تصميم مبني على تعديل لوحة "قَسَمْ الإخوة هوراس" 1784 للفنان الفرنسي جاك لوي دافيد (1748 - 1825) بواسطة سيف الدين أحمد، باستخدام Chatgpt, Adobe Photoshop
هناك ما يؤشر إلى أن تحالفًا نشأ واشتد بين إسبرطة وضرطة في النصف الأول من القرن

إسبرطة وحليفتها ضرطة

منشور الأحد 17 أيار/مايو 2026

نقل لنا المؤرخ اليوناني القديم خرالامبوس الإيخي تفاصيلَ دقيقةً عن توازنات القوى والتحالفات الاقتصادية في الشرق الأدنى في تلك القرون البعيدة. لا يخفى على متخصص، وربما غير متخصص، أن كتاباته وتحليلاته طالما تمحورت حول إسبرطة؛ الدولة اليونانية القديمة ذات الطابع العسكري الغالب، التي اعتمدت على حكم جماعي لمالكي الأراضي من خلال مجلس عام يُعرف بالجروسيه، ينتخب بدوره جميع المسؤولين، بما في ذلك مَلِكان اثنان بصلاحيات محددة ومحدودة من قبل المجلس.

استند الملمح الديمقراطي في إسبرطة إلى حقيقة اجتماعية-اقتصادية مخيفة، وهي أن معظم سكان المدينة ومحيطها في مقاطعة لاكيديمونيا من عبيد الأرض المعروفين بالهيلوت، وهم سكان المقاطعة الأصليون، وورد عليهم الإسبرطيون بقوتهم العسكرية الساحقة يقودهم هرقل ابن الإله زيوس ذات نفسه، الذي وعدهم بالإقليم كحق إلهي.

هكذا اعتمد الإسبرطيون الأحرار على مؤسسات تشاركية قائمة على كونهم جميعًا من ملاك الأراضي، بما عليها من الهيلوت، كما اعتمدوا على خدمة الأحرار جميعًا بدون استثناء في الجيش باعتباره قوام الحياة العامة والخاصة عبر طرق تنشئة وتدريب يخضع لها الأطفال منذ نعومة الأظافر بما يمكنهم من بناء قدراتهم البدنية، ومهاراتهم القتالية، وبما يبرر وضع كل منهم الاجتماعي فيما بعد بسجل خدمته العسكرية وبطولاته.

قطة تنتسب للنمور

انصب اهتمام القراء والمتابعين على كتابات خرالامبوس عن إسبرطة؛ الأسطورة الخالدة حتى يومنا هذا كنموذج اجتماعي للدولة/المجتمع/المعسكر، ومثال للجاهزية العسكرية الدائمة لقمع السكان الأصليين تارة، والدفاع عن الاحتلال والتوسع تارة أخرى. لكن قليلين من التفتوا إلى ما كتبه مؤرخنا عن حليفة صغيرة لإسبرطة كان اسمها فيما يبدو ضرطة.

ضرطة نموذج للدولة/المدينة الساحلية يحكمها أوليجاركية مكونة من القبائل الأصلية يعتمدون تمامًا كإسبرطة على قاعدة عريضة من العبيد للقيام بأعمال الشحن والتفريغ والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى تصدير زيت الزيتون. الفارق أن عبيد ضرطة مستجلبون من مناطق أخرى عبر البحار، ولم يكونوا مثل الهيلوت من السكان الأصليين الذين تعرضوا للإزاحة والقمع من الإسبرطيين.

لا نجد أدلةً كافيةً لفهم تحول ضرطة إلى العسكرة

لم يكن هناك في بادئ الأمر تعاملاتٌ كثيفةٌ بين إسبرطة وضرطة لبعد المسافة بينهما من جهة، وللاختلاف الكبير -رغم التشابهات- في التكوين الاجتماعي والاقتصادي لكل من الدولتين من جهة أخرى. لكن خرالامبوس الإيخي يورد آثارًا عن تقارب كبير وقع بين الدولتين في اليونان القديم. من المذهل أنه يفسر هذا التشابه في التنظيم السياسي كون قاعدة المجتمع في الحالتين من المستعبدين.

