صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
زيادة أسعار الاتصالات وحدود الشمول الرقمي في مصر

زيادات الإنترنت.. الاتصال لمن اقتدر

منشور الاثنين 11 أيار/مايو 2026

قد يبدو قرار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الصادر في 6 مايو/أيار الحالي، بزيادة أسعار بعض خدمات الاتصالات، وطرح باقات أصغر، وإتاحة المواقع الحكومية والتعليمية مجانًا بعد نفاد الباقة، محاولةً لتخفيف أثر زيادة الأسعار على المستخدمين، لكنه يكشف ترتيبًا أدق للعلاقة بين المواطن والبنية الاقتصادية الرقمية. 

فيما تقر الدولة بأن عدم اتصال مواطنيها بالإنترنت يعطل وصولهم إلى قنواتها الرقمية، لا تتعامل مع الاتصال باعتباره شرطًا للعمل والتعليم والمعرفة والتواصل، وتتوقف الحماية المعلنة عند الحد الذي يسمح للمستخدم بفتح موقع حكومي أو تعليمي، بينما يبقى الاستخدام الأوسع والحقيقي خاضعًا للقدرة على الدفع، لتتحول سياسة "الشمول الرقمي" من مساواة في شروط النفاذ إلى إدارة متدرجة للاتصال.

يشي القرار  بهذا الأمر بوضوح، إذ وجّه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الشركات بطرح باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيهًا بدلًا من أقل باقة قائمة بسعر 210 جنيهات، وباقة محمول بسعر 5 جنيهات بدلًا من أقل باقة كانت تقارب 13 جنيهًا، وفي الوقت نفسه وافق على زيادات بين 9% و15% على بعض الباقات شاملة الضرائب، مع تثبيت أسعار دقائق الصوت للثابت والمحمول وكروت الشحن والمحافظ الإلكترونية. 

بررت الحكومة قرار الزيادة بالحاجة إلى استدامة تطوير الشبكات ورفع كفاءتها مع نمو الطلب، في إشارة إلى زيادة استخدام الإنترنت الأرضي 36% خلال عام واحد، وإلى أثر سعر الصرف وتكاليف الكهرباء والوقود والتشغيل وإنشاء الشبكات وسلاسل الإمداد.

الاتصال الوظيفي لا يكفي للنفاذ الكامل

لا تعمل هذه اللغة كتبرير تسعيري فقط؛ فهي تنقل جزءًا من تكلفة التوسع من حسابات الدولة والشركات إلى ميزانية المستخدم، مع إجراءات تخفيف شكلية تمنح نقطة دخول أرخص ولا تضمن بالضرورة اتصالًا كافيًا.

يحدد الاتصال الضروري بما يكفي لاستمرار المعاملة الرسمية أو التعليمية، لا بما يكفي للمشاركة الكاملة في الفضاء الرقمي. هذا التحديد يصطدم بموقع الإنترنت في الحياة اليومية في مصر. فمؤشرات الجهاز لاستخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في 2026 تظهر وجود 65.6 مليون مستخدم يتصفحون الإنترنت ويحملون المحتوى، و55 مليون مستخدم يستخدمون محركات البحث، و54.3 مليون مستخدم للسوشيال ميديا، و22.6 مليون مستخدم لتطبيقات الخرائط. 

تزداد أهمية الاتصال مع توسع الخدمات العامة الرقمية، ففي 2025، بلغت خدمات منصة مصر الرقمية 210، وارتفع عدد مستخدميها إلى 10.7 مليون مستخدم، ونُفِّذ عبرها أكثر من 25 مليون معاملة واستعلام.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت وزارتا الاتصالات والتموين قصر تقديم تسع خدمات من خدمات السجل التجاري على منصة مصر الرقمية، منها تحديث بيانات السجل التجاري، واستخراج مستخرج سجل، وشهادة بيانات، وطلب شهادة سلبية. بالتالي فإن القدرة على الاتصال هي شرط امتثال إداري وقانوني. 

سقف للطالب والأسرة

في التعليم، لا يعني وجود منصات تعليمية رسمية وخدمات مثل موقع التنسيق الإلكتروني أنه صار كله رقميًا، لكنه يعني أن تجربة الطالب لم تعد محصورة في المدرسة والكتاب والورقة، فالوصول إلى الشرح والمواد والبث والتقديم ومعرفة النتائج وإدارة المسار التعليمي باتت تمر بدرجات متفاوتة عبر الإنترنت، والطالب الذي يقتصد في الاستهلاك يواجه تعليمًا أضيق لأن البنية السعرية تضع سقفًا اجتماعيًا لاستخدامه.

