تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
التحرش بالرجال

شهادات الرجال عن التحرش.. كسرٌ جديد للصمت

كيف فتحت النساء الباب لاعتراف الرجال؟

منشور الاثنين 10 آب/أغسطس 2026

في سن الحادية عشرة هرب ياسين من منزل أسرته بمحافظة القليوبية. كان ينوي الذهاب إلى جده لكنه ضل الطريق، وعثرت أسرته عليه. بعدها بعام كرر المحاولة وغادر غرفته في بيت العائلة هربًا من التحرش والعنف اللذين تعرض لهما من أفراد من العائلة أكبر منه سنًا.

عند بلوغه سن الـ13، ومع تكرار محاولات الهروب، بات رصيف شارع فيصل بالجيزة غرفة نومه، بدأ العمل بائع مناديل ثم ماسح سيارات، حتى اندلعت ثورة 2011 ومعها تغيرت حياته.

أصبح ياسين أحد الناجين القادرين على سرد حكايته مع التحرش والاعتداء الجنسي في إعلان عن شجاعة نادرة الوجود في مجتمعٍ تخشى النساء فيه الاعترافَ بتعرضها للاعتداءات بسبب التكذيب واللوم، فيما يعتبر الرجال الأمر نفسه طعنًا في الرجولة.

شهادات النساء تكسر الطوق

مع كل موجة شهادات حول العنف الجنسي، يتشجع المزيد من الضحايا على الحكي، وتكتسب القضية أرضية جديدة؛ حتى أن الموجة التي ارتفعت في فبراير/شباط الماضي ضد محمد طاهر مؤسس مشروع "بيت فاطم" تضمنت شهادة شاب كشف عن تعرضه للاغتصاب، متهمًا الشخص ذاته باستغلاله جنسيًّا.

لم تكن هذه الشهادة سوى حلقة في سلسلة لكسر الصمت؛ إذ سبق لياسين أن روى عبر حسابه الشخصي على تيك توك، وقائع التحرش والعنف الجنسي التي تعرض لها مرات عدة ودفعتْه للهروب من منزل أسرته إلى الشارع.

فمع اندلاع ثورة يناير، بدأ ياسين يختلط ويتفاعل مع شخصيات أكثر؛ حيث سكن الجميع الرصيف وأصبح واحدًا منهم وشعر بالدفء، واستخدم موهبته في التعبير عن نفسه بالرسم؛ فرسم ما يحدث في الشارع وما يكتنفه من مخاوف وأحلام، ووجد تشجيعًا أعاد إليه شعوره بإنسانيته.

أغلب اللوم والوصم الذي تعرض له ياسين كان مصدره الرجال عادةً

قرر ياسين أن يحوّل تلك التجارب والآلام من مجرد خطوط على لوحات الرسم إلى شهادة علنية شاركها على السوشيال ميديا، كما يوضح لـ المنصة، مؤكدًا أن تفكيره في توثيق شهادته جاء من ميراث الألم الذي اختزنه من رفض أسرته تصديقه وحمايته من أطفال العائلة الأكبر سنًا؛ فقرر أن يعلّم الأهالي كيف يستمعون لأطفالهم ويوفرون لهم الحماية.

مع نشره شهادته، تعرّض ياسين لمحاولات تشويه وتشكيك في رجولته بذريعةِ أنه "غير طبيعي؛ لذا حاول الرجال فعل ذلك معه"، وامتدت لتمس مظهره المنظم والمهندم الذي اعتبروه يقتصر على النساء، وصولًا إلى نبرة صوته التي وُصفت بأنها "بناتي"، واستخدامه كلمات مثل "شكرًا" و"لو سمحت" و"من فضلك" وبعض الألفاظ الإنجليزية خلال سنواته الأولى في المرحلة الإعدادية؛ إذ اعتبرها المحيطون رقةً أنثويةً.

اللافت أن أغلب اللوم والوصم الذي تعرض له ياسين، إضافة إلى رسائل الإهانة والسخرية منه، كان مصدرها الرجال عادةً، بينما وجد قدرًا كبيرًا من الدعم والتشجيع من الفتيات والنساء؛ لأنهن الأكثر إحساسًا بهذا النوع من الألم، وتصديقًا له، وتستطعن تقديم المساندة.

