عسكرة التقنية| خريطة مقاولي الحروب
في مارس/آذار 2026، كشفت تقييمات فصلية نشرتها مدونة صندوق النقد الدولي كيف رفعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران فواتير استيراد الوقود والأسمدة والغذاء على الاقتصاديات منخفضة الدخل، وضغطت على احتياطاتها الهشة. في الأشهر ذاتها، سجّلت إيرادات الحوسبة السحابية ارتفاعات فصلية مدفوعةً جزئيًا بتوسّع العقود الحكومية والأمنية.
المقابلة بين المسارين تشير إلى إعادة توزيع، فصدمات الطاقة المرتبطة بالحرب توسّع عجز الحساب الجاري وتستنزف احتياطات الاقتصادات منخفضة الدخل، بينما في الاقتصادات المتقدمة يعاد توجيه الإنفاق نحو الأمن والبنية التحتية الرقمية، ما يخلق طلبًا إضافيًا على الخدمات التقنية. عند هذه النقطة، يتحول السؤال من التساؤل عن وجود الترابط إلى تشريح القنوات المالية والتجارية التي يُعاد عبرها إنتاجه عالميًا.
الربح والسيطرة
ثمة إجابة راسخة في الاقتصاد السياسي تربط نشوء الحروب بتكالب التنافس بين الرأسماليات الكبرى على الموارد والممرات ومجالات تصدير رأس المال، ضمن بنية يندمج فيها رأس المال مع الدولة. قيمة هذا الإطار التحليلية تكمن في قدرته على تتبّع أشكال تاريخية محددة من الصراع داخل تطور رأسمالي عالمي غير متكافئ ومركّب.
الحرب على إيران سهّلت على الرأسمالية التقنية توريط الدول في عقود سحابية عسكرية طويلة الأجل
تحتل إيران في حالة 2026 موقع اندماج غير متكافئ داخل السوق العالمية، تتجاور فيه بنى إنتاجية وقدرات إقليمية مع قيود عميقة على التمويل والتجارة بفعل عقوبات امتدت عقدين. وهو ما يحدد شكل حضورها في منطق الصراع العالمي عبر اقتصاد يجمع ثقلًا استراتيجيًا حقيقيًا في الطاقة والممرات مع إقصاء ممنهج من دوائر رأس المال العالمي، دون أن يملك أدوات تصديره التي تميّز القوى المهيمنة.
هذه الحرب أداة لإعادة رسم من يتحكم في تدفق الطاقة الإقليمية ومن يملك شروط العبور في الممرات البحرية والبرية الحيوية. ذلك يجري عبر فرض موازين قوة جديدة تحدد أسعار الوصول إلى الموارد وتكاليفه على الاقتصادات العالمية. ولا تقف اختلالات القوة التي تحكم هذه العملية عند حدود دولة بعينها، فالاقتصاد الذي يتحمل تكاليف الصراع، والاقتصاد الذي يجني عائداته، يعملان داخل نظام واحد، وتفاوتهما شرط لاستمراره.
ربط أباطرة التسليح الصناعي في القرن الماضي أرباحهم بالاستهلاك في الحرب مثل صاروخ يُطلَق أو دبابة تُدمَّر أو طلب يتجدد. لكن رأس المال التقني يعمل بمنطق مختلف. شركات الحوسبة السحابية لا تبيع سلعة تُستنفَد، إنما تبني بنية تحتية تُدار عبرها العمليات وتُخزَّن فيها بيانات الاستخبارات وتُنسَّق من خلالها قرارات الميدان.
في هذا النموذج يتحقق الربح عبر عقود خدمة متجددة، وتكلفة الخروج من هذه الأنظمة -تقنيًا ومؤسسيًا- ترتفع كلما عمّق الاندماج، وهذا يعني أن الدولة التي تخوض حربًا بهذه البنية تدخل في علاقة اعتماد هيكلية مع مزوديها.
حدود التشبع
الموجة التي ينتقل فيها رأس المال التقني إلى العقود الحكومية والعسكرية تكثّفت في السنوات الأخيرة لأسباب مرتبطة بدورة طويلة في الرأسمالية المعاصرة. ربما أحد أهم هذه الأسباب أن قطاع التقنية الاستهلاكية، الذي قاد دورات النمو خلال العقدين الماضيين، دخل مرحلة تباطؤ نسبي بعد سنوات من التوسع السريع. فالإعلان الرقمي لا يزال ينمو، لكنه لم يعد يستند إلى القفزات نفسها التي رافقت صعود المنصات الكبرى.
