في حضرة ألبرتو جياكوميتّي
في زيارتي الشهر الماضي لمعهد النحات السويسري ألبرتو جياكوميتّي (1901- 1966) بحي مونبارناس في باريس، فوجئت بمرسمه القديم وقد عاد إلى الحياة. هذا المرسم خصص له الكاتب الفرنسي جان جينيه مقالًا بعنوان "مرسم ألبرتو جياكوميتي"، تأثرت به في بداية رحلتي مع الكتابة.
يشغل المعهد أحد القصور التراثية المصممة على طراز الأرت ديكو، ويضم نسخة أُعيد بناؤها من المرسم القديم، الذي كان يشغل المكان نفسه، حيث توجد آثار بورتريهات وتدوينات وألوان وشخبطات جياكوميتي على الجدران الأصلية، مغلفة بلوحين زجاجيين شفافين يسمحان، بأثر رجعي، بتجربة تواصل عميقة مع ماضي المرسم، وأبطاله، كأنك تعري زمنه المقدس، حين كان رمز الحياة الفنية في مونبارناس.
لم يتخل جياكوميتي عن هذا المرسم الصغير بمساحته التي لا تتجاوز 23 مترًا مربعًا، رغم وضعه المالي الجيد، بسبب تعلقه النفسي به، حتى بعد مغادرته باريس إلى جنيف سنوات الحرب.
كان المرسم يتسع كلما طالت مدة بقائه فيه، كما ذكر. أصبح الفنان ومرسمه كتلة واحدة، ينحتهما الزمن معًا، ومعهما يزداد الفراغ استئناسًا، لأنه لم يعد فراغًا، بل حياة.
بعد وفاته عاد المرسم لمالكه، لكن زوجته أنيت احتفظت بكل ما فيه، ورمَّمته، بما في ذلك الجدران المطلية والأثاث والمنحوتات الفنية الهشة المصنوعة من الجبس، بجانب الأثاث واللوحات الجدارية التي كانت تملأ كل شبر فيه.
نحت الفراغ
أسير على أطراف أصابعي، مثل باقي الزائرين، أقف وجهًا لوجه أمام عزلة تماثيله الجبسية النحيلة، التي تآكل بعضها وتعرى الهيكل الحديدي الذي يحملها، كأني أقف أمام مدينة بومبي المتحجرة. العزلة داخل هذا المرسم أيضًا متحجرة، كتب عنها سارتر، أحد أصدقاء جياكوميتي، وأحد المترددين الدائمين على مرسمه، في مقاله البحث عن المطلق "لا ينحت جياكوميتي الأجسام، بقدر ما ينحت الفراغ، الذي يحيط بها. تظهر التماثيل النحيلة المتباعدة كأنها تعيش في عزلة تجسد فكرة أن الإنسان جزيرة مغلقة".
الفراغ هنا هو الحجر، الذي يشكِّله، كي يعيد الحياة له، وينزع عنه سكونه، أو موته، ويمنحه صداقته، وموهبته. لون الجبس الحليبي يلطخ كل شيء في المرسم، كأنه درب تبانة موازٍ، يذكرني بمشهد خالد من الميثولوجيا الإغريقية، إثر انفجار اللبن من صدر هيرا عندما حاول هرقل أن يرضع منه خلسة، فتكوّن درب التبانة.
لا ينحت جياكوميتي فقط الفراغ بل اللحظات، يكتب جورج باتاي (1897- 1962) الفيلسوف الفرنسي وأحد أصدقاء جياكوميتي واصفًا منحوتاته؛ "كل ما يصنعه ما هو إلا لحظة متحجرة لإحدى تلك اللحظات التي نسميها أزمات، وهي اللحظات الأعمق في حياة الإنسان، حيث يحدث التماس بين كل ما هو خارجي ونداءاتنا الداخلية".
المرسم سيرة حياة للَّحظات الأعمق، متحف للحظات المتحجرة التي تخفي أزمات، والتي منحت هذه الأجساد المعزولة الحياة. التحجر ليس عقابًا، بل حفاظ على المعنى والحدث من الضياع، فقد كان "يصنع تماثيل تفتن الموتى".
ليست التماثيل فقط من تعيش في عزلة، يلفها السكون، والصمت، بل كل عناصر مرسمه: أعقاب السجائر، فُرش الرسم، رأس تمثال مكسورة لامرأة كأنها فصلت عن جسد صاحبتها للتو، نظارة القراءة، الكرسي الخوص أمام حامل الرسم، الزجاجات، بالطو العمل حيث يميل نصفه على الكنبة، كأن صاحبه سيعود بعد قليل ويستأنف العمل، أنابيب الألوان التي تحمل ضغط إبهامه وسبابته، الكلب المصنوع من الجبس أسفل المنضدة، أدوات النحت المعدنية الدقيقة، كأنها أدوات جراح. حتى هواء الغرفة وترابها أصابهما هذا التحجر.
عاهة سرية
يدقق جان جينيه في معنى العزلة، فهي "لا تعني شرطًا بئيسًا، بل هي بالأحرى مملكة سرية". كان يرى جياكوميتي رجلًا يفنى ببطء داخل هذا المملكة السرية. يكشف عن أحد أسرار هذه العزلة، يردها لعاهة سرية/جرح سري كان يعاني منه الفنان، فقد أصيب بالعرج إثر حادث سير، وتناسلت هذه العاهة بكل تردداتها النفسية، داخل تماثيله.
