تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
لامين يامال يرفع علم فلسطين خلال احتفال فريق برشلونه بالحصول على الدوري الأسباني

السياسة الممنوعة عن الجزار والصياد ولاعب الكرة

منشور الأربعاء 20 أيار/مايو 2026

في شوارع حَيِّنا، مدينة نصر، كان يمر في منتصف نهار أول يومين من عيد الأضحى رجالٌ بجلابيب ملوثة بالدم، يسيرون عادة في أزواج، يعلنون صارخين عن مهنتهم؛ "الجزارة". وكان بعض الجيران يستعينون بخدماتهم.

تراجع هذا المشهد خلال السنوات الأخيرة، أصبح الجيران يتفقون مسبقًا مع الجزار الذي يتعاملون معه على موعد ومكان الذبح. بالإضافة إلى أن قطاعات مجتمعية واسعة لم تعد قادرة على ذبح الأضاحي، بعد أن انحدرت لتستقر في الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى.

أتخيل أن يمر رجلان خلال الأيام المقبلة في شوارع حينا، يزعقان "جزااااار". وفيما يتطلعان لمداخل البيوت وشرفاتها، على أمل أن يطلب أحد خدماتهما، يلمحان علمًا فلسطينيًا معلقًا في شرفة يتطلع إليهما منها طفلٌ غريبٌ. يغيران اتجاه نظراتهما، لا يتفاعلان مع الطفل، فهما جزاران، لا شأن لهما بما يحدث في العالم أو المنطقة أو على حدود بلادهما الشرقية، لا شأن لهما بالسياسة.

يقابلان الأستاذ محمود، الموظف المتقاعد، الذي اعتاد قبل سنوات الاستعانة بخدماتهما، واقفًا عند مدخل منزله. يتبادلان معه السلام والتهنئة بالعيد. يخبرهما بأنه لن يقدم أضحية هذا العام، وبأنه اكتفى بشراء بضعة كيلوجرامات من اللحم لاستهلاك عائلته، فالأحوال المالية لم تعد تسمح بالذبح والتوزيع.

يشاركه الجزاران التعبير عن الضِّيق من ارتفاع الأسعار، والحياة التي تزداد صعوباتها مع كل يوم جديد، حتى ينتبهون فجأة إلى أنهم يتحدثون في السياسة. يلملمون أطراف الحديث، فهما في النهاية جزاران وفقط، والأستاذ محمود موظف متقاعد، عليه الاكتفاء بمشاهدة المسلسلات الرمضانية عند إعادتها، ليسوا سياسيين.

يذكرني الأستاذ محمود والجزاران باثنين من الصيادين، صورت معهما فوق قارب صيد صغير في غزة عام 2006، أبو محمد ويونس. حدثني أبو محمد عن عائلته وأحواله، وصيد السمك. اشتكى من الأوضاع المعيشية، وتضييق الساحل على الصيادين الفلسطينيين، ومنعهم من الصيد في المياه الإسرائيلية مثلما اعتادوا سابقًا، ومن الاقتراب من المياه المصرية بحجة منع التهريب. وكيف تطلق الفرقاطة الإسرائيلية القذائف عليهم ليلًا، لتفجر أحيانًا مراكب الصيد الصغيرة وتغرقها.

كان يونس يستمع موافقًا على ما يقوله زميله. لكن، عندما تطرق أبو محمد للحصار المفروض على قطاع غزة، كعقاب على فوز حماس في الانتخابات التشريعية، نبهه يونس ألَّا يتحدث في السياسة. ضحكنا جميعًا، فما سبق ذلك، أحوال الصيد واستهداف القوارب بالقذائف، هو بدوره سياسة. لا ينفصل عن الجديد، يشمله إطار واحد يسميه أبو محمد بـ"الصيد والسمك والعيش والعيشة".

هل يستطيع فلسطيني ألَّا يشتبك مع السياسة؟ ألَّا يكون له رأي؟ مستحيل. وهو مبرر إضافي للضحك، لكن بمرارة.

جبن الشهرة والنجاح

الصيادان الفلسطينيان أبو محمد ويونس، في لقطة من فيلم "مراجيح"، إخراج باسل رمسيس (2006)

نعرف جميعًا، سواء في حياتنا اليومية، أو مِن بين مَن نُعجب بهم من المشاهير، أشخاصًا نُقدِّر احترافيتهم وتفوقهم العملي. لكن بعضهم إما عدميون، أو فاقدو الاهتمام بالشأن العام، أو جهلة بما يخرج عن إطار مهنهم، أو مجرد خائفين، ويفضّلون السير بجوار الحائط.