كما أن نمو المستخدمين تباطأ مقارنة بمرحلة التوسع الأولى، بينما تضغط المنافسة الداخلية وارتفاع تكلفة البنية التحتية على معدلات الربح. لذلك، يبحث رأس المال المتراكم في الموجة السابقة عن جبهة جديدة تضمن له عوائد مرتفعة ومستقرة، فيتجه إلى السحابة المؤسسية والحكومية التي تقدم لرأس المال ما يصعب على السوق الاستهلاكية تقديمه؛ عقود تمتد لسنوات، وعميل تربطه تكاليف انتقالية مرتفعة بمزوّده الحالي، وميزانيات تتوسع تحت ضغط أمني لا يخضع للحسابات الاقتصادية المعتادة.
تدفع أزمة معدل الربح في القطاعات التقليدية -من الصناعة إلى التجزئة إلى العقار- الأموال نحو هذا الفضاء الجديد، وما يُسمّى "الذكاء الاصطناعي الحكومي" و"السحابة الدفاعية" يكلل بحثَ الرأسمالية عن جبهة تراكم بديلة تحت ضغط استنفاد جبهات سابقة.
قد تكون الحرب على إيران سرّعت هذه الديناميكية التي بدأت قبلها بسنوات، فتحت ضغط أزمات تراكمية في القطاعات الأخرى، وبحث رأس المال المالي عن أصول قادرة على إنتاج عوائد مستقرة، تشكّلت موجة انتقال نحو السحابة الحكومية والعسكرية، بالتالي ما تفعله الحرب الراهنة هو تسريع الدورة وتقديم مبرر سياسي وأمني لإنفاق كان سيواجه مقاومةً أكبر في ظروف السلم.
خصخصة الحرب
تمثل شركة Palantir الشكل الأكثر وضوحًا لهذا الاندماج، فهي نشأت عام 2003 بتمويل مبكر من In-Q-Tel، ذراع الاستثمار التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي موّلتها كمن يُؤسّس بنية سوق ستعود إليه لاحقًا كمورّد لازم.
بنَت الشركة منتجاتها الأولى حول حاجة أجهزة الأمن إلى دمج مصادر بيانات متباينة في منصة تحليل واحدة. ويفيد تقرير الشركة السنوي لعام 2025 بأن 54% من إيراداتها البالغة 4.5 مليار دولار جاءت من عملاء حكوميين، موزّعةً على الجيش والاستخبارات والجمارك والهجرة، وما تبيعه لجهاز الدولة هو قدرته على الرؤية والتصنيف والاستهداف، ما يجعل نصف إيراداتها مستندًا مباشرةً إلى كثافة الاستخدام الأمني، لذا يعد ربحها دالًا على مستوى نشاط الدولة في الحرب والمراقبة.
ثمة شكل من التراكم أعمق وأصعب رؤيةً من عقد Palantir المباشر. في ديسمبر/كانون الأول 2022، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية إسناد عقود Joint Warfighting Cloud Capability إلى أمازون وجوجل وميكروسوفت وأوراكل بسقف مالي يصل إلى 9 مليارات دولار، بحيث يمكن الحصول على قدرات سحابية تجارية بسرعة المهمة لكل مستويات التصنيف، من المقرات إلى ميدان العمليات ذاته.
وحين أعلنت البحرية الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2025 أوامر مهام جديدة ضمن الإطار ذاته لصالح جوجل وأوراكل كانت تريد الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، للتخديم على البحارة ومشاة البحرية من المقرات إلى الميدان.
الحرب هنا تُؤسّس بنية تشغيل تعتمد عليها في التخزين والتنسيق والتحليل، وتربط التشغيل اليومي للقوات بقدرات المزود التجاري.
كما أن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي رصد ما ينتج عن هذا الاندماج مباشرةً، حين تناول رسوم إخراج البيانات من السحابة ضمن ما وصفه بـvendor lock-in. الملاحظة المهمة في التقرير أن وزارة الدفاع كانت تفتقر أصلًا إلى تتبّع منهجي كافٍ لهذه التكاليف، أي أن القرارات التعاقدية تُتّخذ تحت ضغط السرعة الأمنية دون تقدير كامل لما ستكلّفه المغادرة لاحقًا.