افضح متحرش

في بوست على حسابه الشخصي بفيسبوك، روى المصور الصحفي حسام صابر واقعةَ تعرضه للتحرش عقب تخرجه في الجامعة قبل 6 أعوام. ما جذب النظر هو التفاعل الكبير مع منشوره؛ إذ حصد آلاف التعليقات والتفاعلات ونحو ألف شير، تنوعت بين الدعم والتعليقات الكوميدية والتخمينات، التي رأى أغلبها ضرورة فضح المتحرشين بغض النظر عن نوع الضحية، دون أن تتضمن تعليقات سلبية أو لومًا للشاب أو وصمًا له وتشكيكًا في رجولته.

89 % من الرجال الذين تعرضوا للتحرش أو الاعتداء الجنسي لم يخبروا أحدًا ولم يطلبوا أي مساعدة

فيما بعد، كتب حسام بوست آخر شكر فيه كل تعليق داعم ومشجع، وأكد أن ما تعرَّض له لن ينال من رجولته، وأنه لا يحتاج إلى التحرّك لإثبات ذلك؛ لذا لم يتردد في فضح ما تعرض له. وأوضح أن توقيت كتابته المنشور بعد ستة أعوام جاء نتيجة الأجواء المشجعة التي صاحبت حملة الفتيات لفضح المتحرشين خلال المواجهة ضد محمد طاهر.

هذا ما  لاحظته أيضًا آية عبد الحميد، الناشطة الحقوقية، التي تولت جمع شهادات ضحايا التحرش، إذ رصدت زيادةً في مشاركة الرجال شهادات التحرش في الفترة الأخيرة.

 "عارفة ضمنيًا إن الجرايم دي بتحصل بس بتفضل مستخبية" تقول لـ المنصة، وتؤكد أن المحرك الأهم في هذه المواجهة كان شجاعة الفتيات في فضح المتحرشين، مشيرةً إلى أنه رغم تركيز الجهود على رفع الوصم عن الناجين الرجال من وقائع التحرش، فإن صعوبة رفع هذا الحاجز عنهم ما زالت تشكّل أزمة قائمة.

يتسق ذلك مع نتائج دراسة علمية تُظهر أن 89% من الرجال الذين تعرضوا للتحرش أو الاعتداء الجنسي خلال الـ12 شهرًا السابقة لم يخبروا أحدًا ولم يطلبوا أي مساعدة. واعتبر الكثير منهم أن الاعتراف بما حدث أكثر قسوةً على الرجل مقارنة بالمرأة، إذ يعتبر التحرش الجنسي بالذكور من القضايا المسكوت عنها في الكثير من المجتمعات سواء العربية أو الغربية.

الرجال الأكثر صدمة

لا يتوقف التحرش بالرجال عند حد الاعتداء عليهم من رجال مثلهم، لكن البعض يكونون عرضةً لذلك من قِبَل نساء. ففي 2021 كشفت إحصائية صادرة عن مركز حماية المجتمع التابع للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن نحو 9% من الرجال تعرضوا لتحرش جنسي من نساء، وأن 4% اضطروا لعلاقات جنسية خارج إطار الزواج بسبب ضغط خارجي "مديرات أو رئيسات عمل".

ويعتبر أستاذ الاجتماع السياسي سعيد صادق التعرض لمضايقات جنسية غير مرحب بها سلوكًا مرفوضًا من الضحية بغض النظر عن جنسها، مضيفًا أن تعرض الرجل للتحرش على يد رجل آخر يحدث صدمة تشبه تلك التي تتعرض لها المرأة، مع وجود بعض الاختلافات.

ويشير صادق إلى أن الضحية يشعر بالعار ويخشى إخبار الآخرين عما حدث؛ تجنبًا للتعرض للوم أو التشكيك في ميوله.

ولفت إلى أن مشاركة الرجال شهاداتهم تُعد شجاعة في مجتمع ذكوري؛ إذ ينطوي الأمر على صمت متعمد من الضحايا خوفًا من التشكيك في هويتهم وميولهم الجنسية، ولومهم كما يحدث مع الناجيات من النساء.

مثلت تجربة ياسين، الممتدة عبر رحلة طويلة من الهروب والحرمان من الأمان، بالكشف عما تعرض له من عنف وتحرش، نقطة تحول في حياته؛ إذ دفعته لإثبات ذاته وتحول إلى رسام يشارك في معارض محلية ودولية، ويمتلك مرسمه الخاص، باعثًا برسالة للأهالي بضرورة تصديق أبنائهم وحمايتهم، ورسالة أخرى للضحايا بأن الكشف عن المعتدين لا يمثل وصمة عارًا للضحية إنما هي جريمة سواء في سجل المعتدي ولا بد أن يدفع ثمنها.