إنْ عبَّر شخص ما عن موقف سياسي أمام هذه النوعيات من المتفوقين، سيقولون له "لسنا سياسيين، دع السياسة لرجال السياسة". إنها حجة غير بريئة، لإدامة الاستغلال والظلم كقدَر، أن الرأي السياسي للسياسيين وفقط، ولأصحاب السلطة المالية طبعًا. وهي النوعية التي تحسن على الفقراء من منطلق خيري أو ديني. من دون أن يعنيهم حقيقة تغيير حياة هؤلاء الفقراء.

نادرًا ما يشهرون موقفًا سياسيًا، وإن حدث فلا بد أن يتعلق بقضية مأمونة، لا تعرضهم للمخاطر أو العقاب أو غضب أصحاب السلطة. أو يتضامنون مع ضحايا بعيدون، كأن يكونوا أوروبيين على سبيل المثال، فيدينون ملاحقة المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتجاهلون غرق الآلاف، نتيجة سياسات حكوماتهم، في مقبرة البحر المتوسط القريبة.

يبررون غياب الموقف والرأي بتقسيم غريب، وهو أن هناك مهنًا مسموحٌ لأصحابها بالاشتباك مع السياسة، وأخرى لا. لكنها في جوهرها حجج لحماية الذات، والشهرة والمكانة والأموال التي حققوها، والحفاظ عليها بأنانية، مصوِّرين الامتناع عن إشهار الموقف، والجبن، باعتبارهما أمرًا طبيعيًا على الجميع الالتزام به.

إنها نماذج تعبر عن أزمة أخلاقية وفكرية عميقة. كان من ضمن وجوهها مؤخرًا المخرج الكبير فيم فندرز، حين رفض كرئيس للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير أن تتلوث السينما بالسياسة. والسياسة المقصودة هنا تحديدًا هي اتخاذ موقف ضد إبادة الشعب الفلسطيني. في حين أن بعض أفلامه السابقة ملوثة بالسياسة.

اللاعب الإسباني لامين يامال خلال مشاركته في مباراة بلاده ضد منتخب بلغاريا في ملعب فاسيل ليفسكي الوطني، صوفيا. 4 سبتمبر 2025

حجج رفعة الفن عن السياسة، أو رفعة الرياضة عن السياسة، تتكرر هذه الأيام في إسبانيا وأوروبا، بعد أن رفع نجم برشلونة والمنتخب الإسباني لامين يامال، ابن المهاجرين المغاربة، علم فلسطين خلال الاحتفال بفوز فريقه بالدوري الإسباني في شوارع مدينته. فأثار اعتراض الكثيرين، وضيق إدارة النادي، ومدربه بهذا الفعل.

لم ينزعجوا سابقًا حين كان اللاعب يرفع علامة بالرقم البريدي لحيِّه المهمش والفقير بعد إحراز الأهداف. رغم أن هذا الفعل إشهار لانتماء اجتماعي وسياسي، وتذكير بأن يامال أتى من صفوف الفقراء والمهاجرين. يكمن هنا التناقض اللاذع، أن تسمو السينما والكرة عن السياسة، فقط حين يتعارض الموقف أو الرأي السياسي مع المصلحة المباشرة لأصحاب السلطة، أو حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

لا يدرك هؤلاء "المترفعون" عن السياسة، والناجون من التلوث بها، أن الانحياز لفلسطين لم يعد تابو، وأنه سيزداد، حتى وإن شهد تراجعات مؤقتة. لكنهم يدركون جيدًا الفرق بين أن يرفع لاعب مجهول علم فلسطين، وسيتجاهلون فعلته، وأن يرفعه نجم عالمي كلامين يامال. لأنهم منتبهون لتأثيره على الملايين من الشباب والمراهقين، وهو المخيف لهم. مثل الفرق الكبير بين أن يضع ممثل مجهول في مهرجان مجهول كوفية فلسطينية حول كتفيه، وأن يضعها خافيير بارديم أو سوزان ساراندون.