طبقة المتعاقدين الخفية
لا تستهلك عقود السحابة الكبرى كل عوائدها على ذاتها إذ يوجد تحتها طبقة من شركات المرتبة الثانية تتولى التكامل والتشغيل والصيانة وتدريب القوة العاملة الحكومية على استخدام الأنظمة. شركات مثل Booz Allen وLeidos وCACI وSAIC تعمل أساسًا داخل دائرة الأمن القومي والاستخبارات والدفاع، ويتجاوز عدد العاملين فيها مجتمعةً عشرات الآلاف، غالبيتهم بتصاريح أمنية حكومية. ما تبيعه هذه الشركات للدولة هو الجسر البشري والتشغيلي بين قدرة المزود الكبير والاستخدام اليومي داخل الأجهزة.
ويختلف نموذج عملها اقتصاديًا عن نموذج المزود السحابي. تبيع الشركة الكبرى طاقة حوسبة بهامش رأس مالي مرتفع، أما المتعاقد من المرتبة الثانية فيبيع ساعات عمل، واستشارات فنية. الهامش هنا أقل، لكن العقود ضخمة وممتدة، ويتراكم الربح بكثافة أعلى، عبْر توسعة الإنفاق الحكومي وليس من القفزات التقنية. وهذا القطاع يستفيد من كل أزمة ومن كل توسع تعاقدي، حتى حين تتبدّل الشركة المزوّدة للسحابة الأم.
هذه الطبقة تجعل قياس حجم الاندماج بالنظر إلى أمازون وميكروسوفت وجوجل وأوراكل وحدها قياسًا منقوصًا. عشرات الآلاف من الموظفين الذين يحملون تصاريح أمنية ويعملون يوميًا داخل المنشآت الحكومية -دون أن يكونوا موظفين حكوميين- يشكلون البنية البشرية الفعلية لتشغيل المنظومة. وتدار وظائف الدولة السيادية يوميًا بقوة عمل مستأجرة من سوق متمركزة في يد عدد محدود من المتعاقدين. وأي إدارة جديدة يستحيل عليها استبدال هذه الطبقة في فترة سريعة، حتى لو امتلكت إرادة سياسية لذلك.
تكشف هذه العقود عن طور من تطور الرأسمالية تنخرط فيه الدولة في علاقة عضوية مع رأس مال شديد التمركز. الربح الذي تولّده هذه العلاقة ليس ربحًا سوقيًا عاديًا، إذ يتولّد حين تُدمَج الوظائف العسكرية والأمنية والإدارية للدولة في بنية تقنية خاصة تسيطر عليها شركات قليلة، فتتحوّل الحاجة العسكرية إلى قناة مستقرة لاستخلاص أرباح فوق عادية.
غير أن هذا الاندماج لا يتطور في فضاء متجانس. العالم الرأسمالي الذي تشتغل فيه هذه العقود مركّب وغير متكافئ، تتجاور فيه مستويات مختلفة من التطور. والعلاقة بين الدولة ومزودي السحابة الكبار مثلًا تعكس هذا التفاوت، وكل أزمة أمنية تدفع إلى تسريع الاعتماد على هذه البنية، وكل دورة استخدام جديدة ترفع تكلفة الانفصال عنها، حتى يغدو الاحتكار التقني جزءًا من البنية الفعلية لعمل الدولة ذاتها.
تُعَمِّق الحرب هذه المعادلة. فبالإضافة إلى رفعها الطلب المباشر، تُحوّل البنية الرقمية الخاصة إلى شرط من شروط التشغيل العسكري والإداري نفسه، وتمنح رأس المال الاحتكاري موقعًا أعمق داخل جهاز الدولة، دون أن تُلغى التفاوتات والتناقضات التي يعمل عبرها هذا الاندماج على المستوى العالمي.
حملة الأسهم
ليست الشركات وحدها هي الرابح من هذا النموذج الرأسمالي. مثلًا خريطة ملكية شركات تقنية كبرى تُظهر أن BlackRock تمتلك حصصًا ضخمةً في ميكروسوفت وأمازون وأوراكل وPalantir في آنٍ واحدٍ، ويشاركها Vanguard وState Street هذا التوزيع عبر صناديق المؤشرات التي تُهيمن على ملكية الشركات الكبرى في الأسواق الأمريكية.
