات، في ظل منافسة أفلام أخرى بميزانيات ضخمة أو ذات طابع جماهيري، نجحت في حصد الإيرادات أو جذب الأضواء.

من النقطة الأخيرة بدأنا حوارنا مع المخرج محمد دياب، ليس فقط لفهم الظروف التي أحاطت بصناعة فيلم "أسد" من بطولة محمد رمضان، وحظ الفيلم من الجماهيرية، إنما أيضًا للعودة إلى مشروعه السينمائي الممتد من الجزيرة (2007) إلى 678 (2010) واشتباك (2016) وأميرة (2021)، وصولًا إلى تجربته العالمية في Moon Knight (2022).

لا يقين في النجاح

محمد دياب مخرج مسلسل Moon Knight، أثناء توجيه بطل العمل أوسكار آيزاك، من إنتاج ستوديهات مارفيل 2022.

من وجهة نظر دياب، السينما الجماهيرية من أكثر المصطلحات التباسًا في الصناعة، لأن نجاح عمل ما لا يخضع لمعادلة يمكن تكرارها. فما يحقق نجاحًا في بلد قد لا ينجح في آخر، وما يلقى رواجًا في لحظة ما قد يفقد تأثيره بعد سنوات.

"جماهيري بيسموه Crowd Pleaser. يعني الجمهور هيبقى مبسوط وهو بيتفرج على الفيلم. الجمل بترن، أنت عارف من الأول، وبعد خبرة طويلة في السينما، إن الجملة دي هتعمل سوكسيه. المشهد لما البطل ينتقم هيعمل سوكسيه. الأحداث سريعة ومفيش ملل".

لكن هذه الخبرة لا تمنح صانع الفيلم يقينًا بالنجاح. فحتى كبار المخرجين العالميين لا يعرفون رد فعل الجمهور قبل العرض.

يستشهد دياب بمقارنة بين المخرجين الشهيرين ديفيد لينش وستيفن سبيلبرج، موضحًا أن الفارق بينهما ليس في القيمة الفنية لكن في أن ذوق سبيلبرج الشخصي يتقاطع مع ذائقة جمهور أوسع. من هنا تصبح الجماهيرية، في جانب منها، مسألة توافق بين رؤية الفنان وما يبحث عنه الجمهور في لحظة معينة.

وعن كون فيلم أسد فيلمًا جماهيريًا بفضل بطله محمد رمضان، يقول "أنا دايمًا ببقى مراهن إن القصة هتعجب الناس. أكيد رمضان كل يوم جماهيريته بتكبر، دي حاجة إضافية. لكن في النهاية أنا بتضايق من حاجة واحدة، إن الكلام يبقى عن حاجات برا الفيلم نفسه. ناقشني عن الفيلم، قل لي حلو أو وحش، لكن مش برا الفيلم".

الناس بتتكلم إزاي؟

يرفض دياب الحديث عن "الجمهور" بوصفه كتلةً متجانسةً. فمن وجهة نظره، هناك جماهير تختلف باختلاف الطبقات والخلفيات والأعمار ووسائل المشاهدة، والادعاء بقدرة السوشيال ميديا على التحكم في "الجمهور" بالكامل ادعاءٌ زائف؛ "السوشيال ميديا ممكن تأثر، لكن مش لوحدها. الجمهور اللي في الشارع حاجة تانية، الجمهور اللي بيروح يقطع تذكرة ويحب بطله ده حاجة تانية".

يضرب مثالًا بتغير الذوق الكوميدي عبر الزمن؛ "الحاجات اللي كانت كوميدية من 20 سنة وكسّرت الدنيا، لو نزلت النهارده هتجيب فلوس أقل. الكوميديا والـjokes والطريقة والناس إللي بتكلمها والجرأة في الوقت ده كانت توليفة معينة. النهارده بتختلف".

عادل إمام من فيلم الأفوكاتو، إخراج رأفت الميهي، إنتاج 1983

ويشير إلى قلة قليلة من النجوم استطاعت الحفاظ على جماهيريتها؛ "عشان كده ما تلاقيش غير قليلين زي عادل إمام، اللي عرف إنه يَعبُر أربع أجيال في خمسين سنة. دي حاجة صعبة جدًا".

توقفنا عند أمثلة لأعمال حققت انتشارًا جماهيريًا واسعًا رغم أنها لم تكن محورًا دائمًا للنقاشات الرقمية، مثل سلسال الدم أو المداح. بالنسبة إلى دياب، تكشف هذه النماذج محدودية اعتبار السوشيال ميديا مرآة كاملة للمجتمع.

"أنت في السينما، والسينما معناها إن فيه 300 أو 400 شخص، وأحيانًا بيبقوا ألف، مجتمعين في مكان واحد، ومش كلهم ذوقهم واحد"، يقول دياب.

"إحنا عاملين مشاهد صادمة. صادمة جدًا. مشهد الأطفال والإخصاء، وغيرهم. الحمد لله أنا مبسوط بيها، لأنها مشاهد مفيدة للدراما في رأيي. لكن المشاهد الصادمة دي ممكن تعمل رد فعل غريب".

ويشدد على ضرورة الوصول إلى الصوت الحقيقي للشارع؛ "أنا لما كان عندي عشرين سنة كنت قريب من الشارع وعارف الناس بتقول إيه. دلوقتي بعد عشرين سنة تانية أنا بعيد عن الشارع، لكن باسعى باستمرار أعرف إيه اللي بيحصل والناس بتتكلم إزاي. لازم طول الوقت تعرف الناس بتفكر في إيه".