لا تستخدم الأسرة الإنترنت كفرد واحد ولا تفصل بسهولة بين الدراسة والعمل والتواصل والترفيه

هنا يظهر الفارق بين ما يمكن تسميته اتصالًا وظيفيًا واتصالًا كافيًا؛ الاتصال الوظيفي يسمح بإنجاز معاملة، أو فتح موقع حكومي، أو متابعة قناة تعليمية رسمية، أو البقاء داخل الممرات الرقمية التي تحددها الإدارة. أما الاتصال الكافي فيسمح للعامل بمراسلة صاحب العمل، وتتبع موقع، واستقبال تكليف، والبحث عن فرصة، ويسمح للطالب بالوصول إلى مصادر شرح متنوعة، وللأسرة بإدارة الخدمات والمصروفات والتواصل، وللمواطن بالبحث عن معلومة ومقارنة الخيارات والوصول إلى الأخبار والخدمات.

لا تلغي مجانية المواقع الحكومية والتعليمية الفجوة بين هذين المستويين، بل تجعلها أكثر وضوحًا فيما تضمنه من اتصال كافٍ للإدارة، واتصال غير مضمون للتمكين.

أما الباقات الصغيرة الجديدة فتخفف الاحتكاك أكثر مما تعالج أصل التفاوت. باقة الخمسة جنيهات أو الباقة الأرضية الأرخص تمنح نقطة دخول منخفضة النكلفة، لكنها لا تجيب وحدها عن السعة والصلاحية وعدد مرات التجديد ونمط الاستخدام داخل الأسرة.

هنا يجب النظر إلى أن الأسرة لا تستخدم الإنترنت كفرد واحد، ولا تفصل بسهولة بين الدراسة والعمل والتواصل والترفيه. وحين تضيق السعة، يتحول الاتصال إلى فرز يومي للاستخدامات؛ درس يؤجل، أو فيديو تخفض جودته، أو ملفات لا تُحمّل. هذا التقشف هو الشكل الذي تتحول به الزيادة السعرية إلى توزيع طبقي للوقت والمعرفة والفرص.

الإنترنت من وعد بالحرية إلى السيطرة الرأسمالية

يزداد التفاوت لدى من يعتمدون على الإنترنت المحمول وسيلة اتصال أساسية. يذكر تقرير الجهاز عن استخدام الإنترنت في 2026 زيادة عدد مستخدمي الإنترنت المحمول 7.9 مليون مستخدم جديد خلال عام، مقابل مليون مستخدم جديد للإنترنت الثابت.

هذا الفارق يشير إلى اعتماد واسع على اتصال أكثر مرونة، لكنه غالبًا أعلى تكلفة لكل وحدة بيانات وأكثر تعرضًا للتجديد المتكرر وحدود السعة، ويظل الإنترنت المحمول، رغم انتشاره الواسع،  أكثر تكلفة من الاتصال المنزلي عند قياسه بسعات استخدام واقعية لا بالسلال الإحصائية الدنيا.

أرباح على قفا الفقير

صار الاتصال جزءًا من تكلفة العمل والتعليم والخدمة العامة والتنقل والعلاقات الاجتماعية. ومع ضغط الأسعار على الدخول، لا تتحمل الأسر العبء بالتساوي. 

يعد قرار المجلس القومي للأجور رفع الحد الأدنى إلى 7000 جنيه في مارس/آذار 2025، ثم رفعه مرة أخرى إلى 8000 جنيه بداية من أول يوليو/تموز 2026، اعترافًا رسميًا بالحاجة إلى مراجعة الأجور في مواجهة المتغيرات الاقتصادية، لكنه يوضح أيضًا ضيق هامش المناورة لدى الأسر منخفضة الدخل حين تتزاحم تكاليف الغذاء والطاقة والسكن والمواصلات والاتصال.

هنا لا يجوز تجاهل حجة التكلفة. بالتأكيد يحتاج قطاع الاتصالات إلى استثمار مستمر، والشبكات تواجه ضغطًا متزايدًا، ومدخلات التشغيل ارتفعت. مثلًا، في مارس/آذار 2026، رفعت وزارة البترول سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر، ضمن تعديل أوسع لأسعار المنتجات البترولية بررته بتطورات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين، بالتالي ربط الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قراره بالحاجة إلى تحديث الشبكات ورفع كفاءتها التشغيلية ومجاراة نمو الاستخدام.

مقر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أرشيفية

لكن وجود تكلفة حقيقية لا يحدد من يتحملها وحده، إذ توجد اختيارات مختلفة لتوزيع العبء منها تحميل المستخدم النهائي، وامتصاص جزء منه من أرباح الشركات، وتوسيع دور الخدمة الشاملة، وإعادة هيكلة العوائد، أو ربط أي زيادة بمؤشرات جودة وشفافية تفصيلية.

 لكن القرار اختار تمرير العبء إلى المستخدمين مع حزمة تخفيف شكلية. أي أن الأزمة العامة، بما فيها آثار الطاقة وسعر الصرف والاستيراد والاستثمار كثيف الكلفة، تصل في النهاية إلى ميزانية الأسرة في صورة إنفاق إضافي على الاتصال.

تزداد مركزية سؤال التوزيع عند النظر إلى أداء الشركة المصرية للاتصالات، إذ أعلنت الشركة في نتائج أعمال 2025 إيرادات بلغت 106.7 مليار جنيه، بزيادة 31% على أساس سنوي، ونمو إيرادات البيانات 46%، وهامش أرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغ 45%، وصافي ربح قدره 22.6 مليار جنيه.