يشير مؤرخنا إلى ظهور ما يبدو أنه ميول عسكرية لدى دولة ضرطة رغم أن أغلبية سكانها عبيدٌ ليس لهم أن يخدموا في أي جيش خشية انقلابهم على أسيادهم، وينوه بأدلة أركيولوجية تؤشر إلى اتجاه حكامها إلى بناء السفن، وربما شراؤها من إسبرطة وغيرها.

كما وصلت إلينا أنباء أخرى عن استخدام مرتزقة في صراعات عدة في مراحل لاحقة حاول فيها الضرطيون تعويض قلة العدد وغياب الثقة في عبيدهم المستجلبين من خلال الإتيان بمرتزقة يقاتلون مقابل أجر، وإن كنا لا نعرف الكثير عن أصول هؤلاء العاملين بالارتزاق، ولا عن شروط عملهم هناك.

من العجيب أننا لا نجد أدلةً كافيةً لفهم تحول ضرطة إلى العسكرة التي تتضارب مع المكانة التي وصلتها مركزًا للتبادل الاقتصادي، إذ تشي العملات المتنوعة التي وجدها المنقبون عن نجاح المدينة الساحلية في اجتذاب تجار من جميع الأصقاع على النحو الذي قد يفسر كذلك ما نقله المؤرخون عن ثراء حكامها وبذخهم.

تاريخ بلا ضرطة

هناك ما يؤشر إلى أن تحالفًا نشأ واشتد بين إسبرطة وضرطة في النصف الأول من القرن. ثمة نقوش توثق لذلك، كما توجد إشارةٌ إلى إسبرطة وإسبرطة أخرى تُوصف بالصغيرة، وهو ما أخذه المؤرخون كمجاملة استخدمها الإسبرطيون الأوائل مع حلفائهم الضرطيين المعجبين بهم، بينما هم يكنّون لهم مزيجًا من العطف والاحتقار.

بانتهاء النصف الأول من ذلك القرن لم يبق من ضرطة الكثير

خلال الفترة ذاتها تقريبًا تناثرت أخبار هنا وهناك عن تورط ضرطة في صراعات بعيدة كثيرًا عن حدودها، باستخدام مرتزقة أو بتأييد أوليجاركيات محلية في تلك المدن والأقاليم، ولا يبدو أن أيًا من هذه المغامرات العسكرية تكلل بالنجاح. إذ يفيد خرالامبوس وغيره بأن النمط المعتاد لتورط حكام ضرطة كان المبالغة في الإنفاق لشراء المؤن والسلاح وتجنيد المرتزقة دون تحقيق أي مكاسب فعلية، وربما أسهم هذا في تأزيم وضعهم الاقتصادي في مرحلة لاحقة (لا ندري يقينًا).

على كل حال تشير الكشوف الأثرية إلى أنه بانتهاء النصف الأول من ذلك القرن لم يبق من ضرطة الكثير، ويبدو أن الميناء تعرض لحريق هائل توقفت بعده الأنشطة الاقتصادية في ذلك الجزء من اليونان القديم؛ يقول لنا خرالامبوس إن الضرطيين جلبوا على أنفسهم غضبًا من جيران لهم أشد منهم بأسًا وقوةً بسبب تحالفهم مع إسبرطة، علاوة على إفراطهم في المغامرات العسكرية التي لم يكونوا مؤهلين لها قط لأنهم كانوا، والكلام لخرالامبوس، تجارًا فحسب في أحسن الأحوال.

هكذا خرجت ضرطة من التاريخ المدون، وربما يعود المثل اليوناني القديم "اختفى كضرطة في إعصار هائل" إلى هذه الدولة-المدينة وتجربتها القصيرة التي لم يلتفت إليها الكثيرون، ربما عن حقٍ لقلة أهميتها لولا تقاطعها في مرحلة ما مع إسبرطة، التي هي الأخرى لم تُختتم قصتها بخير، إذ ظلت تحارب بلاد اليونان وغير اليونان، متصورةً أن مجتمعًا يمكن أن يقاتل إلى الأبد حتى سقطت على سيفها كما يقول المؤرخون الرومان. ولكنَّ لهذه القصة موضعًا آخر نحكيها فيه.