بالتالي فإن ارتفاع قيمة هذه الشركات تحت ضغط الإنفاق العسكري يُوزَّع عائده على شبكة رأس مال تملك أسهمًا في كل الأطراف الرابحة معًا، بصرف النظر عن أيها فاز بعقد بعينه. الرابح الفعلي هو حامل الأسهم الذي يملك حصصًا في المنظومة بأكملها، ويزيد ثراؤه سواء فازت أمازون أم ميكروسوفت في مناقصات البنتاجون المستقبلية، ذلك لأن رأس المال المالي يستفيد من البنية ويُعمّق اندماجه بها.
الاندماج بين رأس المال التقني ووظائف الدولة يحول السيطرة على قوة العمل لشرط من شروط الاستقرار
المفارقة أن أموال هذه الصناديق ليست أموال مساهمين أثرياء وحدهم، فصناديق المؤشرات التي تديرها BlackRock وVanguard وState Street تستوعب جزءًا متناميًا من مدخرات التقاعد للعمال في الاقتصادات المتقدمة. مثلًا صناديق المعاشات في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، وصناديق الثروة السيادية في النرويج والخليج تحتفظ بحصص في ميكروسوفت وأمازون وأوراكل وPalantir. وشريحة واسعة من العمال -دون اختيار واعٍ- تجد أمنها التقاعدي مرتبطًا ببقاء سلسلة العقود التي تموّل الاستهداف والمراقبة.
يُعقّد هذا الاندماج سياسات المواجهة، لأن دعوة جامعة لنقل الاستثمارات بعيدًا عن شركات السلاح والمراقبة تصطدم بحقيقة أن المعاش التقاعدي للممرضة والمعلم في بعض الاقتصاديات المتقدمة بات نفسه جزءًا من البنية المالية ذاتها. التناقض هنا ليس بين رأسمالٍ شرير وعمالٍ خارج المعادلة، بل داخل منطق رأس المال نفسه، فالأجر الحاضر يأتي من قطاع منفصل، ونفقات التقاعد من القطاع نفسه الذي ينتج أدوات الحرب.
الباب الدوّار
حين يأتي مَن يشغل المنصب الحكومي من شركة تقنية كبرى، تُكتب بنود العقود بلغة تعرفها هذه الشركة وتنسجم مع منتجاتها. وحين يتجه من سيغادر المنصب إلى شركة منافسة، تُصاغ شروط القطاع بحيث تبقى صالحة لاستقباله لاحقًا.
يدير ضباط استخبارات سابقون شركات تبيع منتجاتها لأجهزتهم القديمة. مديرون من شركات السحابة ينتقلون إلى البنتاجون ويشرفون على عقود زملائهم السابقين. ما يُسمّى الباب الدوار ممرٌّ داخل بناء واحد يربط مكاتب الحكومة بمجالس الشركات عبر دورات مفتوحة طوال الوقت.
مثلًا بين 2018 و2021، ترأس إريك شميدت، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، اللجنةَ الأمريكية للأمن القومي المعنية بالذكاء الاصطناعي/NSCAI، وأشرف على إعداد توصياتها التي بُنيت عليها لاحقًا ميزانياتُ البنتاجون الخاصة بالذكاء الاصطناعي وعقوده الكبرى.
خلال السنوات نفسها وبعدها ضخّ شميدت أموالًا في شركات ناشئة في قطاع الدفاع التقني عبر صناديق استثمار مرتبطة باسمه، بعضها تعاقد على القدرات التي أوصت لجنته بتطويرها. المسافة بين من يكتب المتطلبات ومن يفوز بالعقد قابلة للقياس بأمتار داخل المبنى ذاته في مناسبات، وبصلة استثمارية مباشرة في مناسبات أخرى.
الشركة التي تفصل مهندسًا رفض المشاركة في مشروع عسكري تحمي موقعها كمورّد أمني
أما كيث ألكسندر، المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكية، فأسس شركة IronNet للأمن السيبراني عام 2014، بعد سنوات قاد خلالها وكالة الأمن القومي وقيادة العمليات السيبرانية الأمريكية. شبكة العلاقات والمعرفة المؤسسية التي راكمها داخل الجهاز انتقلت معه إلى السوق، وتحوّلت بنفسها إلى أصل تجاري قابل للبيع.