لا تنفي هذه النتائج الحاجة إلى الاستثمار، ولا تثبت وحدها أن كل زيادة غير مبررة، لكنها تمنع قبول خطاب التكلفة كما لو كان القطاع في وضع انكماشي عام. وحين يتزامن نمو الربحية مع تمرير تكلفة إضافية للمستخدم، يصبح توزيع العبء قضية مركزية في تقييم القرار.

وتذكر صفحة الخدمة الشاملة لدى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن صندوق الخدمة الشاملة أُنشئ لتعويض مقدمي الخدمات في المناطق غير المجدية اقتصاديًا، وأن أهدافه تشمل ضمان توفير خدمات الاتصالات لجميع أفراد المجتمع بأنسب الأسعار، وبأسس عادلة، مع تقديم الخدمات للمناطق النائية والمؤسسات التعليمية والمكتبات العامة.

كما تذكر الصفحة أن قانون تنظيم الاتصالات يقوم على علانية المعلومات، والمنافسة الحرة، وتوفير الخدمة الشاملة، وحماية المستخدم. هذا يجعل التسعير مسألة تنظيمية واجتماعية، لا علاقة تجارية محضة بين شركة ومستهلك.

يتعقد الدور العام أكثر لأن الدولة تنظم السوق وتملك حضورًا ماليًا فيه وتتبنى في الوقت نفسه خطط توسع للبنية الرقمية. فقد عرض الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات استراتيجية الطيف الترددي المحمول 2026-2030 باعتبارها خطة خمسية لإتاحة 410 ميجاهرتز إضافية من الترددات، وتحسين جودة الخدمة، وتسريع نشر الجيل الخامس، ودعم التحول الرقمي. المستخدم المحلي يدفع ثمن خدمة يومية، بينما يُطلب من القطاع أن يخدم أهداف النمو والتحول الرقمي والتموضع الإقليمي.

لا يقتصر التناقض في السياسات والأهداف على تطوير البنية الرقمية، لكن في غياب ضمانات كافية لتوزيع فوائد التطوير وأعبائه بعدالة.

الحد الأدنى والحق الاجتماعي

أكد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن الحقوق التي يتمتع بها الناس خارج الإنترنت يجب أن تُحمى على الإنترنت، بما في ذلك حرية التعبير، وشدد على أهمية الإنترنت في الوصول إلى التعليم وتقليل الفجوة الرقمية. ويضع الاتحاد الدولي للاتصالات مفهوم "الاتصال الشامل وذي المعنى" في صياغة واضحة؛ أن يتمكن الجميع من الوصول إلى الإنترنت في ظروف ملائمة، وبتكلفة ميسورة، في أي وقت ومن أي مكان.

معيار التكلفة لا يكفي حين يعتمد على المتوسطات وحدها. قد تبدو خدمة ما ميسورةً كنسبة من الدخل القومي الشهري للفرد، بينما تصبح عبئًا كبيرًا على أسرة محدودة الدخل تحتاج إلى سعات أكبر من السلة الإحصائية الدنيا.

تلقى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات 123,857 شكوى في النصف الأول من 2025

وضعت لجنة النطاق العريض التابعة للأمم المتحدة هدفًا يجعل خدمات النطاق العريض الأساسية دون 2% من الدخل القومي الشهري للفرد في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. قيمة هذا المعيار أنه يربط السعر بالدخل، لكن قصوره يظهر عندما تُخفى الفروق الطبقية والجغرافية داخل المتوسطات.

يضيف تاريخ الشكاوى والرضا عن الخدمة بُعدًا آخر، إذ تلقى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات 123,857 شكوى في النصف الأول من 2025، بينها 34,261 شكوى تخص الإنترنت الثابت، وبلغ معدل شكاوى الإنترنت الثابت 282 شكوى لكل 100 ألف مشترك.

كما يظهر استطلاع رأي مستخدمي خدمات الاتصالات في الربع الثاني من 2025 تفاوتًا في الرضا عن جودة الإنترنت وخدمة العملاء وحل الشكاوى والفواتير بين الشركات. لا تقول هذه البيانات إن القطاع فاشل، لكنها تقول إن الجودة لم تكتمل بعد من وجهة نظر المستخدمين، وذلك ما يجعل الزيادات مرفوضة أكثر.

يكشف قرار مايو 2026 أن الاعتراف الرسمي بمركزية الإنترنت لم يتحول إلى ضمان عادل لشروط النفاذ، وأن الاتصال ليس هامشيًا، والأزمة المعيشية لم تعد منفصلة عن البنية الرقمية، والشمول لا يقاس بعدد المستخدمين أو عدد الخدمات وحدها، وأن زيادة أسعار الاتصالات تنتج مستخدمًا قادرًا على المرور عبر الحد الأدنى من القنوات الرقمية، وليس مواطنًا يمتلك نفاذًا  كافيًا ومنتظمًا وميسور الكلفة إلى التعليم والعمل والخدمات والمعرفة والترفيه.