رأي جان جينيه العزلة ليست فقط في الأجساد الإنسانية بل في هذا الكلب المنحوت من الجبس، الذي يحمل جسدًا متهالكًا.
أبدى تعجبه من وجوده وسط هذه التماثيل فقال له جياكوميتي "هذا أنا، ذات يوم رأيتني في الشارع، هكذا كنت الكلب". كان جياكوميتي يسير في شوارع باريس حاملًا روح هذا الكلب المتسكع وعزلته.
أبدى جينيه إعجابه بنسخته المصنوعة من الجبس القابل للتآكل، أكثر من نسخته المصبوبة من البرونز، ربما لأن البرونز منح عزلة الكلب خلودًا كالآلهة، بعكس الجبس، الذي منحه خلودًا هشًا قابلًا للكسر. رأى جينيه أن البرونز هو الفائز عندما استخدمه جياكوميتي في نحت نسائه، فهو المعدن الذي يليق بالإلهات، كما كان ينحت جياكوميتي نساءه.
نظام مختلف
كانت الأشياء منثورة دون ترتيبٍ صارم في مرسمه، وربما هذا الترتيب المختلف للأشياء جعل المرسم واقعيًا وحقيقيًا في عين جينيه، فوسط هذه الأجساد الهشة، تكمن الحقيقة، رغم إحساس التحلل والفناء الذي يسم كل مفردات عالمه، فبمجرد خروجه للشارع لا يعود يرى أي شيء حقيقيًّا فيمن حوله.
كان جياكوميتي يرى النظام تبعًا لقانون خاص، حتى أثناء جلوسه على مكتبه كان يبحث عن الرابط الحميم بين أشيائه، الذي يمنح لكل عنصر تفرده، وما يسببه دخول عنصر جديد أو نقصان آخر على هذا النظام. كان يثور على زوجته لو قامت بإزالة الغبار العالق بالنوافذ، فلم يكن له مكان آخر، للعمل والنوم، سوى هذه الغرفة.
لا يزال أحفاد هذا الغبار القديم، تلمحه على الزجاجات، والأسطح، ولا يزال هناك زمن يمضي، وساعة تتكتك وتحسب تلك الخطوات لذلك التمثال الجبسي لرجل يسير بهمة للأمام، يقطع مسافة تتعدى الحاجز الزجاجي للمرسم، ويدخل في زمننا.
الرؤوس المتحجرة
يحكي جياكوميتي في سيرة حياته عن لحظة فارقة تحجرت فيها الأشياء من حوله. ذات يوم في السينما رأى الأجساد على الشاشة عبارة عن نقاط بيضاء وسوداء، وعند خروجه للشارع أصبح كل شيء غريبًا من حوله، كأنه يشاهده للمرة الأولى، لم يعد يرى شيئًا كما كان سابقًا؛ الأشياء، المسافات، الألوان، أصبح يرى فقط رؤوسًا متحجرة وسط الفراغ، وكل ما يقع بصره عليه، كأنه يحمل عين ميدوزا.
يقبض مباشرة على الجوهر الخالد داخل هذه الرؤوس. في طفولته كانت الصخور صديقًا حميمًا له، تتربع على قمة الأشياء المبهجة في حياته، وكان يتخذ من أحد الكهوف التي تقع بجوار بيت العائلة مكانًا للاختباء.
كان معنيًا بدراسة الجزء كتعبير عن الكل. لم تكن الرأس، وبالأخص العينين، سوى الجزء الذي يكشف الكل/الإنسان، فالعينان هما جوهر الإنسان والحياة. كان مفتونًا بنظرة الإنسان، فالحياة تكمن في العيون. هي الجزء الوحيد الذي يمنحه الإحساس بوجود كل شيء. وربما هذا ما يظهر في بورتريهاته المحايدة، الخالية من العاطفة، فقد كان هدفه التقاط حيوية نماذجه، لا نفسيتها.
هناك جملة لجياكوميتي في سيرته الذاتية مفادها أن الإحساس بالفراغ يولد السكون، أو الصمت، وهو ما يفعله بالضبط، ينحت السكون والصمت ليخلق أشكاله، وهو الإحساس الذي انتابني إثر هذا اللقاء مع هذه الأجساد المتحجرة، كنتُ جزءًا من هذا الفراغ والصمت معًا، الذي كانت تتحرك فيه يدا الفنان لتنحتا أشكالهما. يتحول جسدك في ومضة إلى منحوتة تراها عينٌ لا تراها أنت، ثم يعود مرة أخرى لسيرته الطبيعية.
أمام هذا المرسم الزجاجي لجياكوميتي، تذكرت المقام الزجاجي لأبي الحسن الشاذلي في حميثرة وكيف كان يتراجع المريدون أمامه بظهورهم، احترامًا لصاحبه. فقط خادم المقام كان له الحق في تجاوز هذه الحواجز الزجاجية، ليصل إلى البرزخ، داخل المقام، حيث الضريح، ويتماهى مع قدسية صاحبه، إذ أصبح جزءًا لا يتجزأ من المقام، كما يقف الزائرون الآن أمام هذا المرسم الزجاجي لصاحبه الغائب.