أين ينتهي التاريخ؟ 

عندما انتقل الحديث إلى "أسد"، أكد دياب أن رهانه الأساسي لم يكن على الضجة أو البطولة أو حجم الإنتاج، بل على الحكاية نفسها. فالفيلم ينطلق من مرحلة تاريخية شهدت تحولات مرتبطة بتحرير العبيد، لكن موضوعه الرئيسي ليس العبودية، لكنها مدخل للحديث عن الحرية.

من أكثر القضايا التي أثارت الجدل حول "أسد" العلاقة بين التاريخ الحقيقي والخيال الفني. بالنسبة للمخرج، لا يمكن التعامل مع الفيلم باعتباره وثيقةً تاريخيةً؛ "في كل أفلامي أنا باخد بس سطر واحد من الحقيقة، وابني قصة خيالية على الحقيقة دي".

محمد رمضان ورزان جَمَّال من فيلم أسد، من إخراج محمد دياب، إنتاج 2026

يضيف "أنا شايف إن الموضوع بيتوقف على الصانع بيقول إيه للجمهور. لو أنا كاتب من أول لحظة إن دي أحداث حقيقية، اتعامل معاها على إنها أحداث حقيقية. لكن لو من الأول بقولك إن ده عمل خيالي، أو حتى مبني على أحداث حقيقية، فكلمة مبني دي معناها إني مش باقدّم الأحداث الحقيقية بالضبط".

هذا التقليد موجود في الأدب والسينما عالميًا، ومعظم الأعمال الكبرى التي استلهمت أحداثًا أو شخصيات حقيقية أعادت تشكيلها دراميًا. حتى في فيلم "الجزيرة"، الذي ارتبط في أذهان كثيرين بشخصيات ووقائع معروفة، حمل عالم درامي مستقل أكثر من إعادة إنتاج الواقع؛ "أنا كنت باسمع حكايات الناس وأقعد مع أهل الصعيد، مش علشان أوثق، لكن علشان أبني عالم يصدقه المشاهد".

يؤكد دياب أن هذا نهج متكرر في أعماله؛ "انت أصلًا بتتكلم مع واحد عمل أربع أفلام، والأربعة عبارة عن إني أخدت حدث حقيقي ولعبت فيه، اديته دراما واديته تفاصيل". يستعيد فيلم 678؛ "فيه ثلاث قصص لثلاث ستات. واحدة منهم تقريبًا قصتها هي الأقرب للحقيقة، أول بنت في مصر ترفع قضية من النوع ده. لكني أخدت البنت دي وحطيتها في عالم ما حصلش بالشكل ده، وخلقت جريمة في الفيلم ما حصلتش".


حين تطرق الحديث إلى الجدل الذي صاحب فيلم أميرة، قال؛ "الفن لا يمكن أن يتحول إلى نسخة مطابقة من الواقع. فإذا جرى سحب حق التأويل والتخيل من الفنان، فلن يبقى للفن سوى التوثيق المباشر". من هنا يدافع عن حق السينما في طرح الأسئلة وإثارة الجدل، حتى لو اصطدمت أحيانًا بحساسيات سياسية أو اجتماعية أو تاريخية.

ورغم حضور البطل الفرد بقوة في أعمال مثل "الجزيرة" و"أسد"، لا يرى دياب أن البطولة الفردية تمثل قاعدة ثابتة في مشروعه؛ "اشتباك" مثلًا اعتمد على بطولة جماعية كاملة. لكن شخصية البطل تظل أداة فعالة لاستكشاف أسئلة إنسانية أكبر من الحدث نفسه، سواء تعلقت بالحرية أو الشجاعة أو الحب أو الكرامة.

ما بعد Moon Knight

يشدد دياب على أن العالمية لا تعني محاكاة هوليوود، بل القدرة على مخاطبة الإنسان أينما كان. لهذا يرى أن أفلامًا مثل "678" حققت حضورًا دوليًا لأنها انطلقت من واقع محلي شديد الخصوصية، وطرحت مشاعر وتجارب يفهمها البشر في أماكن مختلفة من العالم.

عن تجربته الأمريكية، يؤكد أن العمل في هوليوود منحه خبرةً تنظيميةً وتقنيةً، لكنه جعله أيضًا أكثر ثقةً في قدرات الكفاءات المصرية؛ "الفارق الأساسي مش في الموهبة. الفارق في التنظيم والتحضير والإدارة"، لهذا السبب استعان بعدد من المتعاونين المصريين الذين عملوا معه في الخارج للمشاركة في تنفيذ "أسد".

لا يبدو أن الجدل الذي أحاط بـ"أسد" مجرد خلاف حول فيلم تاريخي أو حول دقة بعض تفاصيله، بقدر ما كان مناسبة لإعادة طرح أسئلة أوسع تتعلق بعلاقة السينما بالواقع، وبحدود ما يحق للفنان أن يتخيله أو يعيد تأويله. فبينما ينشغل البعض بمطابقة العمل الفني للتاريخ، ينشغل محمد دياب بسؤال آخر: كيف يمكن تحويل التاريخ إلى حكاية قادرة على لمس الإنسان اليوم؟