فقدان المثقف للذاكرة

محمد صلاح

المثير للقلق هو الانحدار الثقافي والأخلاقي للمثقف الكبير حين يتناسى عمدًا أن السياسة هي كل شيء بلا استثناء. وحين يتناسى أن دعاوى الفن للفن، التي مرت عليه مرورًا عابرًا خلال دراسته لمادة تاريخ الفن أثناء مرحلة إعداد ذاته ليكون مثقفًا وسينمائيًا، كانت من أتفه الدعاوى في تاريخ الفن، وسقطت دون عناء كبير. وغالبًا كان يعلَم وقتها أن من أسخف الأشياء أن نقول الكرة للكرة، الضحك للضحك، المهرجاناتية للمهرجاناتية، والجزارة للجزارة، والصيد للصيد.

بعد سقوط دعاوى الفن للفن، التي كانت دائمًا تُروج لخدمة السلطة، انفتح المجال لألعوبة جديدة، مفادها "التخصص"، و"التركيز"، وتجنب خلط الأشياء ببعضها. إن كنت كرويًا ناجحًا فركز في الكرة. إن كنت فنانًا ركز في الفن. ودعاوى التخصص والتركيز المقصودة تعني ألا يتلوث الشخص بالنضال السياسي المباشر إن كان مشهورًا وناجحًا. لحقها تخفيف كلمة "النضال"، لتصبح "النشاط". ثم وصلنا لألعوبة جديدة؛ ألا يكون لنا رأي أو موقف سياسي. وإن كان لنا بالصدفة رأي، لا نشهره، لأننا بإشهاره سنتلوث بالسياسة.

حين سألوا الألماني الفصيح في مؤتمر صحفي عن رأيه في منع روسيا من المشاركة في المسابقات الرياضية، دافع عن هذا المنع بوجه جاد يعبر عن قلق حقيقي تجاه ما يحدث في العالم. فقد غزت أوكرانيا، ولا يصح أن يصمت العالم أمام هذه الجريمة. لكن الإبادة والتطهير العرقي الممنهجين في الحالة الفلسطينية، لن يستحقا أن يتخذ الشخص نفسه موقفًا تجاههما. فقط لأن المصلحتين الألمانية والأوروبية تتطلب ذلك.

لا يحدث ذلك عن جهل، بل هي لعبة المصالح. وهانزي فليك، مدرب البرسا، يدركها ويشارك فيها. فهو ألماني، يدرب فريقًا إسبانيًا، ولن يتضرر كألماني مما فعله لامين يامال. لكنه يسارع بالتعبير عن ضيقه من رفع اللاعب للعلم الفلسطيني، من ناحية، لأنه ألماني، عليه أن يلتزم بهذه الثابتة الوطنية الألمانية، المبنية على الابتزاز والأكاذيب، التي تربط ألمانيا للأبد بضرورة الدفاع عن كل ما تفعله إسرائيل أيًا كان. كغطاء للتحالفات الاقتصادية، واشتباك مصالح نخبتها الاقتصادية والمالية مع إسرائيل.

لكنه من ناحية أخرى، كمدرب للبارسا، يهاجم ما فعله اللاعب لأنه ربما يُعرِّض ناديه، أحد أغنى أندية العالم، لبعض المضايقات أو الدعاية المضادة. محاولًا تجنب تفاهات لن تؤثر على النادي. فيما يخاطر اللاعب الشاب بكل مشواره ومستقبله مقابل هذا الفعل للتعبير عن رأيه وانحيازه.

فعل لامين يامال، وردود الأفعال المستهجنة له، وحملة التشهير به، كلها سياسة. وإن كان قد صمت، أو قال مثل آخرين إن كل الأرواح مقدسة، وهي أفعال سياسية أيضًا، ما كان لينتقده أحد. لكن لامين يامال، ورغم صغر سنه، أدرك أن كل شيء سياسة، وأراد إعلان إلى أي جانب يقف.

يعرف اللاعب الشاب، دون كلمات كبيرة، ما يعرفه الأستاذ محمود الموظف المتقاعد، ولم يعبر عنه خوفًا؛ أن سعر كيلوجرام اللحم، إن كان بعشرة قروش أو بألف جنيه، وقدرتنا على شرائه، سياسة. يجب أن نسأل عنها أصحاب السلطة، والنخب المالية التي صنعتهم وتساندهم. وغياب السؤال هو صمت سياسي ندفع ثمنه اقتصاديًا ومعيشيًا، وسياسيًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.