افتتاحية| عشر سنوات من النجاة
آمال كبيرة تكسّرت بعد نهاية الربيع العربي بالطريقة التي انتهى بها، وأدخلتنا في خريف طويل، أُغلقت، خلاله، في وجه الصحافة المستقلة أبواب المؤسسات الصحفية التي لم تعد صفحاتها تتسع لخبر مهنيٍّ أو مقال رأي يتضمن نقدًا، حتى لو كان يسيرًا.
كان هذا دافعنا لتأسيس موقعٍ مستقلٍ يُقدِّم صحافةً تضع الناس: الجمهور المتلقي، على رأس أولوياتها. موقع يكون الوسيط الصحفي الذي لا تحتاج فيه وسيطًا؛ مساحة حرَّة للكُتَّاب والصحفيين المحترفين والهواة على السواء، يمكن، لأيٍّ من كان، النشر فيه دون الحاجة لسابق معرفة بأحد المحررين أو العاملين، دون مجاملات ولا تنازلات.
ومن مكتب استأجره المؤسسون في مبنى الجريك كامبس التابع للجامعة الأمريكية عام 2014، وسط القاهرة، بدأ كل شيء؛ وضع بذرة "كتاب الأسلوب"، فهم الجمهور المستهدف وتصنيفه، ثم أخيرًا اختيار اسم الموقع من بين أكثر من مائة اقتراح، لتولد المنصة.
حلُمنا بـ المنصة موقعًا مستقلًا يسائل السُلطة ولا يتحدث باسمها، ويفسر للجمهور القرارات المؤثرة دون تبريرها. وهكذا تأسَّستْ منبرًا مستقلًا للصحافة التشاركية لا قيد عليها إلا مواثيق الشرف الصحفية، ولا مُمِلٍ لقراراتها إلا مصلحة القارئ.
في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، صار موقعنا حيًّا للمرة الأولى في بثٍ تجريبيٍّ على موقع بسيط التصميم كبير الطموح. لاحقًا طوَّرناه كليًّا في يوليو/تموز 2022، بتصميم عصري وهوية بصرية جديدة، دون أنْ نتخلَّى عن شعارنا المؤسِّس "ما رواه الناس"، ليستوعب تقنيًا خدماتنا الجديدة التي نود تقديمها للقارئ.
وبعد عام آخر، أطلقنا قسم "أخبار وتقارير" في مايو/أيَّار 2023؛ واعدين وقتها بتقديم أخبار نظن أنّها تهم قارئنا، ملتزمين في صياغتها بالنزاهة والموضوعية، وتشتمل متونها خلفيات شارحة وسياقات كاشفة، متعهدين بألا نسعى إلى السبق بقدر السعي إلى التقصي الموضوعي وتحري الدقة. واليوم نرجو أنْ نكون عند العهد.
واليوم، والمنصة تنطق بلغتين؛ بعد إطلاق النسخة الإنجليزية التي أكملت عامها الأول، نستطيع أن نخاطب الجيل الثاني وما يليه من أجيال المهاجرين إلى الغرب، وأن نكون جسرًا بين مصر وكلِّ راغبٍ في معرفة أخبارها، بقصص ومواد صحفية معمقة من مصادر موثوقة.
في أيامنا الأولى كان ما وعدنا به هو المهنية لا الحياد، باحثين عن الوضوح وسط أكوام العبارات المطاطة والاستعراضات.
غير أنَّ أعظم إنجازاتنا طيلة هذه السنوات العشر هو البقاء. وسط التضييق على المجال العام واختفاء الصحافة المستقلة والحزبية، إلا قليلًا، لا يسعنا سوى اعتبار استمرارنا نجاةً تستحقُ الاحتفاء.
حُجبت المنصة ثلاث عشرة مرة، غَيَّرنا في كل مرة الدومين لنتمكن من تجاوز الحجب، ولم يعد بإمكان قرائنا في مصر منذ 2017 تصفح موقعنا عبر الرابط الأصلي (com.).
وفيما نكتب عن الحرية والمساءلة يقبع زميلنا رسام الكاريكاتير أشرف عمر في محبسه، منذ نحو عامين دون محاكمة، على ذمة اتهامه بـ"تمويل جماعة إرهابية" و"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها".
اليوم، ونحن "نحتفل" باليوم العالمي لحرية الصحافة، نرجو أنْ يحتفل أشرف بحريته قريبًا، وأنْ يكون آخر المحبوسين على ذمة قضايا الرأي. ونرجو أيضًا؛ أن يتجاوز طموحنا في المستقبل مجرَّد النجاة.
لأن القارئ لا بد أنْ يعرف، والحديث يجب أنْ يستمر.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.