ومارك إسبر، وزير الدفاع بين 2019 و2020، كان قبلها نائبًا لرئيس العلاقات الحكومية في شركة Raytheon، أحد كبار متعاقدي الدفاع الأمريكيين، ثم انتقل إلى Red Cell Partners شريكًا ورئيسًا لشركة ممارسة الأمن القومي، حيث تعمل على الاستثمار في بناء شركات جديدة في مجالات الدفاع والأمن السيبراني والفضاء.
الحركة في الاتجاهين ليست مسارًا فرديًا استثنائيًا، لكنها ممرٌ مؤسسيٌّ منظّم تستقبله بيروقراطيات الجانبين كأنه جزء من طبيعة العمل ذاتها.
قمع عمال التقنية
في أبريل/نيسان 2024، فصلت جوجل 28 عاملًا شاركوا في احتجاجات ضد Project Nimbus. العاملون في البرمجيات والبنية السحابية وتحليل البيانات يقعون في قلب علاقة العمل المأجور، وإنتاجهم يدخل مباشرة في الوظائف العسكرية والأمنية للدولة. قمعهم يكشف أن ضبط قوة العمل داخل هذا القطاع يرتبط بحماية نمط من التراكم يقوم على العقود الأمنية طويلة الأجل، وأن الاعتراض على وجهة الإنتاج يُعامَل كتهديد للعقد الاقتصادي الذي تقوم عليه الشركة.
وتكشف حملة لا تقنية لنظام الفصل العنصري/No Tech for Apartheid، التي ضمّت عاملين في جوجل وأمازون وطالبت علنًا بإلغاء Nimbus منذ 2021، أن الاعتراض داخل هذا القطاع يتجاوز الأجر وبيئة العمل إلى سؤال: من تُسخَّر له القدرة الإنتاجية والغاية التي يُوجَّه إليها الإنتاج. وهذا النزاع امتد من شروط العمل المباشرة إلى الوظيفة الاجتماعية والسياسية لما ينتجه العمال داخل عملية الإنتاج نفسها.
كلما تعمّق الاندماج بين رأس المال التقني والوظائف السيادية للدولة، غدت السيطرة على قوة العمل التي تبني هذه البنية وتديرها شرطًا من شروط استقرار التراكم نفسه. الشركة التي تفصل مهندسًا رفض المشاركة في مشروع عسكري تحمي موقعها كمورّد أمني وتُرسّخ داخل قوة عملها معادلة مفادها أن الإنتاج ملكٌ لمن يموّله، لا لمن يبنيه.
ما يستحق التفكير عند قراءة هذه البنية هو طبيعة المخاطرة التي تنطوي عليها. كل دورة من دورات هذا الاندماج ترفع تكلفة العودة إلى الوراء، ليس فقط على الدولة، وهي تدخل في علاقة اعتماد مع مزوّدها، لكن على رأس المال التقني نفسه.
تعتمد الشركات التي بنت إيراداتها على العقود الأمنية والعسكرية على استمرار حالة التوتر التي تُنتج هذه العقود، وترتبط أرباحها بدورة الإنفاق الدفاعي، وقيمتها السوقية مسعّرة بافتراض أن هذا الإنفاق سيواصل التوسع، وأي سيناريو لتراجع جدّي في حالة التوتر العالمي يضرب نموذج عملها في صميمه، إذ صار قطاع رأس المال التقني صاحبَ مصلحة مادية في استمرار حالة الحرب أو الاستعداد لها.
يعد الإنفاق العسكري في طوره الراهن جزءًا من الاقتصاد الرقمي، وتستوعب بنيته عناصر تبدو متباعدة مثل أسعار البترول ومدخرات التقاعد، وعقد السحابة في البنتاجون، وتأشيرة العمل التي يحملها مهندس في كاليفورنيا. بالتالي فإن الاحتجاج الذي يستهدف عقدًا واحدًا أو شركة واحدة أو حربًا واحدة يصطدم ببنية يتوزع فيها الربح والأمن والتمويل والعمل عبر مستويات تجعل كل نقطة ضغط محاطة بنقاط ارتباط أخرى تمتص الصدمة وتُعيد توزيعها داخل المنظومة.